الأندلس بعد الفتح: كيف انصهرت الأعراق وغيرت التاريخ؟
1

الأندلس بعد الفتح، تلك اللّوحة المميزة التي تشكّل فسيفساء الاختلافات كُلّها؛ في الدين، والعرق، والثقافة، والخلفية التاريخيّة. لتأتي جميعُها منصهرةً في حضارة واحدة.

يقول في ذلك لطفي عبد البديع في كتابه، الإسلام في إسبانيا:

 وكان من طبيعة الأشياء أن يتصل بعضها ببعض، سواء بالمصاهرة، أو بالعشرة، أو بالمجاورة، وأن يأخذ كل منها عن الآخر ويعطيه. ممّا كان له أثره في طبيعة الحضارة الأندلسية، بحيث كانت أشبه ببوتقة انصهرت فيها عقليات شتّى وثمرات ثقافات متباينة.

لنكتشف معًا تلك التركيبة الاستثنائية!

التركيبة السكانية

كانت الأندلس مزيجًا عجيبًا بين العرب، والأمازيغ، والموالي، والمولدين، والصقالبة، والمستعربين، واليهود.

• العرب: كان معظمهم من القبائل العربيّة التي يذيع صيتها في المشرق، كالقبيلة العدنانية، والقبيلة اليمنية القحطانية. وكان منهم الأمويّون الذين هربوا إلى الأندلس اتّقاءً لبطش الدولة العباسيّة بهم. سموا بالبلديين، نظرًا لاستقرارهم في بلاد الأندلس، ولزموا المناطق الخصبة في البلاد.

الأمازيغ: لقد كانوا اللّبنة الأساسية لجيش طارق بن زياد الذي انطلق من شمال إفريقية لفتح الأندلس، ثمّ انضمّ إليهم عدد كبير فيما بعد، واستقرّوا في المناطق الجبلية وفي إشبيلية نظرًا لتشابه مناخها وتضاريسها بتلك التي كانت في بلدانهم.

قلعة جازول مركز الأمازيغ في الاندلس
قلعة جازول في الأندلس وهي مركز الأمازيغ.

• الموالي: دخلوا الأندلس مع أسيادهم، بخلفيات وأصول متباينة، بين الشاميين والأمازيغ والإسبان. وقد كانوا بالنسبة لبني أميّة؛ سلاحًا قويّا سمّوا على إثره بالنّعمة. واعتمدوا في توطين معالم الدّولة وحمايتها، فتقلدوا مناصبَ عاليةً كالقضاء والوزراء.

الأندلس - أهل الأندلس

• المولدون: لا شكّ أنكم سمعتم -خاصة المشارقة منكم- بزجل (الزغرودة) التي تقول فيه النّسوة:

أيوها مبروك يا بني انشال الهم من بالك
أيوها حقّك تشوف بعروسك عالمدى حالك
أيوها اليوم عرسك كنار الأرز غنّالك
أيوها بالحسن أخت البدر يا ألف نيّالك

ولا شكّ أنكم وأنتم تقرأون الكلمات، قد بدأتم تردّدون معها بطرب وشجن. الفضل في ذلك يعود إلى المولدين. هذه الأزجال، وغيرها من الموشحات ذات الأصل الأندلسي، قد كان للمولّدين -الذين يعرفون بأنّهم ثمرة زواج الرجال العرب أو البربر بالنساء الأعجميات- دور كبير في ظهورها. نظرًا لمعرفتهم باللغتين العربية والرومانثية (العامية الإسبانية)، وتوليدهم للهجة جديدة تتداخل فيها اللغتان.

ويعرفون كذلك بأنهم الإسبان الذين اعتنقوا الإسلام ويسميهم، الإسبان بالمرتدين – Renegados، لأنهم تركوا دينهم المسيحي. وقد احتفظ بعضهم مع إسلامهم؛ بأسمائهم الإسبانية كبني أنجلين – Angelino وبني مردنيش – Mardinez.

• الصقالبة: كان معظمهم أطفالًا يتمّ جلبهم من البلدان المجاورة التي لا تخضع لحكم الأندلس، ثمّ تتم تربيتهم على المبادئ الإسلامية، وإدارة شؤون القصر.

الفصائل الأخرى من الإسبان غير المسلمين الذي اندمجوا في الأندلس فقد عرفوا بالمستعربين. وكانت لهم علاقات قويّة مع المسلمين، حتّى أنهم تعلموا اللغة العربية، وصاروا يتكلمون بها. ولعل ذلك كان موضع حسرة وتذمر من طرف القسّ ألفارو – Alvaro، الذي كتب:

إنّ كلّ الموهوبين من شبابِ المسيحيين، لا يعرفون اليومَ إلاّ لغة العرب وآدابها. ويؤمنون بها ويُقبلون عليها في نهمٍ وهم يُنفقون أموالاً طائلة في جمع كتبها، ويصرّحون في كلِّ مكانٍ، بأنّ هذه الآداب خليقةٌ بالإعجاب… يا للألم!

أمّا اليهود، فقد تركّزوا بشكل أساسي في قرطبة، حتى بني باب يعرف باسمهم ثمّ ارتفع عددهم في إشبيلية وطليطلة.

باب اليهود في قرطبة - الأندلس
باب اليهود في قرطبة بالأندلس.

كانوا يمثلون مع المسلمين نسيجًا واحدًا، خاصة بعد تعلمهم العربية، واندماجهم مع تقاليدهم وعاداتهم.

إن تعايش كل تلك الجنسيات المختلفة مع بعضها في الأندلس بتناغم تام، ثم حركة الزواج والمصاهرة التي تمت فيما بينهم، قد أنتجا فيما بعد كيانًا واحدًا أدى إلى خلق أنواع جديدة من أجيال -يصعب على من أراد تمييزهم حسب خلفياتهم- أن يفعل ذلك. وكل هذا سيظهر بشكل أوضح، في العادات والتقاليد، وهذا ما سنتحدث عنه تاليًا.

ماذا عن عادات مجتمع الأندلس وتقاليده؟

أتت هذه الأخيرة كخلاصة لتعايش مجتمعات متفرقة مع بعضها البعض، فأخذت مما كان موجودًا قبل الفتح، وأخذت من الوافدين على الأندلس بشكلٍ عام، وشكلت بعضها مع بعض، لوحة مجتمعية مميزة. هيا لنكتشفها معًا!

  • الدُّعابة والمرح: فقد اشتهر الأندلسيون بمرحهم وخفّة ظلهم. حيث يقول في ذلك المقريّ، صاحب كتاب (نفح الطيب من غسن الأندلس الرطيب):

 الظرف فيهم والأدب كالغريزة، حتى في صبيانهم ويهودهم، فضلًا عن علمائهم وأكابرهم.

  • السّفارة بين العشاق: فقد شاع وجود سفراء بين المتحابين من رجال ونساء، لينقلوا لهم أخبار بعض، ويحدّدوا عن طريقهم مواعيد للقاء. ويقول المقري في هذا الصدد:

 بعض أرباب الأسر بقرطبة، يحذّرون الفتيات الناشئات، من النساء ذوات العكاكيز والنسيج والثوبين الأحمرين.

  • المبالغة في النظافة: فقد قال المقري عن أهل الأندلس إنهم أكثر الناس عناية بنظافة أكلهم وملابسهم، وإنّهم يفضلون الصابون على قوت يومهم. حتى سُنّت قوانين، تمنع من فتح محلات الأكل، والشرب، بجانب محلات الحرفيين. ووضع مراقب خاص، للطباخين، يعنى بشأن نظافة أوانيهم وأجسامهم وملابسهم.

المائدة الأندلسية

لقد كان الخبز أيقونة أساسية من أيقونات المائدة الأندلسية التي لا يمكن الاستغناء عنها. وعُرفت أنواع عديدة، منها خبز الخشكار المخبوز من دقيق غير مغربل. وذلك على عكس خبز الحُوّارى أو الدرمك، الذي يخبز بدقيق مغربل ويدل على يسر حال وغنى. كذلك بالإضافة إلى خبز الذرة والحمص والأرز.

خبز الدرمك - الأندلس
خبز الدرمك.

كما كان لأطعمة بلدان المشرق والمغرب حظها من الأندلس كمطبخ وأكلات، حيث أخذ المطبخ الأندلسي الجعفرية (دجاج متبّل مرفق ببيض) والبرمكية من المشرق، و اللمتونية والصنهاجي والكسكسي من المغرب. كما كانت هناك أطعمة تميزت بها الأندلس كأطعمة محلية مثل: الطليطلية.

وقد كان للحلويات شأن عظيم في الأندلس وكانت محلاتها تفتح حتى بعد صلاة العشاء، وقد اكتسحت الحلويات الأندلسية التي أحضرها الأمويون معهم (كالكنافة والقطايف، إضافة إلى أنواع أخرى كالفالوذج الفارسي والزلابية والكعك) الساحة الأندلسية كلها.

كما عُرفت مدينة شريش في الأندلس بنوع من أنواع الحلويات المسمّاة: المجبنات. والتي تصنع بالسميد ويتم حشوها بجبن البقر، وأصبحت مضرب المثل. ويقول فيها أهل الأندلس:

من دخل شريش، ولم يأكل المجبنات فهو محروم.

المجبنات - الأندلس
مثال على المجبنات.

والجدير بالذكر أن البركوكش أكلة موسومة تتسم بالتواضع، وفيها يقول الأندلسيون:

آش دخل البركوكش في الضيافة.

كان هناك نظام خاص في تقديم الأطباق أثناء الضيافة. فيبدأ المضيف بالحساء والمقبلات، ثم الخضار واللحم، وينهي بالفاكهة والحلوى.
وقد أخذوا من زرياب المشرقي هذا النظام، كما علمهم وضع الطعام في أواني الزجاج بدل الذهب والفضة، وساهم في إثراء تراث الأندلس بوصفات عديدة لعل أبرزها: التفايا؛ والتي تكون مكونة أساسًا من الكزبرة والكباب.

أهل أندلس

نعود من حيث أتينا، لنطرح أسئلة كثيرة متعاقبة حول الأندلس الأثيرة: كيف كان لباس الأندلسيين؟ وكيف كانوا يقضون أوقاتهم؟ وهل من طقوس خاصة يتبعونها في الأعياد والجنائز؟

الإجابة في الأجزاء القادمة.. انتظرونا..

1

شاركنا رأيك حول "الأندلس بعد الفتح: الأعراق والأطعمة وعشرات الأشياء بالمنتصف!"