تفسير العوالم المتعددة لميكانيكا الكم
0

كنا قد تحدثنا في مقالاتنا السابقة عن تفسير كوبنهاغن لميكانيك الكم بإسهاب شديد. وذكرنا كم من مرة حاول الفيزيائيون إيجاد ثغرات به وذلك بسبب الصورة الغريبة للغاية التي يعطيها عن العالم. وعلى الرغم من أن تفسير كوبنهاغن استطاع تجاوز كل التحديات التي وضعت في وجهه، إلا أنه بقي فوق احتمال البعض كنموذج عن العالم. واليوم، سنتحدث عن أحد التفسيرات البديلة لميكانيك الكم الأكثر شيوعاً، ألا وهو تفسير العوالم المتعددة§، الذي وضعه الفيزيائي الأمريكي هيو إيفيريت§ عام 1957 في أطروحته للدكتوراه آنذاك.

ماذا يقول تفسير العوالم المتعددة؟

في الواقع، ينطلق تفسير العوالم المتعددة من فكرة قوية ولا شك. فبما أننا لا نستطيع وصف الأجسام المتشابكة مع بعضها (تشابكها يحصل نتيجة للتفاعل فيما بينها) بدوال موجية خاصة بكل منها على حدة، بل يمكن توصيف الجملة ككل فقط بدالة موجية، لذلك فمن الأحرى بنا تطبيق هذا الكلام على الكون ككل لأنه لا توجد جملة معزولة تماماً غيره على ما نعلم، ولذلك يمكن الحديث فقط عن دالة موجية للكون ككل. وبما أننا نصف الكون ككل، فلا معنى للحديث عن راصد يسبب الانهيار للدالة الموجية. وبالفعل، فإن تفسير العوالم المتعددة يتخلى تماماً عن فكرة انهيار الدالة الموجية.

وبدلاً من ذلك، فهو يعتبر أن الدالة الموجية بحد ذاتها هي ما يكوّن الكون بالفعل، وأن تاريخ الكون هو شبيه بشجرة ذات أغصان تتفرع باستمرار، ويعتمد في ذلك على خاصية في ميكانيك الكم هي الخطية، والتي يمكن تلخيصها بأن النتائج الممكنة بعد القياس لتجربة ما، تتطور بشكل مستقل عن بعضها مع الزمن.

لنشرح ما سبق بطريقة أوضح: لنأخذ على سبيل المثال تجربة قياس سبين الإلكترون وفق اتجاه ما في الفراغ. فبما أن النتائج الممكنة بعد القياس هي سبين موجه بجهة الحقل المغناطيسي أو سبين موجه بعكس الحقل، يقول تفسير العوالم المتعددة أن الدالة الموجية تتفرع هنا عند القياس فعلاً لفرعين، في أحدهما يكون السبين بجهة الحقل وفي الفرع الآخر يكون بعكسه. وهذان الفرعان مستقلان عن بعضهما ولا يتفاعلان معاً ويتابع كل منهما تطوره الخاص مع الزمن. ويشكل كل منهما عالماً بذاته. ولو قررنا في أي فرع منهما إجراء القياس مجدداً على الإلكترون وفق اتجاه آخر في الفراغ، فسيتفرع الكون من جديد لعالمين مستقلين يقابل كل منهما نتيجة من نتيجتي القياس الممكنتين، وهكذا دواليك!

نقاط قوة تفسير العوالم المتعددة

نلاحظ مما سبق أنه لا حاجة بنا على الإطلاق في تفسير العوالم المتعددة لإقحام دور خاص للراصد، كما أنه لا يوجد مفهوم لانهيار الدالة الموجية. والراصد يوصف مثله مثل أي شيء في الكون بقوانين ميكانيك الكم.

وهذه ميزة تجنب تفسير العوالم المتعددة تلقائياً التعامل مع العديد من المفارقات كقطة شرودينغر§ وصديق فيغنر§ وغيرها.

كما أنه بتجنبه لمسلمة القياس في ميكانيك الكم التي تحدثنا عنها في مقال “تفسير كوبنهاغن: محاولة لتفسير ميكانيكا الكم” (والتي تقول بأن الدالة الموجية تنهار بشكل اعتباطي لدى إجراء القياس)، فهو يكتفي فقط بالبنية الرياضياتية لميكانيك الكم التي يتم توصيف التطور عبر الزمن فيها للدالة الموجية بشكل سلس عبر معادلة تدعى معادلة شرودينغر، وهو أمر مذهل حقاً!

مع العلم أن معادلة شرودينغر ستصف الدالة الموجية للكون ككل في هذه الحالة بكل فروعها.

نقاط ضعف تفسير العوالم المتعددة وأبرز المشاكل التي تواجهه

على الرغم من النجاحات السابقة لتفسير العوالم المتعددة، إلا أنه للأسف يواجه من المشاكل القدر الكبير والتي لم تحل كلها لغاية اليوم.

وهناك بشكل رئيسي معضلتان تواجهانه. الأولى، هي أن تفسير العوالم المتعددة يعيد توصيف الكون ككل بطريقة حتمية من خلال أن جميع الفروع التي ستتفرع لها الدالة الموجية معروفة تماماً، فمن أين يأتي التوصيف الاحتمالي إذاً في ميكانيك الكم؟ في الواقع لقد حاول هيو إيفيريت نفسه حل هذه المعضلة بالقول بأنه من الصحيح أن الكون ككل بكل فروعه حتمي، إلا أنني لن أعلم بالضبط في أي فرع من الفروع سأجد نفسي بعد القياس، وبذلك فهذا الجهل هو منبع التوصيف الاحتمالي الذي علي استخدامه في فرع الكون الذي أجد نفسي فيه.

أما المشكلة الثانية، فهي مشكلة تخصصية كثيراً، وهي تتعلق بالطريقة التي نحسب فيها الاحتمالات في ميكانيك الكم، فنحن نفعل ذلك من خلال قاعدة تدعى قاعدة بورن نسبة للفيزيائي الألماني ماكس بورن والتي تنص (لو تسامحنا قليلاً في استخدام المصطلحات) على أن احتمال أن نحصل على نتيجة معينة يتعلق بمربع طويلة الفرع من الدالة الموجية المقابل لتلك النتيجة، وقد شرحنا السبب في وجود هذه القاعدة في مقال “في عالم ميكانيك الكم الأغرب من الخيال.. من الحتمية إلى الاحتمالات!”. فما هو السبب في صحة قاعدة بورن وفقاً لتفسير العوالم المتعددة؟ في الواقع، حصلت العديد من الأبحاث التي تحاول الإجابة على هذا السؤال، ولكن للأسف، فهي لم توفق لليوم في ذلك.

الخلاصة

إذاً، على الرغم من أن تفسير العوالم المتعددة يقدم حلولاً بديلة للعديد من الأمور الغريبة في ميكانيك الكم، إلا أنه للأسف لا يخلو من مشاكل تفوق في بعض الأحيان المشاكل الموجودة في تفسير كوبنهاغن، ونقصد هنا بالتحديد قاعدة بورن التي تحدثنا عنها في الأعلى.

في المرة المقبلة، سنتعرف على تفسير آخر لميكانيك الكم، وهو التفسير الإحصائي، وبالنسبة لي على الصعيد الشخصي، فهو التفسير الذي أتبناه حتى اللحظة. لماذا؟ هذا ما سنراه في المرة المقبلة.

0

شاركنا رأيك حول "تفسير العوالم المتعددة لميكانيكا الكم: ما له وما عليه وهل انتهت معضلة التفسير حقًّا؟"