0

تطرح رواية “Oscar And The Lady In Pink – أوسكار والسيدة الوردية” للكاتب الفرنسي “Éric-Emmanuel Schmitt – إريك إيمانويل شميدت” سؤالًا فلسفيًا مهمًا وهو سؤال الموت، كيف نواجهه وكيف نتقبله وما دور الإيمان في بنيوية هذا التقبل؟

“إذا تقبلت الموت في حياتي، واعترفت به، وواجهته مباشرةً، حينئذ فقط سأحرر نفسي من قلق الموت وتفاهة الحياة، وعندها فقط سأكون حرًا في أن أكون أنا” – مارتن هايدجر.

إريك إيمانويل شميدت وقصة أوسكار

درس إريك إيمانويل شميدت الفلسفة، وعمل محاضرًا لها بجامعة شامبيري قبل أن ينتقل للأدب، الذي استخدمه كأداة لعرض فلسفته. ففي ثاني مسرحياته “الزائر” يزور سيغموند فرويد، ويدور بينهما نقاش طويل حول الكينونة الإنسانية والموت والدين.

حصل شميدت على جوائز عديدة وضعته في مكانة جيدة وسط أدباء فرنسا المعاصرين، منها جائزة موليير (1994) عن أفضل كاتب مسرحي، وحازت مسرحية “التغييرات الغامضة” على جائزة أفضل مسرحية لعام 1996، وجائزة المفكر الحر عام 1997 عن “دنيس ديدرو”، وترجمت رواياته لأكثر من ثمان لغات، بلغ مجموع طبعات رواية “أوسكار والسيدة الوردية” 98 طبعة، وتُرجمت للعامية المصرية والفصحى، وتحولت لفيلم من إخراج مؤلفها.

إريك إيمانويل شميدت - رواية أوسكار والسيدة الوردية
إريك إيمانويل شميدت مؤلف رواية أوسكار والسيدة الوردية.

تتناول الرواية قصة الفتى أوسكار ذي العشر سنوات، والمريض بالسرطان في أيامه العشرة الأخيرة، ولقاءه بالسيدة الوردية، التي تُقنعه أن يكتب رسائله إلى الله؛ حتى يشكو له ويطلب منه الأُمنيات، وستجعله يعيش كل يوم من أيامه العشرة التالية وكأنه عشر سنوات بشرط أن يؤمن، إلى أن يصل في رسالته الأخيرة إلى 110 عامًا.

يجري نص الرواية على شكل رسائل من أوسكار إلى الله خالية من الابتذال وملئه بالعاطفة، أتقن شميدت تحليل مشاعر الفتى فهو الذي مر بنفس تجاربه تقريبًا، كان إريك إيمانويل شميدت مريضًا بالسرطان في طفولته قبل أن يشفى منه ويغادر المشفى مدركًا قيمة الحياة، وهو كذلك ولد لأبوان ملحدان مثل أوسكار.

يتقن شميدت التوغل في سذاجة وبراءة الطفل عند مخاطبته لله والتي تحول بعض مواقف الرواية إلى كوميديا واضحة، فهو في رسالته الأولى يسأل عن عنوان الله كي يرسل له الرسالة، ويؤكد طلبه في الرسالة الثانية: “ما عنوانك بحق!” ويحكي له -في رسائله- عن زيارته الأولى للكنيسة مستغربًا من تمثال المسيح على الصليب وبالإكليل ذي الشوك: “لو كنت إلهًا مثلك ما كنت لأسمح لهم أن يفعلوا بي هذا”.

فلسفة الموت في أوسكار والسيدة الوردية

يفضل شميدت المبحث الفلسفي في البحث عن مغزى الحياة على غيره من المباحث، ففي إحدى الرسائل يحادث أوسكار السيدة الوردية مُستنكرًا حين لم يجد كلمات، مثل: (الحياة – الموت – الإيمان – الله) في المعجم الطبي:

–  يخيل إلي أيتها الماما الوردية أن المعجم الطبي يحتوي فقط الحالات الخاصة، والمشكلات التي يمكن أن يصادفها أي إنسان. ولكن ليس هناك ما يتعلق بالجميع كالحياة والموت والإيمان والله.
–  ربما من الأفضل أن تأخذ المعجم الفلسفي يا أوسكار، ولكن حتى لو وجدت فيه المفاهيم التي تبحث عنها اعتقد أن ما سينتظرك هو خيبة الأمل: الأجوبة والتفاسير كثيرة وهي مختلفة.

تتمحور الفِكر الجانبية العديدة في أوسكار والسيدة الوردية حول تقبل الفتى للموت وكيف أن هذا الموت ضروري لخلق معنىً للحياة، قد يذهب شميدت مذهب كلًا من بيرنارد ويليامز (أستاذ الفلسفة) وفيكتور فرانكل (عالم الأعصاب) حول أن الموت هو من يخلق قيمة الحياة.

يرى فرانكل أننا إذا كنا خالدين فسنؤجل كل شيء نريد فعله للأبد، لن تكون هناك عاقبة إذا فعلناه أم لم نفعله، فلدينا متسع من الوقت حتى نفعله، ولكن حينما ندرك حتمية الموت في حياتنا نحاول الاستفادة من كل لحظة في الحياة وبالتالي تُخلق قيمتها.

وعلى الأغلب أن هذا هو الدور الذي لعبته السيدة الوردية في حياة أوسكار القصيرة، فقد جعلت من أيامه العشرة الأخيرة أكثر أيامه امتلاءً بالأحداث أو بالأحرى حولتها لحياة كاملة، فقد تقدم للزواج من صديقته في المشفى بيغي بلو والتي كانت مخطوبة لصديقة آنيشتاين والذي لم تكن تحبه بالفعل، وقد طلبت منه الطلاق في مرحلة عمرية أخرى وكأنه يمر بشتى نزوات الحياة التي قد يمر بها فردٌ عاش 100 عامٍ حقًا.

رواية أوسكار والسيدة الوردية

الإيمان بحثًا عن معنى للحياة

تمعن يا أوسكار بوجه الإله على الصليب: إنه يختبر معاناه جسدية وليس معنوية، لأنه يؤمن. وفورًا لا تعود المسامير مؤلمة هكذا. هذه ميزة الأيمان.

يوظف شميدت بكل وضوح الدين كأداة للبحث عن معنى للحياة، فكانت هذه -بشكل أو بآخر- المهمة الأساسية للسيدة الوردية، جَعل أوسكار يكتب رسائله إلى الله، وكذا تبين في نهاية الرواية أن أوسكار كان وسيلة لزيادة إيمان السيدة الوردية.

يذهب شميدت في هذا المُنطلق مَذهب لويس بول بوجمان، فيلسوف الأخلاق الأمريكي، يرى بوجمان أن الدين (الإيمان) يخلق معنى الحياة فالدين يجيب عن الأسئلة الكبرى التي تسلب الحياة معناها، مثل أصل الكون ومصيره، كما أنه يبعث الطمأنينة في نفس المؤمن فالخير (الله) سينتصر في نهاية المطاف على الشر، والله معنا دومًا ويرعانا طالما آمنا به:

–  لم لا تكتب إلى الله يا أوسكار؟ [..]
–  ولماذا أكتب إلى الله؟
–  كي لا تشعر أنك وحيدًا إلى هذا الحد.
–  لا أشعر بالوحدة مع شخص غير موجود من الأساس؟
– إذًا اجعله موجودًا بالنسبة إليك، كل مرة تؤمن فيها به سيصبح وجوده أكبر قليلًا. وإذا أصبحت تؤمن بإصرار فسوف يعيش داخلك بكل قوته، وعندها سيفعل لك الخير.

على الجانب الآخر، يبدو أن شميدت عالج الشخصيات غير المؤمنة بالله مثل والدي أوسكار كأنهم بلا هدف ولا معنى لحياتهم:

– أوسكار، ألم يحدثك والداك عن الله من قبل؟
– لا، والداي حمقى.
– أتعني أنهم لم يحدثوك عن الله؟
– مرةً واحده فقط، قالوا إنهم لا يؤمنون به.

والد ووالدة أوسكار ظلا نكرتين طيلة الأحداث، لا يُعلم من أين يأتون ولا إلى أين يذهبون وإنما فقط يجلبون معهم معطيات جديدة للأحداث وكأنهم ليسوا عنصرًا منها. والأهم من ذلك أنهما “جبانان ويخافان الموت” كما قال أوسكار.

الحياة هبة أم دَين؟

كنت أحاول أن أشرح لوالديّ أن الحياة هبةٌ غريبة. في البداية نغالي في تقديرها: ونعتقد أننا استلمناها لنستخدمها دومًا ثم نسيء تقديرها حين نجد أن الحياة قصيرة جدًا وغير كاملة ونكون مستعدين تقريبًا للتخلي عنها. وفي النهاية ندرك أنها لم تكن هبة بل دين. وعندها نحاول أن نستحقه. – أوسكار والسيدة الوردية، الخطاب الرابع عشر.

في عامه المئة يدرك أوسكار أن حياته “لم تكن هبة بل دَين”. تساعد فكرة معاملة الحياة على أنها دين لا هبة على توكيد قيمة الحياة الغالية، ففي حالة إدراك المرء دين الحياة ستكون عنده قابلية أكبر لإنجاز واجبات الحياة في كل مرحلة عمرية دون أدنى تهاون للتخلص من هذا الدين، أما معاملة الحياة كهبة فإنها تجعلنا نشعر وكأننا “استلمناها لنستخدمها” وهو ما ندركه مُتأخرًا.

0

شاركنا رأيك حول "كيف نواجه الموت على طريقة أوسكار والسيدة الوردية؟"