جيفري ايبستين .. المهووس الجنسي
0

مات جيفري إيبستين – Jeffrey Epstein رجل الأعمال والميلياردير الأميريكي، في العاشر مِن شهر أغسطس 2019 في زنزانته في سجن منهاتن في نيويورك. وأشارت التصريحات أن الوفاة كانت ناتجة عن انتحار السجين شنقًا.

بعد تشريح الجثّة، اتّضح وجود كسور في عدد من عظام الرقبة، مما دعا إلى فتح قضية للتحقيق في السبب الحقيقي لوفاة جيفري إيبستين، والمُتّهم بقيادة شبكة عملاقة لاستغلال القاصرات جنسيًا لأكثر من عشرين سنة.

شبكة جيفري إيبستين العملاقة لاستغلال القاصرات

مُلصق فيلم وثائقي عن جيفري إيبستين، من إنتاج نتفليكس (2020)
مُلصق فيلم وثائقي عن جيفري إيبستين، من إنتاج نتفليكس (2020).

اتُهِم جيفري إيبستين على مدى سنوات من قِبل عشرات النساء بالاعتداء عليهن جنسيًّا عندما كنّ قاصرات. حيث قُدِّمت ضدّه بلاغات مِن قِبل ضحاياه لشرطة بالم بيتش – Palm Beach في فلوريدا منذ سنة 2005. كما صرّحت إحدى الضحايا -ضمن شهادتها في الفيلم الوثائقي Jeffrey Epstein: Filthy Rich– أنّها وأختَها تعرّضتا للتحرّش من طرفه في التسعينات. وقدّمَتا ضدّه شكوى لمكتب التحقيقات الفيديرالي –FBI سنة 1996.

وتأتي الاتهامات في أُطُر متشابهة، حيث تتكرّر نفس القصة مع اختلاف اسم الضحية: تقترح إحدى زميلات الدراسة على فتاةٍ ما مُرافقتَها إلى منزل شخص فاحش الثراء سيدفع مبلغا من المال (200 دولار) مقابل جلسة تدليك. ثم تذهب الفتاتان معًا، ثم في آخر لحظة تنسحب صاحبة الدعوة لتبقى الضحية وحدها مع جيفري إيبستين في غرفة التدليك.

حيث تبدأ عملها بصورة طبيعية، ثم فجأة تتحوّل الجلسة إلى عملية تحرّش واعتداء جنسي على الفتاة القاصر. قبل المُغادرة، يُخبِر جيفري إيبستين ضحيّته أنّها تستطيع أخذ المبلغ المالي الموجود على الطاولة، ثم ينزل لإعطاء مبلغ أكبر للفتاة التي أحضرت الضحية. بهذه الطريقة تشكّلت شبكة هرمية للاستغلال الجنسي للقاصرات، يترأسُّها جيفري إيبستين وصديقته غيلين ماكسويلGhislaine Maxwell، ويتفرّع منها عدد كبير من الفروع الهرمية، تمثّل الفتيات اللواتي كلّفَهُن بإحضار الضحايا، والضحايا اللواتي وافقن على إحضار فتيات أخريات.

كما اتّهمت الضحيةُ فيرجينيا روبرتس – Virginia Roberts جيفري إيبستين بتجارة الجنس، حيث كان يُرغِمها على الاسترقاق الجنسي لأصدقائه من الشخصيات البارزة مثل: الأمير أندرو ابن الملكة إليزابيث الثانية، والمحامي الأكاديمي ألان دارشويتز – Alan Dershowitz.

القضاء في قبضة المال والسُلطة

جيفري إيبستين مع صديقته غيلين ماكسويل، دونالد ترمب (الرئيس الأمريكي الحالي) وزوجته.
جيفري إيبستين مع صديقته غيلين ماكسويل، ودونالد ترمب (الرئيس الأمريكي الحالي) وزوجته.

تعاملت شرطة بالم بيتش مع البلاغات التي تلقّتها بجدّية، وبدأت تحرّياتها للعثور على ضحايا قد يُدلون بشهاداتهم لدعم القضية، وهناك كانت المفاجأة: كل فتاة تقودهم إلى فتيات أخريات، وفي وقت قياسي كانت الأرقام تتضاعف بشكل رهيب.

يوم 20 أكتوبر 2005، قامت الشرطة بتفتيش منزل جيفري إيبستين في بالم بيتش، ولاحظت أنّ الجدران كانت تكسوها العديد من الصور والأعمال الفنية التي تُظهر قاصرات في وضعيات وملابس غير لائقة. كما لاحظ المفتّشون اختفاء الحاسوب وبقاء مجموعة من الأسلاك المُعلّقة في مكانه؛ فاستنتجوا أنّ إيبستين كان على الأرجح يعلم بعملية التفتيش. لكنهم مع ذلك وجدوا أوراقًا لرسائل الهاتف يُثبِت محتواها صحّةَ ادّعاءات الضحايا.

رسالة تقول "لدي أنثى لأجله".
رسالة تقول “لدي أنثى لأجله”.

في شهر ماي 2006، رفعت الشرطةُ القضيةَ إلى مكتب باري كريشر – Barry Krischer المُدّعي العام للدولة، وفي شهر يوليو، أدان القضاء جيفري إيبستين بتهمة واحدة فقط: التحريض على الدعارة. ودخل فيها إيبستين السجن لعدّة ساعات ثم خرج بعد دفع كفالة. وهذه كانت خيبة الأمل الأولى.

تعامَل كريشر مع القضية كأنّها تتعلق ببائعات هوى تقاضَين أجرًا مقابل خدماتهن، بينما في الواقع لم تكن الفتيات على عِلم بأنّ جلسات التدليك كانت مسرحًا للجريمة. بالإضافة إلى أنّ الأغلبية الساحقة كُنّ دون عُمر 18 سنة، أي أنّهن قاصرات في عين القانون، والاستغلال الجنسي للقاصرات جريمة بحد ذاتها. تبدو هذه التفاصيل واضحة وجليّة حتى للعامة، فلماذا تعامل مكتب الادّعاء العام بتساهل مع جيفري إيبستين يا ترى؟

مآلات القضية لم تكن مُرضية في نظر شرطة بالم بيتش، والتي تواصلت مع أهالي الضحايا وأعلمتهم بإحالة القضية لمكتب التحقيق الفيديرالي لإعادة النظر فيها.

جزء من رسالة رئيس قسم شرطة بالم بيتش لأهالي الضحايا - جيفري إيبستين
جزء من رسالة رئيس قسم شرطة بالم بيتش لأهالي الضحايا

في شهر يونيو 2007، حضّر مكتب التحقيق الفيديرالي لائحة اتهام من 53 صفحة تكفي لإدانة جيفري إيبستين بالسجن المؤبّد.

يوم 30 يونيو 2008، وقف جيفري إيبستين أمام محكمة بالم بيتش، وتمّت إدانته بتُهمة التحريض على الدعارة وتهمة التحريض على الدعارة مع قاصر. وحُكِم عليه بالسجن لمدة 18 شهرًا، متبوعًا بعام من الاحتجاز في المنزل. لكن الحُكم لم يُنفّذ إذ سُمِح له بالذهاب إلى مكتبه للعمل واستقبال الزوار لمدّة 12 ساعة يوميًّا، وتم إطلاق سراحه قبل 5 أشهر من الموعد المحدّد. كما لم يحترم إيبستين الحَجر المنزلي الذي فُرِض عليه وشوهِد في نيويوك مرّات عديدة.

كل هذه التجاوزات والتساهلات والتخفيفات في الحُكم كانت برعاية ألكسندر أكوستا – Alexander Acosta المُدّعي العام للولايات المتحدة الأمريكية في ميامي، والذي عُيِّن وزيرًا للعمل من طرف دونالد ترمب. لكنه استقال لاحقًا بسبب ارتباطه بفضيحة جيفري إيبستين بالطبع.

في شهر نوفمبر 2011، أدرجت نيويورك اسم جيفري إيبستين في قائمة المتّهمين بارتكام جرائم من المستوى الأعلى والأخطر في سلّم الاعتداء الجنسي، لكنّه ظلّ حُرًّا طليقًا رغم تجنيد الضحايا أنفسهنّ لإدانته بالتنديد بالأحكام السابقة والمطالبة بإعادة النظر في القضية.

شكرًا لِـ MeToo#

حركة MeToo# النسائية التي ظهرت في نهاية 2017 كسرت حاجز الصمت لدى الكثير من النساء حول العالم، وشجّعتهنّ على الإدلاء بشهاداتهنّ للتعبير عن سُخطهن حول خضوعهن للتحرش والاعتداء الجنسي. ولتوجيه أصابع الاتّهام للمذنبين. ساهمت هذه الانتفاضة النسائية في التوعية بحجم انتشار ظاهرة التحرش عبر العالم، وخلقت ضغوطات على المحاكم والإعلام للتعامل مع المتحرّشين بالقسوة التي يستحقّونها.

رغم أنّ جيفري إيبستين لم يُتّهم بالتحرش من خلال تغريدات على تويتر، وإنّما عبر دعاوى قضائية رُفِفت ضدّه منذ 1996 وعبر السنوات التي بعدها؛ إلا أن مسار القضية تغيّر تمامًا بعد موجة MeToo#.

في شهر ديسمبر 2018، صدر قرار جديد من المحكمة يقضي بالسماح للضحايا بالإدلاء بشهاداتهنّ أمام القضاء، وفي السادس من شهر يوليو 2019 أُلقِي القبض على جيفري إيبستين في مطار نيوجيرسي عقب عودته من باريس في طائرة خاصة. أدانت محكمة نيويورك جيفري إيبستين بجريمة المتاجرة بجنس القاصرات، وجريمة استعمال ثروته لخلق شبكة عملاقة لاستغلال القاصرات. وكان من المُفترض أن  تبدأ محاكمته في شهر يونيو 2020، وأن يقضي ما لا يقلّ عن  45 سنة في السجن عِقابًا له على أفعاله.

الهرب الأخير

هذه المرة لم يتمكّن جيفري إيبستين صاحب الثروة والسّلطة وصديق دونالد ترمب، مِن التملّص من الحكم والنجاة من قبضة العدالة بفضل ماله وجاهه. لكنّه اختار الموت على الحياة -أو على الأقل هكذا بدا الأمر- فالانتحار ليس مؤكّدًا إلى يومنا هذا.

لم تتمتّع الضحايا برؤيته مُدانًا وذليلا ومسجونًا إلى الأبد، لكن القضيّة ما زالت مستمرة، فقد قبضت العدالة على غيلين ماكسويل صديقة إيبستين، وشريكته في جرائمة، في الثاني من يوليو الماضي. وتم حبسها احتياطيًّا بانتظار محاكمتها.

فهل ستتم مساءلة الأمير أندرو أيضًا؟ وهل تنتصر العدالة على المال والسُلطة هذه المرة؟

0

شاركنا رأيك حول "اخترق السياسة بالجنس: جيفري إيبستين ميلياردير أمريكا الذي انتهى في سِجن منهاتن؟"