salinger - كتاب سالينجر في حياته الحميمية
0

ذكره في الكتابات العربية نادرٌ للغاية، برغم أن “J. D. Salinger – ج. د. سالينجر” (جيروم ديفيد سالينجر) من أكثر الأدباء المثيرين للجدل، والمكتوب عنهم بمختلف اللغات الكبرى، سواء على الصعيد الأدبي أو السيرة الذاتية، ومؤخرًا فيما يشبه المفاجأة، خرج كتاب “سالينجر في حياته الحميمية” للنور، لينضم إلى قائمة المنشورات المترجمة الشحيحة عن الرجل.

هذا الكتاب الشائق بلغته الأصلية من تأليف Denis Demonpion، ونال جائزة “غونكور” الفرنسية الرفيعة لأفضل سيرة ذاتية عام 2018، مما يعطيه مكانة مميزة وسط بقية كُتب السيرة الخاصة بسالينجر، وهي ليست بالقليلة، لأن هذا الأديب المعتزل المنعزل جعل من نفسه هدفًا لكل عاشق منبهر بشخصيته، وما أكثرهم.

لماذا كثرت سيَرَك يا سالينجر؟

سالينجر أصبح في نظر الكثيرين كآثار الفراعنة، يجذب المنقبين بفرشاة رقيقة تزيح الرمال عن سيرته الغامضة ببطء وأناة حتى تظهر أسراره، ولهذا كانت المهمة صعبة على الصحفي الفرنسي ديني ديمونبيون مؤلف هذه السيرة “الحميمية”، كيف لا وعملية البحث والكتابة استغرقت منه 10 سنوات كاملة؟

كتاب سالينجر في حياته الحميمية
كتاب سالينجر في حياته الحميمية، دار المدى، الطبعة الأولى 2020

السبب أن سالينجر رفض كل محاولات النبش في حياته الخاصة، منذ نشر آخر نصوصه القصصية عام 1965 معتزلًا العالم في قرية نائية، قرر الابتعاد عن عدسات الكاميرا وهاجم كل صحفي أو مصور، وأغلب الصور المنشورة له بعد هذا التاريخ مجرد لقطات مختلسة بالكاميرا على بُعد أمتار، حتى أن مصورًا مكث أمام بيته ثلاثة أيام ليظفر بصوره!

لقد قالها الرجل دائمًا في حواراته القليلة المنشورة: كل شيء يحتاجه القارئ موجود في كتبي، وعظمة الكاتب في غموضه، نعم كان يُفضل أن يتوارى، بل امتد حب الغموض هذا إلى قصصه نفسها، رافضًا أن تظهر صورته على مؤلفاته في الطبعات الأحدث، بل رفض أن توضع صور أبطاله على الأغلفة، ليترك تخيل شكلها للقارئ.

الغموض ساحر بلا شك، والخصوصية أيضًا من حق كل شخص، وهنا تبرز قضية مُعقدة تستفز الضمائر: هل يحق لصحفي أو باحث أن يفتش في حياة ما رغمًا عن صاحبها؟ إن الفضول البشري لا حدود له، وخاصة في حالة مبدع فريد مثل سالينجر، ولمّا كان الكاتب نفسه كان ينفر من أي محاولة لاستقرائه، صار الفضول بهذا أضعافًا مُضاعفة، فالممنوع دائمًا مرغوب.

هنا قد يشعر القارئ بالذنب بينما يستمتع بكتاب مثل هذا، فهي سيرة رفض صاحبها أن تُنشر.. هل يكفي كونه “شخصية عامة” للبحث في عالمه كأنه كائن تحت المجهر؟

سالينجر في حياته الحميمية والمنقبون في السيرة

على كل حال فالكتاب قد نُشر ولم يكن الأول، الكثير من الصحفيين والباحثين -كما أسلفنا- غامروا بالدخول في غمار سالينجر، وصنع كل منهم سيرة خاصة به تكشف أسرارًا جديدة عنه وتبحر في مياه مختلفة، من أهمهم كتاب “سالينجر” عام 2013 الذي وصل قائمة أعلى المبيعات في صحيفة نيويورك تايمز، وكتاب “ج.د.سالينجر: حياة” الذي تحول لعمل سينمائي عن الأديب بعنوان “Rebel in the Rye – ثائر في حقل الشوفان” والكثير من الكتب الأخرى التي تتطلب مقالًا كاملًا لاستعراضها.

كتاب حارس الأحلام بقلم مارغريت سالينجر
غلاف كتاب حارس الأحلام بقلم مارغريت سالينجر

ابنة جيروم ديفيد سالينجر نفسها فعلت هذا ونشرت عنه كتابًا يحلل شخصيته ويبرز خباياه عن كثب بعنوان “حارس الأحلام” عام 2000، فكانت القطيعة الأكيدة بينهما. ليصبح سالينجر درسًا عظيمًا لكل من يحاول الانعزال عن العالم: لا تفعل هذا بقوة وإصرار ومبالغة لأن الآخرين لن يتركوك في حالك، ستكون سيرتك الخبيئة كنزًا ثمينًا وكل معلومة عنك غالية جدًا مهما كانت تافهة!

كتاب “سالينجر في حياته الحميمية” عبارة عن بحث مرعب من حيث المجهود المبذول فيه، فالكاتب لم يجد تعاونًا من سالينجر أو أسرته بطبيعة الحال، فما العمل إذًا؟ لقد زار كل مكان عاش فيه الرجل تقريبًا، كل مدرسة وجامعة وشقة، يتحرى عبقه في الأجواء، ويبحث عن كل شخبطة تركها منذ عقود على الجدران.. إن بقيت طبعًا!

سيرة “حميمية” بحق

كمية التفاصيل في الكتاب تدير الرؤوس، عن طفولة صاحب السيرة وصباه ومراهقته مرورًا بشبابه وحتى عجزه ووفاته، الأمر ليس سهلًا إذا تذكرنا أن سالينجر تجاوز التسعين! بل وصل الأمر لدرجة “التفصيل الممل” حرفيًا حين ذكر الكاتب آراء سالينجر في التلفاز والتنس والأعشاب وأمور أخرى قد تضطر لتجاوز صفحاتها من حميميتها وقربها من عقل صاحبها.

جيروم ديفيد سالينجر يكتب أثناء خدمته في الحرب
جيروم ديفيد سالينجر يكتب أثناء خدمته في الحرب

علام اعتمد الصحفي الفرنسي الصبور هذا في بحثه بخلاف الأماكن؟ على رسائل الأديب لثلاثة من أصحابه المقربين، والتي لا يكشف لنا كيف نجت من قبضة كاتبها وخصوصيته، في حين أن سالينجر أمر صديقين له بحرق 500 رسالة تخصه حفاظًا عليها من الباحثين! نعم كان الرجل عاشقًا للرسائل بشدة على طريقة رسائل كافكا إلى ميلينا، وحتى في الحرب كان يصطحب آلته الكاتبة معه ليسطر قصصه ورسائله.

كانت أول محاولة لكتابة سيرته أواخر الثمانينيات بقلم الشاعر البريطاني “إيان هاميلتون” والذي أضاف لها رسائل سالينجر، مما جعل الأخير يقف في وجهه قضائيًا ويوكل المحامين للتصدي له، حتى ينقح كتابه ويحذف رسائله الخاصة من متن الكتاب وكان له ما أراد، أما بعد وفاته فقد خرجت الرسائل من الكهف أخيرًا بكلمات صاحبها.

عن سالينجر الأديب المتمرد

من لا يعرف سالينجر سيكون مستغربًا بشدة، لماذا كل هذا الجنون بسيرة كاتب أمريكي يوجد العشرات -إن لم يكن المئات- منه في العالم، ماذا كتب لينال هذه الحظوة؟ كم أثرًا أدبيًا ترك خلفه؟ والإجابة على هذا السؤال تستثير المزيد من الدهشة، لأن الرجل له رواية وحيدة وبضع نصوص قصصية، لتصبح كتبه الرسمية حتى الآن أربعة فقط!

الطبعة العربية من رواية الحارس في حقل الشوفان - جيروم ديفيد سالينجر
الطبعة العربية من رواية الحارس في حقل الشوفان

حقيقة أخرى أثبتها سالينجر: قيمة الأدب بالكيف لا بالكم، والرواية كانت من أنجح الأعمال الأدبية في القرن العشرين منذ نشرها عام 1951، كيف لا وهي “الحارس في حقل الشوفان” أو “حارس القلوب” كما في الترجمة الفرنسية، تلك القصة التي يقول مؤلف السيرة أنها عبّرت لأول مرة في التاريخ عن مشاعر المراهقة المستعرة بلسان أحد أهلها، الفتى المتمرد هولدن كولفيلد الذي صار رمزًا لأجيال كثيرة ترفض زيف الكبار وعدميتهم ونفاقهم!

الرواية سحرت القراء من جنسيات عديدة وباعت ملايين النسخ، ولم تقل بقية نصوص سالينجر القصيرة روعة عنها، على العكس يعتبر النقاد أعماله الأخرى أكثر نُضجًا وثِقلًا، وكلها تدور في فلك الأبطال الأنقياء المستحقرون لتفاهة العالم وغباء القطيع، لقد وجد الكثيرون أنفسهم في هذه الشخصيات السالينجرية.

إذن فأعمال الرجل جيدة فعلًا وغموضه وانعزاله ضاعفا تألقه، بل إن بعض الوقائع الأخرى أججت من شهرته، مثل منع الرواية في المدراس بسبب لهجتها الحادة، ثم تقريرها في المناهج الدراسية نفسها فيما بعد اعترافًا بمكانتها! وأيضًا حادثة قتل المطرب الشهير “جون لينون” بواسطة مختل يحمل الرواية بين يديه قائلًا إنها ألهمته بالجريمة!

حتى في غيابه كان الرجل مثيرًا للجدل، وقيل إنه ظل يكتب في الخفاء طيلة الخمسين سنة التي قضاها في معتزله، تلك النصوص التي ستحقق مبيعات فلكية غالبًا بمجرد نشرها، والمفترض وفق ابنه أن بعض هذه الأعمال ستظهر يومًا ما بعد تنقيحها.

نقطة تميز واضحة

بالعودة إلى السيرة نفسها، فهي لا تكشف الكواليس السالينجرية فقط من خلال آثاره ورسائله، بل عبر قصصه أيضًا، لأن الرجل اعتاد الكتابة مستوحيًا من يومياته وخبراته بشكل أقرب إلى النسخ واللصق، ربما يكتفي بتغييرات بسيطة، لكن يبقى هيكل القصة نفسه “سالينجريًا” بجلاء.

ج .د سالينجر - كتاب سالينجر في حياته الحميمية
جيروم ديفيد سالينجر صاحب الرواية الشهيرة الحارس في حقل الشوفان

بالنسبة للقارئ العربي، تتميز السيرة بهذا أنها تعرض قصص سالينجر العتيقة غير المترجمة، بل التي لم ينشرها أصلًا في كتبه الرسمية، فقد كتبها في بداياته للمجلات الأمريكية من أجل الكسب والانتشار ثم حارب ظهورها فيما بعد في طبعات غير رسمية، لأنها بحد تعبيره قصص “استوفت غرضها ويجب أن تموت موتًا طبيعيًا” لكن هذه النصوص بقيت هي الأخرى من النفائس التي يبحث عنها المخلصون!

السيرة تتحرى محطات سالينجر المعروفة والشيقة، صعوبة الانتشار الأدبي.. الحرب العالمية الثانية.. فاجعة زواج حبيبته من تشارلي تشابلن، وتزداد التفاصيل الجديدة في مراحل وتقل في أخرى، أما بالنسبة لمن لا يعرفون شيئًا عن الرجل فالسيرة ثرية فعلًا بكل جديد.

هل ننتظر المزيد؟

ربما الشيء الأسوأ في السيرة هو غفلتها عن مشوار سالينجر الأدبي بعد روايته، فعلى الرغم من كل القصص القصيرة المجهولة التي سبرت أغوارها، إلا أنها لم تأت على ذكر “فراني وزووي” أو “سيمور مقدمة” أو “ارفعوا عارضة السقف عاليًا أيها النجارون” وكل تلك الروائع التي لم تترجم للعربية.

كتب جيروم ديفيد سالينجر الأربعة، لم يترجم منها سوى كتاب واحد فقط
كتب جيروم ديفيد سالينجر الأربعة، لم يترجم منها للعربية بشكل كامل سوى كتاب واحد فقط

يبدو أن كتاب “سالينجر في حياته الحميمية” برغم ضخامته (368 صفحة) كان ينقصه المزيد، وكما قال مترجمه “طرح أسئلة بقدر ما أجاب عن الكثير منها”، ويبقى إيقاع الكتاب شائقًا والترجمة مخدومة، فكاتب السيرة لم يتخل عن أسلوبه الصحفي المنمق، والمترجم لم يُقصّر في إجادة عمله، كما تترك الهوامش العديدة انطباعًا عميقًا بموسوعية السيرة، بل تطوع المترجم وحده لتبيان الكثير من التفاصيل التي لم يضعها المؤلف.

نعم.. غالبًا سيحب القراء “سالينجر في حياته الحميمة” كما أحبوه في حياته الأدبية، وربما تكون هذه بداية جديدة لترجمات عربية أخرى عن هذا الأديب الفريد سيرة ومسيرة.

0

شاركنا رأيك حول "سالينجر في حياته الحميمية: سيرة الأديب الأكثر غموضًا تحت المجهر!"