شرودينجر في ذكرى ميلاده: لنتعرف على الفيزيائي الذي أحدث ثورة في علم الأحياء!
0

العالم شرودينجر يا رفاق، حديث اليوم بخصوصه. لكن قبل ذلك ماذا لو بدأنا مقالَ اليوم بطلبٍ صغير؟ هل ستكون مستعدًّا لتلبيته؟

إنّ أكثرَ ما عليك فعلُه الآن وأنت تقرأ هذه الكلمات وتتذمّر -ربّما- من الطلبات التي تلاحقك منذ بداية المقال هو أن تكون ممتنًّا لفرعٍ مهمّ في مجال الفيزياء يعرف بميكانيكا الكمّ. والذي يُعنى بدراسة طبيعة وسلوك الجسيمات الدقيقة دون الذريّة والأجهزة كالهواتف والحواسيب، ويعدّ اللبنة الأساسية للتكنولوجيا الحديثة.

ثمّ عليك أن تشعر بامتنانٍ آخر لإرفين شرودينجر يا صديقي، أحد العلماء الذين كان لهم الفضل في إحداث ثورة الكمّ، حتّى أطلق عليه لقب: أب ميكانيكا الكمّ – The father of Quantum Mechanics. 

البدايات

يوافق 12 من أغسطس ذكرى ولادة الفيزيائي النمساويّ إيرفين شرودينجر – Erwin Schrödinger في فيينا سنة 1887م، في عائلة تقدّس العلم بحكم كون والده رودلف شرودينجر كيميائيًّا وعالم نباتات، وأمّه جورجيا باور ابنةً للكيميائيّ ألكسندر باور.

تلقّى تعليمًا منزليًّا من طرف أستاذ خاصّ حتى بلغ سنّ الحادية عشر، وقد أبدى ميولاتٍ بارزةً نحو العلوم، والفلسفة، والشعر، والديانات الشرقية، وأتقن الإنجليزية والألمانية في سنّ مبكرة.

ليس المطلوب منك رؤية ما لم تسبق لك رؤيته من قبل، ولكن المهمّة تتمثل في التفكير فيما لم يتم التفكير به سلفًا بشأن ما تراه كلّ يوم. – إيرفين شرودينجر، عالم فيزيائي.

وقد عمل شرودينجر في سنواته الجامعية كمرافقٍ للفيزيائي الشهير فرانز إكسنير في جامعة فيينا، ثمّ تحصل على شهادة الدكتوراه سنة 1910م. وبعدها شهادة الأستاذية أو التأهيل – Habilitation سنة 1914م؛ والتي تعدّ أعلى درجة بعد الدكتوراه. ويتم فيها مناقشة الأطروحة بطريقة أعمق وأكثر تفصيلًا، وتُعتمد في العديد من الدول مثل روسيا والنمسا وألمانيا.

شرودينجر في ذكرى ميلاده

اضطر شرودينجر إلى المشاركة في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) كضابط مفوض، ثمّ عمل بعدها في العديد من الجامعات بفيينا وبولندا وإيرلندا وزيورخ بألمانيا لستّ سنوات، ثم غادرها هي الأخرى فيما بعد متّجهاً إلى جامعة أكسفورد في إنجلترا لمناهضته للنظام النازيّ هناك.

أثّرت الحياة الشخصية لشرودينجر على عمله الأكاديميّ في أكسفورد، بسبب علاقته بامرأتين: زوجته آن ماري – Annemarie وعشيقته هایلچ مارتش – Hild March، وامتلاكه لطفلين من كل منهما. فغادرها إلى جامعة غراتس النمساوية سنة 1936م، إضافة إلى جامعة “الله آباد” الهندية.

عن معادلة شرودينجر

معادلة شرودينجر

معاناة شرودينجر من مرض السلّ ودخوله مصحّة خاصّة بسويسرا في بداية العشرينات لم تمنعه من صياغة المعادلة الموجية التي عرف بها. وهذا هو الهدف تمامًا من دراسة حياة العلماء والمفكرين؛ أن نترقّب الطرقَ الصّعبة التي مروا بها والوسائل التي اعتمدوها حتى وصلوا إلى الغاية؛ لا أن ننظرَ إلى النتيجة النهائية بغض النظر عمّا رافقها من مشاكل ودروب وعرة!

انبهر شرودينجر بالفكرة الجديدة القائلة بأن الإلكترونات يمكن أن تسلك سلوك جسيمات وموجات بعد التجارب الشهيرة التي تمّ إجراؤها على الضوء من طرف كلّ من توماس يونغ – Thomas Young (تجربة الشقّ المزدوج) وأوغستين فرسنال – Augusten Fresnel (تجربة مرايا فرسنال).

لذلك وأثناء تواجده بميونيخ، فقد نشر بحثًا سنة 1926م اشتقّ فيه معادلة جديدة حملت اسمه، والتي وصفت كيفية تغيّر الأنظمة ذات ازدواجية الموجة والجسيم كالإلكترونات؛ بمرور الوقت. فهي تصف الحالات الممكنة التي يتم احتمالها للجسيمات، كما تعطي معلومات وافية عن خصائصها مثل الموضع والزخم والطاقة.

وقد كان هذا إنجازًا رائعًا ولا يزال يُعتبر أحد أهم أحجار الأساس في نظرية ميكانيكا الكم. نال شرودينجر عن معادلته جائزة نوبل للفيزياء سنة 1933م مناصفةً مع العالم الفيزيائي الإنجليزي بول ديراك Paul Dirac. 

هل القطة حيّة أم ميّتة؟

تجربة قطة شرودينجر الذهنية
تجربة قطة شرودينجر الذهنية

تعدّ قطة شرودينجر من أشهر التجارب الذهنية التي لاقت رواجًا واسعًا في مجال الفيزياء، والتي تباينت ردود فعل العلماء حولها من القبول والاستحسان إلى الرفض المطلق. ومن بين الذين رفضوها العالم ستيفن هاوكينغ – Stephen Hawking الذي كان يقول:

إذا جاء أحد إليّ بقطة شرودينجر فسأرفع عليه بندقيتي!

قبل أن نبدأ بشرح تجربة القطة، لا بدّ أن نتطرق إلى مصطلح فيزيائي يعرف بالتراكب الكمومي – Quantum Superposition والذي ينصّ -ببساطة- على إمكانية وجود جسيم ما في عدّة حالات مختلفة في الوقت ذاته؛ مع استحالة معرفة الحالة التي يكون فيها من غير رصده.

كمثال على ذلك، تخيّل أنّك وفي طريقك إلى المنزل تظنّ بوجود شخص ما وراءك، غير أنّك لا تعلم ما إذا كان هذا الأخير رجلًا أو امرأة. إذًا فالشخص الذي وراءك -واستنادًا إلى مبدأ التراكب- هو رجل وامرأة في نفس الوقت، ما لم تنظر خلفك وترصده.

تقوم تجربة شرودينجر الذهنيّة على وضع قطة في صندوق مغلق مرفقة بمادة مشعّة تمتلك احتمال التفكك بـ 50%، إضافةً إلى عداد جايجر الذي يستخدم للكشف عن النشاط الإشعاعيّ، مع تركيب مطرقة على جانبه، ووضعها فوق زجاجة سم.

إذا تفكّكت المادة المشعّة، فسيتسبب العداد بسقوط المطرقة على الزجاجة وستموت القطة. أمّا إذا لم تتفكك، فستكون القطة حيّة. لذلك فإن حالة القطّة هي حية وميتة في نفس الوقت ما لم يتمّ رصدها وفتح الصندوق من طرف مشاهد خارجيّ كما ينصّ مبدأ التراكب.

أراد شرودينجر بذلك أن يثبت أنّ مبدأ التراكب غير صالح مع الأجسام الكبيرة لأن القطة يجب أن تكون حيةً أو ميتة.

لكن وللمفارقة، فقد أدّت هذه التجربة فيما بعد إلى اكتشافات مهمّة، ففي عام 2010 مثلًا، تمكّن العلماء من إثبات أن الأجسام الكبيرة بإمكانها هي الأخرى أن تكون في حالة تراكب. وذلك عن طريق صفيحة صغيرة بحجم البكسل اكتشف أنها تتخذ حالتي اهتزاز وعدم اهتزاز في الآن ذاته… شكرًا شرودينجر العزيز!

شرودينجر: أكثر من فيزيائي!

قطة شرودينجر

لعلّ المعلومة التي لا يعرفها الكثيرون حول شرودينجر هو أنّه كان -حرفيًّا- الفيزيائيّ الذي أحدث ثورة في علم الأحياء، وتوقّع مفاهيم مهمّة أبرزها وجود رمز جيني – genetic code تكون بنية الجزيء فيه منتظمة ولكن غير مكرّرة. وذلك قبل عشر سنوات من اكتشاف جيمس واتسون وفرانسيس كريك – Watson and Crick لبنية الحمض النوويّ DNA.

الكتاب الذي ألّفه شرودينجر سنة 1944م بعنوان: ما هي الحياة؟ – ?What is life كان مصدر إلهام كبير لواتسون وكريك، وصرّح كلاهما أنّ الكتاب كان دافعًا أساسيًّا لهما للبحث في علم الأجنّة. وأدّى بفضل النظرة المختلفة لشرودينجر في علم الأحياء، إلى النجاح في فكّ الشفرة الجينية في الستينات وإحراز تقدّم كبير في المجال.

في السّنوات الأخيرة من حياته، ركز شرودينجر على إيجاد معادلة توحّد الجاذبية مع القوة الكهرومغناطيسية والقوى النوويّة، والتي تعرف بنظرية كلّ شيء – The theory of Everything. لكنّه توفي سنة 1961م متأثرًا بمرض السلّ في مسقط رأسه، قبل أن ينجح في إثبات صحة نظريته.

لا يفرض العالم على نفسه وعلى العلماء الآخرين إلا شيئين اثنين: الحقيقة والإخلاص! – إيرفين شرودينجر.

0

شاركنا رأيك حول "شرودينجر في ذكرى ميلاده: لنتعرف على فيزيائيّ المعادلة والقطة الذي أحدث ثورة في علم الأحياء!"