التفسير الإحصائي لميكانيك الكم
0

يسعى التفسير الإحصائي لميكانيك الكم§ لتأويل البنية الرياضياتية لميكانيك الكم فقط دون أي زيادة عليها. وبالنسبة لي على الصعيد الشخصي، فهو التفسير الذي أتبناه لميكانيك الكم، حتى أنني قمت بتقديم نسخة منه تستخلص كامل ميكانيك الكم من نظرية الاحتمالات وحدها§.

معنى الدالة الموجية في هذا التفسير

كنا قد رأينا عبر هذه السلسلة أن ميكانيك الكم يوصف العالم توصيفاً احتمالياً فقط. وكما ذكرنا في مقال “مدخل إلى الاحتمالات.. عالم ميكانيكا الكم حيث لا شيء يقيني“، فعندما نقول مثلاً إن احتمال أن نحصل على صورة أو كتابة عند رمي قطعة نقود، هو 50% وذلك من أجل كل نتيجة، فهذا معناه أنه عند رمي قطعة النقود عدداً كبيراً من المرات، سيكون نصف النتائج تقريباً هو صورة ونصفها كتابة، وسيزيد هذا الكلام دقةً كلما كبر عدد المرات التي نرمي بها قطعة النقود. أو يمكن أن نقول بشكل مكافئ لما سبق، إنه عند رمي عدد كبير من قطع نقود مماثلة للقطعة التي نتحدث عنها، لمرة واحدة، فتقريباً نصفها سيعطي صورة والباقي كتابة، وكلما كبر عدد قطع النقود كلما ازداد هذا الكلام دقة.

فالتجارب الاحتمالية تحتاج لتكرار نفس التجربة عدداً كبيراً من المرات كي نقرأ منها النتائج، وهنا تكمن نقطة انطلاق التفسير الإحصائي لميكانيك الكم. فوفقاً لهذا التفسير، إن الدالة الموجية لجملة فيزيائية ما لا توصف هذه الجملة بشكل منفرد، بل هي عبارة عن توصيف إحصائي لعدد كبير من النسخ المتطابقة من هذه الجملة. وبذلك، ليس للدالة الموجية وجود فيزيائي حقيقي وفقاً لهذا التفسير، بل هي عبارة فقط عن أداة رياضياتية تستخدم لحساب الاحتمالات لا غير.

الرياضيات البحتة … رياضيات لأجل الرياضيات!

ماذا يقول التفسير الإحصائي بالضبط؟

عند إجراء تجربة احتمالية ما، فإننا نسمي مجموعة جميع النتائج الممكنة للتجربة فضاء العينة لهذه التجربة. مثلاً، عند رمي قطعة نقود، يكون فضاء العينة عبارة عن مجموعة تحتوي عنصرين فقط: صورة وكتابة.

وبعد رمي قطعة النقود، ولنقل إن النتيجة كانت صورة، سيصبح فضاء العينة لتجربة قراءة النتيجة هو صورة فقط. ألا يشبه هذا انهيار الدالة الموجية؟ ففي تجربة قياس سبين إلكترون، يكون شعاع الحالة مزيجاً من الحالتين الممكنتين بعد القياس: سبين بجهة الحقل المغناطيسي، وسبين بعكس جهة الحقل المغناطيسي. ولكن بعد القياس، سنجد أن السبين أخذ إحدى النتيجتين فقط، وهذا ما ندعوه بانهيار الدالة الموجية. وهنا يخطر ببالنا السؤال التالي: هل يمكن أن تكون الدالة الموجية هي مجرد تعبير عن فضاء العينة للتجارب الاحتمالية، ولكن بلغة رياضياتية مختلفة عن المعتاد في نظرية الاحتمالات؟

وبالفعل يمكن إثبات ذلك رياضيًّا!

ولكن، هل يعني ذلك أننا نعامل ميكانيك الكم كلاسيكياً؟ لو كان الأمر كذلك لدمر هذا المشروع من بدايته بمفارقات من نوع EPR التي تحدثنا عنها في مقال “مفارقة EPR: أخطر سلاح تم رفعه في وجه ميكانيك الكم” ولوقفت في وجهنا مبرهنة بل التي تحدثنا عنها في مقال “التجربة التي حسمت النقاش بين بور وأينشتاين حول معنى ميكانيك الكم” كسدّ منيع لا يمكن اختراقه، فما الذي سيجعل هكذا نوع من التفسيرات لميكانيك الكم حصيناً في وجه هذه العقبات؟

التدقيق في معنى التجربة

عندما ندقق في مبرهنة بل، نجد أن كلام أينشتاين كان خاطئاً لافتراضه أن الخواص التي سنقيسها للجسيم، مثل سبين الإلكترون على سبيل المثال، كانت موجودة أصلاً قبل القياس ولكن لا نمتلك ما يكفي من معلومات لمعرفتها، في حين أن كلام نيلز بور، الذي دعمته التجربة كما رأينا، ينص على أن هذه الخواص يصبح لها معنى فقط لحظة القياس وليس قبل ذلك.

فهل نستطيع تحقيق ذلك في هذا التفسير؟ في الواقع، نعم. ولفهم ذلك، لنتأمل معاً في المعنى الذي نقصده من قولنا أنه عند رمي قطعة نقود، فالنتيجة التي سنحصل عليها هي صورة أو كتابة. إن معنى ذلك، هو أنه بعد رمي قطعة النقود واستقرارها على سطح أفقي، سيكون الوجه الموجه للأعلى إما صورة أو كتابة. وبالتالي، عندما كانت قطعة النقود لا تزال في يدنا، فلا معنى من قولنا أنها كانت صورة أو كتابة، وكل ما يمكن الحديث عنه، هو فضاء العينة لهذه التجربة، وبالطبع فقطعة النقود لم تكن في حالة غريبة أيضاً من مزيج للصورة والكتابة. وبذلك فحالة التراكب وفق هذا التفسير هي تعبير عن الحالة التي تكون فيها الجملة وذلك عندما نصفها بفضاء عينة لتجربة احتمالية لها عدة نتائج ممكنة!

نفس الأمر يحصل لو فكرنا في معنى نتائج تجربة رمي حجر نرد: فنتائج التجربة الاحتمالية تتحقق فعلاً فقط بعد إجراء التجربة. وبذلك، فإذا كان القياس هو عبارة عن مجرد تجربة احتمالية تشابه رمي حجر النرد أو قطعة النقود، فمن الطبيعي ألا يكون للإلكترون سبين محدد قبل القياس، وسيأخذ السبين معناه فقط بعد القياس (القياس هنا مشابه تماماً لرمي قطعة النقود). لذلك، وفقاً لهذا الفهم، فمبرهنة بل لا تشكل أي خطر على هكذا تفسير لميكانيك الكم!

خاتمة

لقد تمكنا بغوصنا عميقاً في معنى التجارب الاحتمالية، من تجاوز أكبر عقبة كأداء ألا وهي مبرهنة بل، إلا أن هذه ليست النهاية. فعلينا الحديث عما تعني مفاهيم كمبدأ الارتياب والتشابك وانهيار الدالة الموجية في هذا التفسير، وبماذا يختلف إذاً العالم الكلاسيكي عن العالم الكمومي؟ وما هي الانتقادات الموجهة لهذا التفسير؟ كل ذلك سنتحدث عنه في المرة المقبلة.

 التشابك الكمومي، أو ما دعاه أينشتاين بالتأثير الشبحي عن بعد: هل يمثل انتهاكاً للنظرية النسبية؟

0

شاركنا رأيك حول "التفسير الإحصائي لميكانيك الكم: اتبع فقط ما تقوله الرياضيات! (الجزء الأول)"