الحشيش في الرواية العربية - 3 روايات عن الحشيش
0

الحشيش مخدر له سمعة واسعة وشهيرة في العالم أجمع، وله تقدير خاص في مصر، معروف تعاطيه في المناسبات، ويظهر في الأفلام ومشاهد الأفراح حيث يجلس المدعون ويمر عليهم الحشيش ويتعاطونه على مرأى ومسمع من الجميع، بل وظهر الحشيش في الرواية العربية أيضًا.

إلا أن للحشيش ظهورًا في التاريخ قبل الروايات، في القرن الخامس الهجري عندما ظهرت طائفة الحشاشين، فقد ظهرت طائفة الحشاشين أيام الدولة العباسية.

الحشاشين
عن طائفة الحشاشين وتعاطي مادة الحشيش المخدرة.

وارتبط اسم الحشاشين بالباطنية الإسماعيلية في الفترة التي أعقبت استيلاءهم على قلعة “ألموت” سنة 483هـ، وحتى سقوط معاقلهم في “فارس” و”الشام” على يد المغول.

ويعود سبب تسميتهم بذلك أنهم كانوا يطلبون من الذين يتم تكليفهم بالقيام بعمليات الاغتيال تعاطي مادة الحشيش المخدرة حتى يصبحوا أدوات طيعة في أيدي من يستخدمونهم لتنفيذ هذه العمليات مثل قتلهم لـ “نظام الملك” أحد أشهر وزراء الدولة السلجوقية، وقام هولاكو بالقضاء عليهم.

الحشيش في الرواية العربية

الحشيش في الرواية العربية - 3 روايات عن الحشيش
الحشيش في الرواية العربية: إذا حضر اجتمع حوله الجميع!

في هذا المقال أتحدث عن الحشيش في الرواية العربية، كما تحدثت عن طائفة الحشاشين واستخدامهم للحشيش، كما أعرض ثلاث روايات، هم: ثرثرة فوق النيل لأديب نوبل نجيب محفوظ، وصالح هيصة لشيخ الحكائين خيري شلبي، وأزمة حشيش للمؤلف الشاب أحمد الملواني.

ولأن الحشيش بهذه الشهرة وبهذا التواجد بين الناس كان ولا بد أن يظهر في الروايات بشكل قوي، وكل روائي كتب عن الحشيش له رؤية خاصة لهذا العالم، جسدها بطريقة تخدم هذه الرؤية، هناك من جعل الحشيش هو بطل الرواية أو العنصر الأكثر فاعلية، فهو الذي يجمع النخبة في عوامة في النيل في رواية “ثرثرة فوق النيل“، وهو الذي يجمع الأدباء والمثقفين والأكاديميين في الغرزة في رواية “صالح هيصة“، وكاتب شاب يبحث عنه آخر طوال المجموعة القصصية “أزمة حشيش”، وهي الروايات التي سنستعرضها في هذا المقال.

ثرثرة فوق النيل.. الهروب من الواقع

ثرثرة فوق النيل
الحشيش في الرواية العربية: رواية ثرثرة فوق النيل للكاتب نجيب محفوظ.

رواية ثرثرة فوق النيل للكاتب العالمي نجيب محفوظ رواية رمزية كلها إسقاطات، يصف بها مصر بعد ثورة يوليو، عوامة يجتمع فيها مجموعة قد يقال عنهم نخبة، الشيء المشترك بينهم في هي محاولات الهروب من الواقع، فالأفعال لا تجدي، لذلك لا بديل عن الثرثرة، فكأن مصر هي العوامة التي بلا جذور وأنها في مهب الريح، إذا تم قطع الحبال المثبتة لها ستسير في اتجاه الريح، مما سيؤدي لدمارها.

تلخص الرواية انهيار المجتمع، وانغماسه في اللذات، فرأيك كمثقف أو صحافي أو دورك كممثل لا معنى له، إذا تكلمت وعبرت عن رأيك ستقابلك المشكلات وربما ينتهي بك الأمر إلى السجن، يجمعهم الحشيش والعوامة.

يتحدث محفوظ عن أنيس أفندي:

“عندما يسري في عروقه سحر الفص المذاب في القهوة السادة فسوف تتغير أشياء، ستحل الأشكال المجردة والتكعيبية والسريالية والوحشية مكان الجازورينا والكافور والأكاسيا وعرائس العوامات، أما الإنسان فيرتد إلى العصر الطحلبي، ولكن ما الأسباب التي حولت طائفة من المصريين إلى رهبان”.

ويقول على لسان أنيس:

“لا توجعوا رؤوسنا، ما أكثر ما نسمع ولكن ها هي ذي الدنيا باقية كما كانت، ولا شيء يحدث على الإطلاق”.

يحاول محفوظ أن يعرف القارئ بأبطال روايته من خلال سارة بهجت الصحفية، فهي تحاول تحليلهم، وتحاول أن تعرف السر وراء صحبتهم، ولماذا تجمعهم “الجوزة” فأحمد نصر: “هل عنده ما يهرب منه؟”، وتقول: “اهتمامه المشهور بالمشكلات الصغيرة – كإدمانه – نوعًا من الهروب من إحساس التفاهة الذي يطارده”. ومصطفى راشد:

“يعي خواءه النفسي تمامًا. ويجد ملاذه في الجوزة والمطلق… هو يتطلع إلى المستحيل بلا منهج ولا جهد حقيقي، معتمدًا على التأمل المسطول”، علي السيد: “يمضي في سبيل الجوزة والأحلام الغريبة عن إنسانية جديدة”.

ولكنهم دهسوا شخصًا وقتلوه في النهاية وهم في حالة نشوة وهربوا، وتعود التأويلات هل قتلوا مصر عندما تركوا مسؤوليتهم وذهبوا للحشيش؟ أم أن الحشيش سيؤول بهم إلى مصيبة كبرى يحذر منها محفوظ في روايته؟

لأنه يخبرنا في النهاية بأن المتاعب كلها أصلها مهارة قرد، تعلم كيف يسير على قدمين فحرر يديه، وهبط من جنة القرود فوق الأشجار إلى أرض الغابة، وقالوا له عد إلى الأشجار وإلا أطبقت عليك الوحوش، فقبض على غصن شجرة بيد وعلى حجر بيد وتقدم في هذر وهو يمد بصره إلى طريق لا نهاية له.

صالح هيصة.. تجسيد الواقع

صالح هيصة - الحشيش في الرواية العربية
الحشيش في الرواية العربية: رواية صالح هيصة للكاتب خيري شلبي.

خيري شلبي يتميز بأسلوبه الحكائي، لذلك يطلق عليه أحيانًا شيخ الحكائين، فأنت عندما تقرأ له تحضر روحه مباشرة وتشعر أنه أمامك يقص عليه روايته، وهو من أفضل من صور حياة الحشاشين.

ولخيري شلبي جرأة ليضع اسم بطل روايته التي سميت باسمه “صالح هيصة” بجانب اسم أوسكار وايلد، فما فعله شلبي في تصدير روايته هو سخرية خالصة، فوايلد يقول:

“إن الإنسانية تنظر إلى نفسها بجدية أكثر مما ينبغي وهذه الجدية هي الخطيئة الأولى التي تردى فيها العالم، فلو أن رجل الكهف تعلم كيف يضحك لتغير مجرى التاريخ. الجدية هي الملجأ الوحيد الذي يلوذ به ذوو التفكير الضحل”.

ثم يتبعه بقول صالح هيصة:

“ربنا خلق الدنيا هيصة! وخلق فيها بني آدم هيصة! كل واحد في هيصة! .. بيعمل هيصة! عشان يلحق الهيصة ويا يلحق يا ميلحقش! وكلهم كحيانين!.. بس كل واحد كحيان بطريقة! .. وأنا .. ملك الكحيانيين! .. عشان كحيان بكل الطرق”.

لذلك لاحظ معي، يأتي كاتب ويصدر روايته بمقولة تمدح السخرية وتذم الجدية لكاتب كبير شهير هو أوسكار وايلد، ثم يعقبها بمقولة عن الهيصة والسخرية من تأليفه على لسان بطل قصته.

إنه يقرن وايلد بهيصة، يضع فلسفته مقترنة بفلسفة شخص “غرزجي”، شلبي يسخر من الجميع، من القارئ ومن المجتمع، من الحياة كلها، فأنت ستقرأ رواية يسخر الكاتب من قارئها، بل من الكون كله، فهذا هو عالم الحشيش، كله سخرية من واقع أو ماضٍ أو مستقبل.

إن عالم الغرز عالم غامض له زبائن خاصة به، لذلك شلبي يعرفنا بهذا العالم بداية من وصفه لمداخل الغرزة، كل مدخل له شكل وله ناس يعيشون فيه، فـ:

“شارع معروف الذي تقع فيه غرزة حكيم هو النقيض التام لشارع طلعت حرب، له أكثر من تخريمة لا تستغرق أكثر من ثلاث دقائق”.

وتحدث عن الأسعار والأوزان:

“علي منجة يبيعك الربع قرش بأربعين قرشًا في عز الرخص، في حين تبيعه أم يحيى – زوجه السابقة – بخمسة وعشرين قرشًا فقط، نفس التعميرة وربما أجود منها بكثير”.

ويصف بدقة أمزجة الحشاشين المختلفة، فمثلا:

“القاعة على يمين الداخل هي الأكثر حميمية لدى بعض عتاة الحشاشين الذين لا يعنيهم من أمر الغرزة إلا فرصة التحشيش المكثف السريع الإيقاع”.

فشلة الراوي مجموعة من المثقفين الكتاب والصحافيين والأكاديميين والشباب، يتناولون بالتحليل كل ما يحدث حولهم ويثيرهم دائمًا فضول حول شخصيات الغرزة.

“طلعت الإمبابي، المعيد بكلية الآداب جامعة القاهرة قسم التاريخ، يحذرنا دائمًا من اتهام صالح هيصة بأنه مصاب بازدواج في الشخصية، أو البارانويا”.

هذه الرواية يقدم فيها شلبي المجتمع بحشاشينه بمثقفيه، فستتعرف على كل شخص، شكله وتاريخه ونفسيته كمقرب له تعرفه من سنوات.

صالح هيصه يعمل في خدمة رواد الغرزة، يعتقله الأمن بعد أن خرج إلى الشارع يشتم ويلعن عندما رأى السادات في إسرائيل، ويخرج بعدها ويموت، وداهمت الشرطة غرز معروف وأزالتها وانتشر الكوكايين والهيروين واغتيل السادات.

“انطفأت جميع الأضواء فغرقت المدينة في ظلام دامس. صرنا نتخبط كجثث تتقلب في قبر أضيق من حمام الحاج جمال فرحان”.

ضع ما تريد من التأويلات لشخصية صالح هيصة والحشيش والغرز والزبائن الحشاشين، فرواية صالح هيصة تتحمل التأويلات كلها، لهذا كان عالم الحشيش والغرز في صالح هيصة عميقًا يمكنك أن تحفر وتسبر أغواره كما تريد.

أزمة الحشيش بين السخافة والاحتياج

أزمة الحشيش - الحشيش في الرواية العربية
المجموعة القصصية أزمة حشيش للكاتب أحمد الملواني.

وفي الرواية العربية أيضّا، صدرت المجموعة القصصية أزمة حشيش للكاتب أحمد الملواني في عام 2013، وهي مجموعة قصصية ورواية في آن، نوع من التجريب، فبينما تقرأ قصص المجموعة يكتب الملواني رواية قصيرة في الهامش عن كاتب يبحث عن حشيش لأن مصر بها أزمة حشيش، واستبدله الناس فتناولوا البرشام، فهو يحضر الندوات الثقافية ويعرض قصصه على النقاد والكتاب بها ويسمع نقدهم لكن تركيزه كله منصب على العثور على قطعة حشيش ليدخنها، واحتياجه للحشيش هو ما جعله يكتب قصة جديدة فيقول:

“الاحتياج.. يا له من محرك قوي”.

وهناك شخص يدعى نوح، عندما تغيرت شكل كتابة البطل قال له:

“شكل كتابتك اتغير.. قصصك كانت عادية وواضحة.. إنت متأكد إنك مش بتتعاطى مخدرات”.

فهو يرى تأثير الحشيش في الكتابة ظاهرًا، ثم ساءت حالته فأكد لنفسه أن الاحتياج لا يترك في الرأس صداعًا ولا يرفع ضغط الدم، إنما هي السخافة التي تفعل ذلك، ويؤكد صديقه الحشاش سعيد أن الكتابة هي سبب حالته

“على فكرة بقى.. الكتابة هي اللي جايبالك الكافية… عشان كدة مش قادر تستحمل البعد عن الحشيش، لإن مخك من غيره بيتحرق”.

تطور الأمر لأن يسميها البطل متوالية التشتت بين السخافة والاحتياج، حتى تخيل أن الندوة الثقافية جلسة حشيش، وتخيلهم وهو جالس بينهم أنهم يحششون، حتى خرج من الندوة مسرعًا ليقابل صديقه سعيد الذي أحضر له قطعة حشيش شرباها سويًا ليختم روايته الصغيرة:

“كانت مجموعتي القصصية الأخيرة والتي سميتها أزمة حشيش، إلى الجدار المواجه ألقيت الأوراق فتناثرت في كل الاتجاهات الممكنة.. ضحكت وقلت وأنا أغوص بأنفي إلى عمق فراغ الكوب.. سخافة.. مجرد سخافة”.

الحشيش ليس مجرد مخدر

الحشيش في الرواية العربية اختلف تناوله من رواية لأخرى، عند نجيب محفوظ وجدناه يجمع الأصدقاء في العوامة، يؤثر على حياتهم تأثيرًا بالغًا، يهربون به من الواقع، وأحمد الملواني صور شخصية الشاب الذي يبحث عن الحشيش في الأزمة، لكن خيري شلبي يصور الحشيش تصورًا مختلفًا، فهو ليس عابرًا في روايته، إنما هو يصور لنا بدقة متناهية وبحرفية نادرًا ما تجدها عالم الحشيش ليس كإدمان أو شيء يقضي على حياة البشر، بل عالم كامل من المتعاطين والتجار والسارقين والغرز، لذلك ستجده مختلفًا، وستجد عنده أكثر من رواية تتحدث عن الحشيش بصفة خاصة لعل أهمها نسف الأدمغة، فعالم المخدرات عالم مليء بالأسرار والحكايات والشخصيات أظن أنها لن تنتهي ما دام هناك روايات تكتب.

0

شاركنا رأيك حول "الحشيش في الرواية العربية: إذا حضر اجتمع حوله الجميع"