0

صدرت منذ شهر تقريبًا النسخة المصرية من رواية “سفينة نيرودا – بتلة بحر طويلة” للكاتبة التشيلية الشهيرة “إيزابيل الليندي“، وهي أحدث رواياتها والتي نُشرت بلغتها الأصلية في عام 2019، وقدمت خلالها الليندي ذات الخلطة السحرية التي دأبت عليها منذ روايتها الأولى بيت الأرواح، حيث تختلط القصص الشخصية، بالتاريخ، مع شخصيات متخيلة وأخرى حقيقية تنتمي حتى لعائلة إيزابيل نفسها.

الديكتاتورية لا جنسية لها في روايات الليندي

غلاف رواية سفينة نيرودا للكاتبة التشيلية الشهيرة "إيزابيل الليندي".
غلاف رواية سفينة نيرودا للكاتبة التشيلية الشهيرة “إيزابيل الليندي”.

 تبدأ أحداث رواية سفينة نيرودا في إسبانيا، في نهايات الحرب الأهلية ما بين الجمهوريين وجيوش الجنرال فرانكو الديكتاتور الفاشي، حيث نتعرف على فيكتور الطبيب الشاب الذي يحارب بين الجمهوريين المدافعين عن الديموقراطية، وكذلك عائلته التي تتكون من أب وأم وأخ وربيبة اختارها الأب لموهبتها الموسيقية لتعيش تحت حمى الأسرة، ولكن عالمهم سيزداد سوءًا بانتصار فرانكو.

تضطر العائلة كما فعلت الكثير من العائلات الإسبانية إلى النزوح والهرب سيرًا على الأقدام بعيدًا عن الأيدي الطويلة والعنيفة لجحافل فرانكو التي ستنتقم من كل من سولت له نفسه الدفاع عن أفكاره أو حتى الصمت في زمن الحرب، ويتفرق شمل الأسرة بالموت والهجرة لشهور حتى يجتمع الباقون منها ولكن هذه المرة في تشيلي، حيث قام الشاعر بابلو نيرودا بإحضار سفينة من بلاده لنقل مجموعة من المهاجرين ليحتضنهم وطنه.

الفقرتين التي كتبتهم على الرغم من كونهم تلخيصًا للجزء الأول من حبكة “رواية أدبية” إلا إن الحقيقة فيها أكثر من الخيال، فربما أسماء أفراد العائلة فقط هي الخيالية في حين أن باقي الأحداث هي حقيقية بالفعل، استلهمتها إيزابيل من بادرة نيرودا المفعمة بالطيبة أو التي وصفها بعمله الأكثر جمالًا.

اختيار الكاتبة لهذه اللحظة التاريخية الملهمة يمكن إرجاعه إلى عدة أسباب، أولها بالتأكيد شغفها الكبير بالشاعر العظيم بابلو نيرودا واحد من أعظم الشعراء الذين أنجبتهم الأرض، والذي كان ملهمًا لجيل إيزابيل على الأخص قبل وخلال الحكم الإشتراكي القصير لتشيلي، وثانيها مدى شاعرية وندرة هذه المغامرة التي قام بها بسفينته الشهيرة، فدولته ليست الدولة الغنية ولا كانت حتى في ذلك الوقت الأكثر استقرارًا في العالم، ولكن إيمانًا بأهمية البشر وحماية الضعاف منهم كانا وراء قراره ورئيس الدولة التشيلية في ذلك الوقت، حيث ترافق الأمر مع ازدهار الديمقراطية التشيلية لوقت قصير.

ولكن السبب الثالث والأهم من وجهة نظري أن ما حدث في إسبانيا خلال الحرب الأهلية وبعدها يتشابه إلى حد بعيد مع أحداث ما بعد قتل الرئيس سلفادور الليندي، والانقلاب عليه بعد انتخابه بصورة ديموقراطية وانقسام البلاد ما بين اليمين واليسار، وهزيمة القوى الشعبية أمام ضغوط الطبقات البرجوازية وبدء عهد ديكتاتوري مشابه لما عاشته إسبانيًا في فترة حكم فرانكو.

أرادت الكاتبة أن تقدم الصورة المكررة للديكتاتورية، والتي لا تتغير على الرغم من اختلاف القارات، أو التفاصيل الجغرافية، فالعنف والحرب والموت والظلم كلها معاني واحدة تتكرر في أي مكان في العالم طالما توافرت لها الظروف.

إعادة قراءة للتاريخ 

بداية الرواية بالحرب الأهلية الإسبانية لم يكن فقط مجرد شرح لظروف الشخصيات الرئيسية لنراقب خلال الصفحات التالية كيف نمت في الأرض التشيلية ووضعت لها جذورًا، ولكن كذلك بابًا لإعادة قراءة التاريخ التشيلي، ولكن هذه المرة بعيون غريبة هي عيون الشخصيتين الاسبانيتين الأصل فيكتور ورزر، وربما اكتسبت الكاتبة هذه الرؤية عندما نظرت إلى بلادها من الخارج بعد هجرتها وإقامتها في الخارج لعدة عقود، فامتلكت رؤية أكثر موضوعية، بالإضافة بالطبع لحكمة السنين، ما بين روايتها الأولى التي تناولت نفس الموضوع عام 1982 والرواية الأحداث عام 2019.

فعند عقد المقارنة بين بيت الأرواح أو باولا ثم سفينة نيرودا نجد بعض الإضافات، وهي رؤية أكثر نضجًا من الكاتبة للواقع التشيلي في هذه الفترة، ففي الأعمال السابقة كانت رؤيتها للفترة الاشتراكية شديدة الرومانسية، نزهتها عن الأخطاء، ولكن في رواية سفينة نيرودا وعلى الرغم من تبني إيزابيل الليندي لنفس وجهات النظر ووقوفها في ذات الجبهة ضد الديكتاتورية بكل أشكالها إلا إن عيونها أكثر حدة في ملاحظة بعض العيوب الشخصية لدى الرئيس السابق سلفادور الليندي، الذي كان يحث شعبه على التخفف من أعباء الرأسمالية والبعد عن الرفاهية ولكن في ذات الوقت هو نفسه يعيش حياة مرفهة، ويمتلك شغفًا بالممتلكات المميزة، ويستغل سحر نفوذه في علاقاته العاطفية.

جاءت هذه الانتقادات على لسان شخصية فيكتور، الذي عقدت أواصر الصداقة بينه وبين الليندي منذ قدومه من إسبانيا، وأصبح رفيق الشطرنج الخاص به خلال الحملة الانتخابية، واحترم ميوله لخدمة شعبه وقدرته على مخاطبتهم، ولكن في ذات الوقت استطاع رؤية عيوبه، الأمر الذي قد يفتقده بعض الأشخاص من الداخل الذين يفقدهم الحب الموضوعية.

نقد آخر وجهته إيزابيل لهذه الفترة جاء على لسان شخصية فيلبه، الشخصية التي بدأت الرواية ممتلئة بالرومانسية والمثاليات، ولكن تغيرت مع الوقت، ليصل إلى نقطة جعلته لا منتمي لأي اتجاه، فلا هو يطيق اليمين البرجوازي التشيلي الذي ينتمي له باعتباره من كبرى عائلات البلاد وأكثرها ثروة، ولا هو قادر على ابتلاع الاتجاه اليساري الذي تنبأ له إنه بداية لحكم ديكتاتوري، فلفظه الجانبان ولم يجد له صديقًا يستطيع التعبير عن أفكاره بحرية أمامه سوى فيكتور ورزر.

انتقد فيلبه تحول بلاده إلى شكل لا يشبهها بعد فوز الليندي، وذلك من حيث الثقافة والموسيقى وتصرفات الشباب، وربط الأمر بمحاولة الشعب التشبه بشعوب أخرى بملا لا يلائم ثقافته السابقة، ولكن تتناسب مع تخيلاته عن البلاد الاشتراكية.

إيزابيل ترسم تاريخها المتخيل

إيزابيل الليندي
النسخة الأنضج من “إيزابيل الليندي” تعيد سرد التاريخ في “سفينة نيرودا “.

الفصول الأخيرة من رواية إيزابيل الليندي سفينة نيرودا تبرز التحولات في حياة فيكتور وروزر بعد بدء مقتل سلفادور الليندي، حيث أخذت الشخصيتان نفس خطوات الليندي نفسها بالهجرة إلى فنزويلا والتأقلم مع عادات هذا الشعب المحب للحياة والمتحرر من عبء الشعور بالذنب لدى التشيليين، ولكن هنا يحدث مفترق طرق بين مصير الليندي ومصير شخصياتها، فبينما تترك فنزويلا بهجرة أخرى إلى الولايات المتحدة حيث تقيم حتى الآن، يظل بطلاها في فنزويلا، ثم يعودان إلى التشيلي بعد انتهاء الحكم الديكتاتوري.

يبدو الأمر كما لو أنها رغبت في تخيل شكل حياتها لو عادت مثلما عادوا، لو عاشت سنوات شيخوختها في بلادها، وأعطت لأبطالها فرصة ربما لم ترغب في اغتنامها بنفسها لأنها بدأت بالفعل حياة جديدة.

سفينة نيرودا رواية أخرى عن الجذور 

الجذور والانتقال من مكان لمكان والبدء من جديد واحدة من الثيمات المتكررة في أدب إيزابيل الليندي، هي بنفسها عاشت هذه الأزمة أكثر من مرة، في البداية إلى الفنزويلا ثم إلى الولايات المتحدة، في المرة الأولى أخذت بذور نبتة “لا تنساني” لتزرعها في الأرض الجديدة التي تقيم بها، وشعرت بالحزن عندما لم تستطع الإنبات في الحرارة الفنزويلية، حيث هذه النبتة كانت مجاز عن الكاتبة نفسها التي عاشت في هذه الأرض الجديدة وقامت بعدة تحولات كبيرة في حياتها لكن لم تستطع أن تمد جذورها بداخلها، على عكس ما حدث مع الولايات المتحدة حيث تزوجت من جديد، وبنت منزلًا، وأحضرت أولادها وأحفادها ليعيشوا حولها، لتصبح الجدة التي دومًا تمنتها.

فيكتور ورزر فعلوا المثل بصورة عكسية، فبينما إيزابيل بنت لنفسها جذورًا في قارة أخرى بعيدًا عن التشيلي، حصلوا هم أيضًا على ذات الجذور ولكن في التشيلي.

الجذور والوطن والبدء من جديد كلها قضايا تناقشها مرة أخرى إيزابيل في رواية سفينة نيرودا، لكن هذه المرة بحساسية الجدات، وبذات المحبة التي تحملها هي لبلديها القديمة والجديدة.

0

شاركنا رأيك حول "النسخة الأنضج من إيزابيل الليندي تعيد سرد التاريخ في سفينة نيرودا "