0

يقول جبرا ابراهيم جبرا: “الكلمة تلك السرينة الغاوية” ففي الكلمة بوح بما يختلج النفس من مشاعر وأفكار قد لا توافق على الدوام ذوق ومعايير مستقبلها، فتقابل بالرفض أو الاضطهاد.. ونحن إذا ما نظرنا عبر التاريخ الإنساني نكاد لا نجد فترةً أو عصرًا يخلو من الصراع القائم بين أصحاب الفكر التقليدي ومناوئيهم من المجددين.

صراع الأفكار عبر التاريخ الإنساني

صراع الأفكار عبر التاريخ الإنساني
بين الجمود والتجديد: هكذا تصارعت الأفكار عبر التاريخ الإنساني

قبل الخوض في التاريخ الإنساني لهذا الصراع، لا بد أن نتساءل هنا: ما حرية الفكر؟ وهل هي مقيدة بضوابط لا يصح الخروج عنها؟

الحقيقة أن لا مفهوم ثابت لذلك، والناس ينقسمون في هذا إلى مذهبين: منهم من يقول بحرية الفرد في أن يقول ما يريد دون قيد أو شرط، أو بالأحرى دون النظر بأهمية ما قاله على الآخر، وهناك من يقول بأن الغاية الأسمى لحرية الفكر هي منفعة المجتمع.

أول القيود

تبعًا لما يرويه سلامة موسى في كتابه “حرية الفكر وأبطالها عبر التاريخ“، فقد عرف الإنسان الأول جملة من المحرمات “تابو” كانت هي أصل الآداب الأخلاقية، وأول قيود الحرية الفكرية. فالخنزير مثلًا يجب ألا يمس، وبعض الحيوانات يحرم قتلها وصيدها.

حرية الفكر - سلامة موسى - صراع الأفكار عبر التاريخ الإنساني
الغلاف الأمامي لكتاب “حرية الفكر وأبطالها في التاريخ” للكاتب سلامة موسى.

وكانت الفسحة الفكرية المتاحة للقدماء مرجعها اعتقادهم بأن الآلهة غير قادرة على فعل كل شيء، فالإله لديهم كان بالأصل شخصًا حيًا، ولما جهلوا طبيعة الموت لم ينسبوا له القدرة المطلقة على الفعل.

جاء النظر الديني في بدايته غير مضطهد للعلم، ويقبل بمسألة الجدل والتمحيص، بعدها رأت طبقة من الناس أن تروج للعقائد الدينية وتعيش منها، فبدأ الكهنة باضطهاد من يخالفهم كلما تملكوا من السلطة.

في عهد الإغريق

صراع الأفكار عبر التاريخ الإنساني - حرية الفكر
صراع الأفكار عبر التاريخ الإنساني بين الجمود والتجديد.

كانت العلوم عند المصريين والكلدانيين شبيهة بعلوم القرون الوسطى، فهي مجموعة من المعارف لا خطة ولا غاية لها، ولم تكن تبحث عن أول الكون ونهايته، لذا لم يضطهد رجال الدين في هذه الأمم أحد.

أما الإغريق فقد وضعوا النظريات وهم أول من نزعوا نزعة علمية بحتة، قد ساعدهم في ذلك تعدد آلهتهم التي تحمل صفات إنسانية، فلم يجد العلم حرجًا في أن يخرج على حقوق الآلهة، وإن كان قد ناله شيء من القمع.

وممن شذوا عن المألوف في ذلك العهد، “طاليس” الذي قال بأن أصل العالم ماء، وأن لا شأن للخسوف بالحروب. و”أناجزاجوراس” الذي قال بأن الشمس ليست مركبة للآلهة، بل هي قطعة من نار فحبس في أثينا ثم نفي. أما سقراط فكان يختصر الآلهة في إله واحد غير مرئي، ويقول بخلود النفس فقتل من أجل فلسفته.

محاكم التفتيش

هي أول أداة منظمة للعقاب نشطت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ويرجع سبب تأسيسها إلى القضاء على العقائد المانوية، ورغبة رجال الكنيسة الكاثوليكية في تجريد الدين منها. وكانت محاكم التفتيش تنشأ في كل مكان، وتحاكم الناس على كل شيء، وأشهر هذه المحاكم “المحكمة المقدسة” في روما و”المحكمة الملوكية” في أسبانيا.

بقيت محاكم التفتيش لأكثر من خمسمائة سنة، قتل خلالها خيار العلماء والمفكرين، وكانت من أسباب نزعة الإلحاد في أوروبا فيما بعد.

اضطهاد الفلاسفة

الفلسفة - الأفكار عبر التاريخ
هكذا تصارعت الأفكار عبر التاريخ الإنساني.

قيل في وصف مكانة العلم في الأندلس:

وكل العلوم لها عندهم حظ واعتناء إلا الفلسفة والتنجيم، فإن لهما حظًا عظيمًا عند خواصهم، ولا يتظاهر بها خوف العامة.

من قرأ الفلسفة أو اشتغل بالتنجيم في ذلك الزمن اتهم بالزندقة أو أحرق هو وكتبه قبل أن يصل أمره للسلطان.

وممن أحرقت كتبهم لمخالفتها المذاهب الشائعة الغزالي، وابن حزم الذي ألف 400 مجلد لا نعرف منها سوى واحد أو اثنين. وكيف لنا أن ننسى ابن رشد الذي أنكر خلود النفس وقال بأزلية المادة، فنفاه المنصور إلى بلدة صغيرة تدعى “إليسانة”.

في العصور الحديثة

الأفكار عبر التاريخ الإنساني
بين الجمود والتجديد: هكذا تصارعت الأفكار عبر التاريخ الإنساني.

بدأت تظهر بوادر النهضة الأروبية في أواخر القرون الوسطى عند سقوط القسطنطينية في يد الأتراك، وفرار علمائها إلى مدن أوروبا. ولم تكن هذه النهضة نهضة دينية فقط، وإنما نهضة أدبية وعلمية أيضًا.

ومع اختراع المطبعة في القرن الخامس عشر على يد جوتمبرغ الألماني، انتشرت الكتب ولم تعد الكتب حكرًا على الأغنياء، فرأى الكهنة أنهم أمام تيار قوي من الثقافة، ألفوا لوقفه مجامع لحرمان الناس من قراءة الكتب التي لا توافق مذاهبهم.

وعلى عكس ما هو متوقع كانت قوائم الكتب الممنوعة، أكبر إعلان لرواجها، ولم يكن اضطهاد المؤلفين، وسجن الطباعين ليمنع من انتشار الفكر والثقافة.

التجديد عند بعض الأدباء

أفرد محمود العقاد في كتابه “ساعات بين الكتب” مقال بعنوان “حرية الفكر”، ناقش في بدايته تمسك المصريين بعادات منذ عهد الفراعنة، ومع دعوته للتجديد أنكر على دعاة التغيير مجاراة الغرب في أفعالهم دون هدف. يقول:

لسنا أحرارًا حين ندور مع الأفكار الطارئة كما يدور طلاب الأزياء مع كل عارضة تروج، وكل خاطرة تعن في الأذهان، فلنكن جريئين على الجديد جرأتنا على القديم، ولنتعود أن ننقد الحضارة الأروبية كما ننقد ما سلف من حضارات طويت الآن بالحسن فيها والقبيح.

ساعات بين الكتب - العقاد - الأفكار عبر التاريخ الإنساني - حرية الفكر
أفرد العقاد في كتابه “ساعات بين الكتب” مقال بعنوان “حرية الفكر”.

وشبيه بما قاله العقاد يتطرق جبرا في معايشة النمرة لدور المثقف في تأسيس الوعي، فيرى أن مهمة المفكر، هي التشديد على الوعي، وتغذيته معرفيًا، والعودة إلى جذوره، وامتصاص أحسن ما في التراث، وفي الوقت نفسه استيعاب التجربة الحضارية التي مرت بها الأمم الأخرى استيعابًا كاملًا.

وفي أقصر مدة ممكنة علينا أن نفهم الأقصى من التجارب التاريخية التي عرفها الآخرون لتوكيد هويتهم. وفي المقابل، نؤكد هويتنا نحن أيضًا.

أما أحمد أمين في كتابه “النقد الأدبي” فيميل لرفض المذهب القائل بأن: “الفن للفن”، أي أن الفن فوق الأخلاق لا يخضع لها ولا يأتمر بأمر، فالغاية كما يراها أصحاب هذا المبدأ هو “الخلق”، أما هو فيرى بأن الفن الراقي هو الذي يلهم الإنسان المعاني الشريفة ويوسع نظره للحياة، وكل أدب يغذي الشهوات وحدها أدب وضيع.

وأميل إلى قول سلامة موسى في كتابه “حرية الفكر“:

لا يبرر الحرية الفكرية سوى منفعتها، ولا يبرر تدخل الحكومة ومنعها للناس من حرية التفكير سوى حقها في الدفاع عن النفس، وحماية الجمهور من أذى مباشر.

ختامًا، اختلف الناس في أفكارهم منذ القدم، وسيبقى هذا الصراع قائم كسنة كونية، تدفع بعجلة الحياة نحو التقدم والبناء وإن كان ظاهرها الهدم والتخريب.

 

0

شاركنا رأيك حول "بين الجمود والتجديد: هكذا تصارعت الأفكار عبر التاريخ الإنساني"