المادة المعتمة
0

تخيل أن كل ما نراه في هذا الكون الشاسع من مجرات ونجوم وغير ذلك من المادة المرئية لا يشكل سوى حوالي 5% مما يوجد فعلاً في هذا الكون. وبقية الكون هو عبارة عن نوع غريب من الطاقة ندعوه الطاقة المعتمة§ (تشكل حوالي 70% من الكون) وسنتحدث عنها في مقال لاحق، ومادة معتمة§ (تشكل حوالي 25% من الكون) وهي موضوعنا في هذا المقال. ولليوم، لا يوجد اتفاق بين العلماء حول ماهية كل من الطاقة المعتمة والمادة المعتمة. لذلك سنحاول في هذا المقال والذي يليه أن نتطرق إلى هذا الموضوع. علماً أنه علينا الانتباه، بأن كلمة معتمة هنا تعني غير مرئية، أي لا تتآثر مع الإشعاع (إلا من خلال التثاقل)، فهي لا تصدره ولا تمتصه ولا تبعثره.

 مصطلحات فيزيائية وفلكية من الجيد أن تعرفها (الجزء الثاني)

ما الذي دعانا إلى الاعتقاد بوجود المادة المعتمة؟

تخيل نفسك تمسك بكرة في يدك، ثم تركتها لتقع على الأرض. عندها ستقع هذه الكرة تماماً تحت النقطة التي أفلتّها منها. ولو قمت بإطلاقها بسرعة أفقية ما، فستجدها تقطع مسافةً معينةً قبل أن تقع على الأرض. ولو أعدت إطلاقها بسرعة أكبر، فستقطع مسافةً أكبر قبل أن تعود وتلتقي بسطح الأرض. وفي الواقع، لو كانت السرعة كافية (مثلاً بإطلاق الكرة عبر جهاز ما يعطيها سرعات كبيرة)، فإن هذه الكرة ستأخذ مداراً حول الأرض نتيجةً لكونها تحاول الوقوع على سطح الأرض ولكن انحناء سطح الأرض يجعل ذلك غير ممكن. ولو تخيلنا أننا أعطينا الكرة سرعةً كبيرةً بما يكفي، فهي ستفلت من جاذبية الأرض كلها وتتجه إلى الفضاء الخارجي. وتدعى أصغر سرعة لازمة لذلك بسرعة الإفلات§. وهي تعتمد على كتلة الأرض، فلو كانت كتلة الأرض أكبر، لكانت سرعة الإفلات التي سنحتاجها أكبر، لأن جاذبية الأرض ستكون أشد والتغلب عليها سيكون أصعب.

إن نفس الأمر يحصل في المجرات. فلو كانت النجوم في المجرة تدور بسرعات كبيرة بما يكفي لأفلتت من هذه المجرة، وهنا تبدأ المشكلة. فعند رصدهم للعديد من المجرات، لاحظ العلماء بأن كتلة المادة المرئية الموجودة في المجرات لا تكفي لتفسير السرعة الكبيرة التي تدور بها النجوم في أطرافها، ومع ذلك فهي لم تفلت من قبضة مجراتها. وقد لوحظ أمر مشابه لذلك عند دراسة حركة المجرات ضمن الحشود المجرية. وهنا سنجد أنفسنا أمام احتمالين: إما أن قوانيننا للتثاقل تحتاج إلى تعديل على المقاييس المجرية والكونية، أو أنه يوجد نوع من المادة غير المرئية موجودة ضمن المجرات والحشود المجرية وهي ما يؤمّن الكتلة الكافية لتفسير تلك المشاهدات. وفرضية المادة المعتمة، تتبنى وجهة النظر الثانية.

كل شيء عن نظرية الانفجار العظيم وكيف بدأ الكون – ملف شامل

المادة المعتمة

الأدلة غير المباشرة على وجود المادة المعتمة

بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقاً عن سرعات النجوم في المجرات، هناك دليل هام يأتي من الحشود المجرية بشكل خاص. إذ يمكن قياس كتلة الحشد المجري بثلاثة طرق مختلفة. الأولى هي من خلال سرعات المجرات ضمنه. والثانية هي من خلال الأشعة السينية المنبعثة من الغاز الساخن فيه لأننا نستطيع من خلالها تحديد درجة حرارة وضغط الغاز، وبما أن الضغط يقوم بموازنة الجاذبية، لذلك نستطيع من خلال ذلك معرفة الكتلة الموجودة في الحشد. أما الطريقة الثالثة فهي من خلال ما ندعوه التعديس التثاقلي§ إذ أنه وفقاً للنسبية العامة سيتصرف الحشد المجري الموجود بيننا وبين جرم بعيد يقع خلفه كعدسة، لأنه سيحني الضوء القادم إلينا من ذلك الجرم البعيد وسيشوه من صورة هذا الجرم، ومن خلال مقدار التشوه الحاصل نستطيع تقدير كتلة الحشد المجري.

والجميل في الأمر، هو أن الطرق الثلاثة تتفق في إعطاء نفس الكتلة للحشود المجرية، وهي كتلة تتوافق مع فرضية المادة المعتمة. يضاف إلى ذلك أن خرائط إشعاع الخلفية الكونية مايكروي الموجة CMB تحتوي على لاتجانسات توافق فرضية المادة المعتمة. والسبب يكمن أنه في الكون المبكر للغاية لو كانت كل المادة في الكون هي مادة عادية (أي تتآثر مع الإشعاع) لما سمح لها تآثرها بأن تشكل اختلافات كافية في الكثافة كي تنشأ منها البنى اللاحقة من مجرات ونجوم. وبالتالي نحتاج إلى مادة لا تتآثر مع الإشعاع كي نحصل على اللاتجانسات الملحوظة في إشعاع الخلفية الكونية مايكروي الموجة. يضاف إلى ذلك طبعاً العديد من الأدلة الأخرى على وجود المادة المعتمة، إلا أن المجال لا يتسع لذكرها هنا.

نظريات بديلة

فلنعد الآن إلى خيار أن تكون المشكلة هي في قوانيننا للتثاقل. إحدى أشهر المحاولات في هذا الصدد، هي ما يدعى بالتثاقل النيوتوني المعدل MOND §. وقد نجحت هذه النظرية في تفسير سرعات النجوم التي نراها في داخل المجرات بشكل أفضل مما فعلت فرضية المادة المعتمة، إلا أن فرضية المادة المعتمة كانت أفضل منها في تفسير البيانات حول الكون المبكر التي استقيناها من إشعاع الخلفية الكونية مايكروي الموجة، كما أن المادة المعتمة كانت أفضل أيضاً في تفسير الأرصاد التي جمعناها عن الحشود المجرية.

المادة المعتمة كمائع فائق

خرجت منذ فترة حديثة نسبياً نظرية جديدة§ تجمع كلاً من فرضيتي المادة المعتمة والثقالة النيوتونية المعدلة، من خلال افتراض أن المادة المعتمة في الكون يمكن أن تكون بأطوار مختلفة. فكما أن الماء يمكن أن يكون سائلاً أو غازاً أو صلباً، كذلك الأمر فالمادة المعتمة الموجودة في الكون توجد في أحد طورين: مادة معتمة على شكل غاز (كلمة مائع تشمل سائل وغاز) وقد توجد على شكل مائع فائق. وحتى تصبح المادة المعتمة في طور مائع فائق فهي تحتاج إلى درجات حرارة منخفضة وحقول جاذبية شديدة بما يكفي. وهذا ما لا يتوفر إلا ضمن المجرات. وفي هذه الحالة تنتج قوى جديدة عن تفاعل المائع الفائق مع المادة العادية تعطينا تفسيراً للمشاهدات التي نجدها لسرعات النجوم في المجرات، أما في الكون المبكر والحشود المجرية تبقى المادة المعتمة في حالتها المعهودة وبالتالي ستعطينا نفس التنبؤات التي ستعطيها فرضية المادة المعتمة في العادة.

وبذلك تكون هذه النظرية قد استفادت من نقاط القوة في كلا الفرضيتين السابقتين!

خاتمة

حتى ولو وجدت المادة المعتمة فعلاً، فلا نجد بين الفيزيائيين اليوم أي اتفاق على نوع الجسيمات التي تكونها، إلا أن الجميع تقريباً يتفق على أنها إن وجدت، فستكون بغالبيتها مكونة من جسيمات تختلف عما نعرفه من المادة العادية لأسباب يصعب شرحها هنا. وهذا ما سيجعل أي كشف مباشر للمادة المعتمة يحدث تقدماً هائلاً في الفيزياء!

0

شاركنا رأيك حول "المادة المعتمة: أحد أكبر الألغاز غير المحلولة في الفيزياء"