التفسير الإحصائي لميكانيك الكم
0

رأينا في المرة الماضية كيف أن التفسير الإحصائي لميكانيك الكم § يعامل الدالة الموجية لجملة فيزيائية ما على أنها لا توصف هذه الجملة بشكلٍ منفرد، بل هي عبارة عن توصيف إحصائي لعدد كبير من النسخ المتطابقة من هذه الجملة. وبذلك، ليس للدالة الموجية وجود فيزيائي حقيقي وفقاً لهذا التفسير، بل هي عبارة فقط عن أداة رياضياتية تستخدم لحساب الاحتمالات لا غير.

كما أننا بيّنا كيف يمكن ألا تشكل مبرهنة بل التي تحدثنا عنها في مقال “التجربة التي حسمت النقاش بين بور وأينشتاين حول معنى ميكانيك الكم” أي خطر على هذا التفسير §.

بل وبينا أيضاً أن حالة التراكب الكمومي وفق هذا التفسير هي تعبير عن الحالة التي تكون فيها الجملة عندما نصفها بفضاء عينة لتجربة احتمالية لها عدة نتائج ممكنة (وفضاء العينة هو مجموعة جميع النتائج الممكنة للتجربة)!

والآن، سنتابع الحديث عن معنى بقية الظواهر الكمومية وفقاً لهذا التفسير.

مبدأ الارتياب

لنتخيل لدينا قطعة نقود ونريد أن نجري عليها التجربتين التاليتين:

  • التجربة الأولى:

نريد رمي هذه القطعة ومعرفة هل ستكون النتيجة صورة أم كتابة عندما تستقر القطعة أفقياً على سطح أفقي.

  • التجربة الثانية:

لنفرض أن نصف الإطار الجانبي لهذه القطعة مطليّ بطلاء أسود، ولنتخيل تجربةً تكون نتيجتها +1 إذا ما رمينا قطعة النقود واستقرت شاقولياً على حافتها، ورأينا عندما ننظر إليها من الأعلى الطلاء. في حين أن النتيجة ستكون -1 إذا ما رمينا القطعة واستقرت شاقولياً على حافتها وكان الطلاء غير ظاهر عند النظر إليها من الأعلى.

نلاحظ أنه لا يمكن إجراء التجربتين معاً، لأنه في إحداهما يتحتّم أن تكون قطعة النقود أفقية في حين أنها في الأخرى يتحتم أن تكون شاقولية، وبالتالي إذا كانت نتيجة الرمية هي صورة فلا يمكن أن نقول أن قطعة النقود تحمل الصفة -1 أو +1 لأن قطعة النقود ستكون أفقيةً في هذه الحالة. وبنفس الطريقة فلو قلنا أن نتيجة الرمية هي +1 فهذا يعني أن قطعة النقود شاقولية ولا معنىً لقولنا إن النتيجة هي صورة أو كتابة.

وبذلك نلاحظ أنه حتى في التجارب الاحتمالية العادية هناك ظاهرة مشابهة لمبدأ الارتياب في ميكانيك الكم، وفي الواقع وفقاً للنسخة التي نتحدث عنها من هذا التفسير فإن هذا هو منبع مبدأ الارتياب بالضبط. فالتجارب الكمومية هي تجارب احتمالية صرفة ولا يمكن تعريف نتائج جميع التجارب الاحتمالية معاً كجزء من تجربة واحدة تماماً كما في حالة قطعة النقود.

وما يجعل العالم الكلاسيكي مختلفاً عن العالم الكمومي هو أنواع الخاصيات التي لا يمكن قياسها معاً، فمن السهولة بمكان أن نقيس للأجسام الكلاسيكية موضعها وسرعاتها معاً، إلا أن المواضع والسرعات لا يمكن تعريفها معاً للجسيمات الأولية كما ذكرنا بالتفصيل في مقال “تفسير كوبنهاغن: محاولة لتفسير ميكانيكا الكم“.

انهيار الدالة الموجية

والآن، ماذا عن انهيار الدالة الموجية؟ في الواقع، وفقاً لهذا التفسير فالدالة الموجية ليست سوى تعبير عن فضاء العينة لتجربة ما، وبالتالي عندما نقول في تجربة رمي قطعة نقود مثلاً أن فضاء العينة هو مجموعة مكونة من النتيجتين صورة أو كتابة ثم نرمي قطعة النقود ونجد أن النتيجة أصبحت صورةً، عندها لو أردنا إجراء تجربة قراءة لنتيجة التجربة السابقة فسنقول إن فضاء العينة يصبح صورةً فقط لأننا نعلم أن النتيجة أصبحت صورةً فقط.

وهذا يعبر نوعاً ما عما يدعى في نظرية الاحتمالات بالاحتمال الشرطي: فانهيار الدالة الموجية في هذا التفسير يعبّر عن تغيّر فضاء العينة نتيجةً لإجراء التجربة ولا شيء غامض في الموضوع (وإن كان هناك المزيد من التفاصيل حول هذه النقطة ولكنها تفاصيل تقنية للغاية)!

ماذا عن الراصد؟

لو تخيلنا شخصاً الآن يقوم بإجراء تجربة رمي قطعة النقود، عندها فإن فضاء العينة لقطعة النقود هي المجموعة المكونة من العنصرين: صورة وكتابة. بينما فضاء العينة للشخص الذي يقوم بالتجربة هو عبارة عن المجموعة التي تحتوي على النتيجتين: الشخص يرى قطعة النقود صورة والشخص يرى قطعة النقود كتابة.

وعند رمي قطعة النقود، وبفرض أن النتيجة كانت صورة، عندها فضاء العينة لقطعة النقود يصبح صورةً (وهو يعبر عن حالة قطعة النقود بعد رميها). في حين أن فضاء العينة للراصد سيصبح: الشخص يرى قطعة النقود صورة (وهو يعبّر عن فضاء عينة تجربة قراءة النتيجة عند الراصد). وبالتالي نلاحظ أن فضاءي العينة سيتغيران معاً نتيجةً للاحتمال الشرطي، ولسنا بحاجة لمن يرصد الجملة المركبة حتى يسبب انهياراً في دالتها الموجية.

التشابك

نعود لتجربة الراصد الذي يرمي قطعة نقود، عندما يرمي الراصد قطعة النقود سيكون فضاء العينة للجملة المركبة حاوٍ على نتيجتين فقط: (صورة وراصد يرى النتيجة صورة) و (كتابة وراصد يرى النتيجة كتابة).

نلاحظ إذاً أنه عند إجراء التجربة لا يمكن أن نحصل على صورة وراصد يرى النتيجة كتابة أو كتابة وراصد يرى النتيجة صورة، وبالتالي ارتبطت نتيجة الرصد ونتيجة الرمية بشكل مشابه لما رأيناه في مقال “التشابك الكمومي، أو ما دعاه أينشتاين بالتأثير الشبحي عن بعد: هل يمثل انتهاكاً للنظرية النسبية؟” عن ارتباط نتائج قياس السبين لإلكترونين، ولو تم رمي قطعة النقود في دمشق وكان الراصد موجوداً في حلب فبمجرد أن كانت نتيجة الرمية صورة فإن فضاء العينة لتجربة قراءة النتيجة لدى الراصد سيصبح مباشرةً راصد يرى النتيجة صورة حتى ولو لم يرَ الراصد قطعة النقود، لأنه لو سافر إلى مكان حصول الرمية فسيرى أن النتيجة صورة.

وبذلك فإن التشابك يحصل لأن نتيجة إحدى التجربتين (هنا مثلاً ما الذي سيراه الراصد) يكون معرّفاً بدلالة تجربة أخرى (نتيجة رمي قطعة النقود).

نقاط ضعف هذا التفسير

حتى معظم المناوئين لهذا التفسير يعترفون بأنه أقل تفسير من ناحية عدد المسلمات التي توضع في ميكانيك الكم، وأنه يعتمد فقط على البنية الرياضياتية المتسقة لهذه النظرية. ولكن نقدهم يتركز على أن هذا التفسير بإصراره على أن الدالة الموجية تصف عدداً كبيراً من الجمل الفيزيائية المتطابقة ولا تصف الجمل الفردية فهو يفقدنا القدرة على توصيف الجمل المنفردة.

إلا أنه حتى بقية تفسيرات ميكانيك الكم تقوم بتنبؤات احتمالية وبالتالي لا يمكن لأي تفسير لميكانيك الكم أن يفسر سلوك جملة منفردة إلا من خلال تكرار التجربة عليها عدداً كبيراً من المرات أو بالقيام بنفس التجربة لمرة واحدة على عدد كبير من الجمل المتطابقة، وبالتالي فإن التفسير الإحصائي لميكانيك الكم لا يختلف في هذه الناحية عن بقية تفسيراته، على الأقل من الناحية العملياتية.

خاتمة

لاحظنا أن نظرية الاحتمالات بفهمها بالطريقة الصحيحة يمكن أن تُعطينا ظواهر مشابهة تماماً للظواهر الغريبة في ميكانيك الكم، وفي الواقع كما تبين فهذا التشابه ليس عَرَضيّاً. بل فقط بالقليل من توسيع نظرية الاحتمالات يمكن أن نجد أن ميكانيك الكم يمكن استنتاجه تماماً من هذه النظرية!

ولكن كما لاحظنا فهذا التفسير لا يلغي غرابة ميكانيك الكم، إذ حتى بالنسبة له، فلا معنى لوجود الإلكترون في مكان محدد قبل قياس موضعه، ومع ذلك فالإلكترون موجود. إنني أجد أن مجرد التفكير في هذا الأمر وحده يبين لنا مدى غرابة عالم ميكانيك الكم!

0

شاركنا رأيك حول "التفسير الإحصائي لميكانيك الكم: اتبع فقط ما تقوله الرياضيات! (الجزء الثاني)"