فن الترجمة
0

الأدب المترجم ثري بالكثير من الأعمال والروايات التي تستحق أن تُقراء ويتم التعمق في معانيها، فلديه القدرة على تغذيتك بالمشاعر الإنسانية والثقافية بمختلف ألوان العالم، ويساعدك على امتلاك مفاتيح أكثر لفتح المزيد من الأبواب لفن الكتابة.

الأدب المترجم والحس الفني للمترجم 

فن الترجمة
الجودة الفنية للأدب المُترجم: عندما تحتفظ الترجمة بروح العمل الأصلي

لذا وجد الأدب المترجم وفن الترجمة، ويجب إطلاق اسم فن عليه بطلاقة لأنه إذا لم يمتلك المترجم الحس الفني والإبداعي تجاه النصوص المراد ترجمتها تصبح ترجمته عبئًا على العمل، لأنه ينقص من قيمته الأدبية الكثير، لكن الترجمة الفنية الحقيقية هي التي تبعث روح ثقافتها في النص الأصلي ولا تفقده روح كاتبه.. وكانت من الأمثلة التي أضافت جودة فنية للعمل المُترجم:

رواية العالم: فلسفة تكوين عالمك الخاص

رواية العالم
رواية العالم من الأدب المترجم

خلال قراءتي لتلك الرواية من الأدب المترجم اكتشفت أن الأدب الإسباني رقيق وجميل يحتاج يدًا حانية لتكتشف خباياه وتترجمه، وبرعت في ذلك المترجمة شيرين عصمت خلال ترجمتها اللينة العميقة لرواية مثل “العالم” فكانت حروفها مسترسلة للحد الذي جعلني أتوق لقراءة العديد من الأدب الإسباني.

رواية العالم تعتبر رائعة من روائع الكاتب الإسباني خوان خوسيه مياس، كانت بالنسبة إلي عالمًا خياليًا لكن يحوي كل أسرار عالمي الواقعي، هي سيرة ذاتية مؤلمة وصف فيها الكاتب نفسه في الطفل “خوانخو” بل وكان يصفنا جميعًا في الكثير من اللحظات.

على مر الرواية كنت أحاول الاحتفاظ بالكثير من الاقتباسات العظيمة، والتي أجادت ترجمة شيرين عصمت في توصيل معناها الأصلي بكل عذوبة، والتي وجدت بها نفسي ولا بأس في العودة لها في الكثير من المرات، للسعي وراء بعض الإجابات داخلها للرد عن تساؤلات العالم الغامضة.

الرواية من الأدب المترجم وتُرجمت بعناية فلسفية مبدعة، فتفوق قلم شيرين عصمت في التعبير عن تكوين الجمل العظيمة في الرواية ببراعة لم تفقدها مشاعر الكاتب الأصلي للعمل، وكان من أكثر الاقتباسات التي أثارت الشجن في نفسي والكاتب يقول:

“الذي يشعر بالبرودة في صغره سيظل يشعر بها طوال حياته، لأن البرودة في الصغر لا تذهب أبدًا. فهي تتكيس في أعماق الجسد”.

هنا لم أجد سوى وصف موجز ودقيق لكل ألم يمر به الإنسان في الطفولة، ولا ينعدم ولا ينُسي فقط يبقى في الروح يختبئ، ليخرج في لحظة ما في العمر صارخًا ليعلن عن وجوده بكل قسوة، وإن كانت الكتابة لدى خوان خوسيه مياس تفتح الجروح وتكويها في الوقت ذاته كما وصف في أول سطر في روايته، فالقراءة له تجيد نفس الشيء.

رواية شوشا: لن تجد نقاءك الحقيقي سوى في ماضيك

رواية شوشة
شوشة رواية من الأدب المترجم

أقل ما يقال عن ترجمة تلك الرواية من الأدب المترجم أن مترجمها سمير أبو الفتوح استطاع بجدارة أن يمتزج مع كاتب الرواية الأصلي إسحق باشيفيس سنجر الحائز على جائزة نوبل عام 1987، ليذوبا معًا وينتج عملًا روائيًا مترجمًا بقلم ممتاز وروح واحدة تميل للحكي عن الحنين للماضي.

رواية “شوشا” اختصرت الجزء النقي الباقي من بطل أحداثها، في فتاة تدعى “شوشا” جارته وصديقة طفولته، التي تركها يومًا ونضج وأصبح كاتبًا على دراية حسنة بعالمه، وعرف الكثير من الأصدقاء بكل الأنواع، بل إنه كان فريسة أيضًا في الكثير من الأوقات لارتكاب الخطيئة.

ومع ذلك عندما عاد لحي طفولته القديم وجدها هي كما تركها في جسد وعقل طفولي يتنافى مع عمرها، وبرائة تتنافى مع قسوة العالم، ولذلك وقع في غرامها من جديد -رغم كثرة علاقاته بمختلف النساء- وذلك كان واحدًا من أسباب انجذابه لها، لأنه ضَمن فيها البراءة والإخلاص.

الرواية تحكي عن المجتمع اليهودي في بولندا ومعاناة اليهود مع هتلر، الرواية كانت تهتم بتسليط الضوء على الشخصيات بفلسفة إنسانية، شعرت أن هدف الرواية الحقيقي لُخصت في جملة واحدة من الرواية: “هدف الأدب هو أن يمنع الزمن من التلاشي”.

الشبح الذي جاء يعتذر: كيف للترجمة أن تفرض نفسها أحيانًا كاعتذار؟

كتاب الشبح الذي جاء يعتذر للمترجم هشام فهمي - الأدب المترجم
كتاب الشبح الذي جاء يعتذر للمترجم هشام فهمي

إن ترجمة هشام فهمي شديدة الإخلاص للنص، وكيف لا يكون مخلصًا؟ وهو من اعترف بنفسه خلال الإهداء الذي كتبه في بداية كتابه لوالدته أنه أول مرة مارس فيها الترجمة كان من أجلها بكل الحب. والحقيقة أن ذلك الحب لم يفارقه حتى في النصوص الذي ترجمها لنا، بل بدا واضحًا للدرجة التي جعلت ترجمته القوية والبارعة للنصوص شبه اعتذار لعالم الأدب.

فلم يكن عنوان “الشبح الذي جاء يعتذر” مجرد تعريف للكتاب، بل كان كل الحقيقة فقد اعتبرت هشام فهمي الشبح الحقيقي الذي ظهر فجأة في عالم الترجمة وجاء ليعتذر عن أي تجربة ترجمة عادية، أو قاسية ظلمت النص الأصلي.

كانت تجربة الكتاب ممتعة جدًا، لم أشعر بذلك الشعور مع أي نص آخر مترجم، ولم أشعر بتلك الحميمة إلا مع قلة من الكتب والروايات. هشام فهمي مترجم رائع، ويجيد اختيار النصوص التي تحتاج للترجمة بدقة شديدة، الكتاب يحتوي على الكثير من القصص والمقالات المختلفة في الأفكار والشخصيات، بين العمق الشديد، الرعب، الفانتازيا، والسادية.

وبين غموض كافكا والكاتبة فرجينيا وولف الكثير من القصص التي تستحق السرد؛ أجاد هشام فهمي ترجمتها بكل شغف، في النهاية الكتاب تجربة رائعة ومميزة، سوف تخرج بالتأكيد في نهايتها بكاتب مفضل تريد التقرب من كتاباته أكثر. أنا خرجت من ذلك الكتاب بكاتب مفضل جديد “تشاك بولانِك” وأظن أنني أصبحت من أشد معجبيه.

في صحبة الكتب: إذا كنت وحيدًا الليلة فالكتب ترحب بك

كتاب في صحبة الكتب للمترجم علي حسين - الأدب المترجم
في صحبة الكتب من الأدب المترجم

بعد تلك الرواية، أو ذلك الكاتب الذي كان سببًا في عشقك للقراءة، أو سببًا في حيرتك الدائمة، أو ولعك بالكتابة. تخيل أن جاء كاتبه ليروي لك مدى المعاناة التي عاشها مع تلك السطور التي تشغل بالك الآن، محاولًا سرد حياته على مسامعك، يطلعك على عظائم إخفاقاته التي جعلت منه اليوم أحد أعظم كتّاب القرن.

أجاد علي حسين اختيار النصوص الأدبية المختلفة التي تستحق الترجمة والتسامر معها، ونقلها إلينا ببراعة جعلتني للحظة من الزمن شعرت أنه لديه آلة زمنية، سافر بها إلى كل كاتب ليجلس معه قليلًا، ويشاركه رأيه في حروفه.

كما لو كان يسأل كافكا عن سبب الحزن الذي يتملكه دائمًا، ومدى خطورة القراءة له قبل النوم، و كيف استطاع رغم ذلك أن يكون السبب الرئيسي ليصبح ماركيز كاتبًا. يجلس الى فيرجينيا وولف؛ لتروي له عن رواية السيدة دالاوي، وأن نوبات اكتئابها الشديدة كانت الدافع الوحيد الذي تمتلئ به تلك السطور. وكيف لنيتشه أن يصبح مُلهم هتلر الوحيد؟! وما القصة وراء بخل “توفيق الحكيم“، رغم بذخه في الكتابة.

كل تلك الحكايات وأكثر بكثير، كانت تنتمي لثنايا ذلك الكتاب العظيم “في صحبة الكتب”، مهنة الكتابة من أصعب المهن في الوجود، ورغم ذلك لم تنل ما تستحقه من تقدير بعد، لن تفهم ما أقصد حتى تتسامر مع “علي حسن” وأصدقائه في أمسية تُنفقها على أجمل ما يمكن أن تقرأه يومًا، أمسية في صحبة الكتب.

في النهاية، لن يكفيك مجرد الوقوف على شاطئ الترجمة وروائع الأدب المترجم لتدرك مدى أهمية ذلك الفن، لكن يجب أن تمارس معها رياضة الغوص وتجعل أمواجها تداعبك تارة بكتاب وفقت في اختياره ليصبح أحد كتبك المفضلة، وتارة أخرى تغلبك بكتابًا يخفق توقعاتك، وهنا سوف تدرك المغزى من وجود مترجم فنان وليس مترجم فقط.

0

شاركنا رأيك حول "الجودة الفنية للأدب المُترجم: عندما تحتفظ الترجمة بروح العمل الأصلي"