رواية زوربا اليوناني
0

ربما لم يتخيل الكاتب اليوناني “Nikos Kazantzakis – نيكوس كازانتزاكيس” عند كتابته لرواية “Alexis Zorba – أليكسيس زوربا”، أن هذه الشخصية ستأخذ كل هذا الاهتمام حول العالم، إلى الدرجة التي تحول معها إلى شخصية فولكلورية مليئة بالأسرار.

الشخصية التي كتبها كازانتزاكيس ليست من وحي خياله تمامًا، فهي شخصية واقعية قابلها المؤلف، وعايشها لفترة من الزمن، وأحبّها كثيرًا، لكنهما افترقا، وبعد فترة تلقى منها رسالة تقول: “وجدت حجارة خضراء رائعة الجمال، تعال على الفور”، لكن كازنتزاكيس الذي كان في برلين وقتها، لم يذهب فجاءه الرد:

“معذرة يا سيدي، فأنت مثقف، وكان يمكنك أيها المسكين أن ترى حجرًا أخضر جميلًا لمرة في حياتك، ولكنك لم تره، وبحق الرب، كنت أجلس أحيانًا وأنا في العمل أفكر: هل هناك جحيم حقًا؟ لكن بالأمس عندما تلقيت منك خطابك وقلت: بالتأكيد، هناك جحيم لبعض المثقفين أمثالك”.

عن رواية أليكسيس زوربا

رواية أليكسيس زوربا للكاتب نيكوس كازانتزاكيس
غلاف رواية أليكسيس زوربا للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس

بدأت فكرة تدوين قصة أليكسيس زوربا في رأس كازنتزاكيس بعد انقطاع الاتصال مع زوربا، كأنه يريد أن يصنع تعويذة لطرد الموت عنه، إنه لا يريد أن يصنع كتابًا عن زوربا، بل يريد أن يقيم نصبًا تذكاريًا.

وضع نيكوس كازانتزاكيس تفاصيل شخصية زوربا وفلسفته في الحياة، على الورق عام 1946، وتلقفتها لغات العالم بالترجمة، وترجمها خالد رؤوف إلى العربية -للمرة الأولى نقلًا عن اليونانية مباشرة- عام 2013، وهي التي اعتمدنا عليها في قرائتنا هذه.

عام 1964 أنتج فيلم عن الرواية نفسها، من بطولة الممثل العالمي أنتوني كوين، ليتحول “أليكسيس زوربا”، برقصته الشهيرة، إلى ما يشبه الأسطورة.

يحكي نيكوس كازنتزاكيس قصة لقائه بزوربا، على لسان شخص مثقف، كان جالسًا في مقهى عند أحد الموانئ، في انتظار رحيله إلى جزيرة كريت، حيث يملك منجمًا للفحم.

في المقهى يلتقي الرجل بزوربا، ثم ينطلقان ويقضيان وقتهما في إدارة المنجم والتسامر حول الحياة والمرأة والدين، ويمران بالكثير من الأحداث. خلال هذا كل هذه الفترة لا ينقطع زوربا أبدًا عن ضخ فلسفته، التي يجدها المثقف برغم جنونها، ممتعة، حتى بعد أن افترقا.

أن تركض إلى ما لا نهاية

الممثل العالمي أنتوني كوين مجسدًا شخصية زوربا اليوناني في السينما

في لقائهما الأول بالمقهى، لا يأخذ زوربا وقتًا طويلًا حتى يتقدم إلى طاولة المثقف، ليسأله مباشرة: لم لا تصحبني معك؟

بهذه العفوية الطفولية، تعرف الراوي إلى ألكسيس زوربا للمرة الأولى. إنه لا يحتاج إلى الكثير من العناء ليقدم نفسه بطريقة أفضل، ولن يفوت على نفسه هذه الفرصة، إنها رحلة جديدة ولن يدعها تفلت من بين يديه.

الحياة بالنسبة لزوربا، لا تُعاش إلا في ارتحال وراء ما يسعده، لهذا لا يحمل في جعبته الطعام، بل آلة السانتوري الموسيقية. بإمكانه أن يحصل على الطعام -بعفويته المعتادة في أي وقت- لكنه بحاجة إلى السانتوري معه أينما ذهب.

زوربا يجري دائمًا وراء الدهشة الأولى، التي تعيد إلى عالمه عذريته، تميط عنه التقليدية التي تحولها إلى شيء مقيت. لا يدع الأشياء الجميلة تفقد رونقها، لهذا هو دائمًا في رحلة للبحث عن شيء جديد.

هذا النزوع للارتحال، يجعله متأهبًا دائمًا لفعل أي شيء، واختبار أي أمر جديد، لهذا فهو يجيد عمل كل شيء، وكما يصف هو نفسه ساخرًا، يستطيع القيام بكل “الأعمال اليدوية والقدمية والرأسية”.

إنه يعيش حياته راكضًا، مخلفًا خلفه كل ما من شأنه أن يعرقله، متخففًا من القيود التي يصنعها الإنسان لنفسه، مثل الوطن والأسرة والاستقرار، ساعيًا خلف دهشته، تلك هي التربة الخصبة التي تنبت فيها سعادته.

“لا تصدق الوطن الذي يحكون عنه في الكتب.. صدقني أنا، طالما هناك وطن، سيبقى الإنسان حيوانًا شرسًا.. لكن حمدًا للرّب، قد نجوت، تحررت، انتهى!”.

فلسفة الحياة أم عيشها؟

زوربا
فلسفة الحياة على طريقة الأسطورة الخالدة زوربا اليوناني

تطرح الرواية، عبر العلاقة بين الراوي المثقف وشخصية زوربا، فكرة الجدل القائم بين فلسفة الحياة، والتعمق فيها، ومحاولة فهمها من جانب، وعيشها والاستمتاع بها من جانب آخر، وما إذا كان أحدهما يؤدي إلى الآخر ويتقاطع معه أم لا؟

زوربا على النقيض من الرواي المثقف، لديه موقف من الفلسفة والثقافة أو التذاكي بشكل عام، لأنه يرى فيها إهدارًا للوقت، وإفسادًا لحياة الإنسان. إنه لا يبحث في الكتب عن إجابات الأسئلة الوجودية كما يفعل صديقه، ولا يسأل عن معنى الحياة، بل يرى أن الأجدى هو عيشها والاستمتاع بها.

أيضًا لا يعجبه الحديث عن السمو الإنساني والأحلام الاشتراكية والمساواة بين البشر، لأنه يرى في الإنسان شيطانًا يتحيّن اللحظة المناسبة للظهور، لهذا لا ينبغي أن يعطيه هذه الفرصة.

زوربا يعرف أنه لا سبيل لتحقيق الطهر الإنساني، والمثالية الأخلاقية في هذا العالم، ويدرك جيدًا أنه لا مفر من الخطأ؛ لهذا يستثمر هذا الخطأ لصالح تحقيق سعادته، يتصالح معه، ولا يدع أي شيء يسبب له اللوم. فزوربا إن كذب، سيصدّق -لأجل تحقيق سعادته- كذبته.

لأجل كل هذا، يكره زوربا الكتب من كل قلبه، لأنها تقطع الطريق على سعادته المنشودة. وقد عبر عن موقفه هذا عندما سأل صديقه المثقف سؤالًا وجوديًا لم يستطع الإجابة عنه، فقال:

“إذًا ما هي كل هذه الأكوام من الأوراق التي تقرأها؟ لماذا تقرأ؟ إذا كانت الكتب والأوراق لا تقول هذا. فماذا تقول؟ وما الفائدة منها؟”.

أن تخلق عالمًا زوربيًا

نيكوس كازانتزاكيس
الكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس مؤلف رواية زوربا اليوناني

زوربا يحاول اختصار كل الأشياء المعقدة في العالم، يجعلها بسيطة، قابلة للاستخدام، للاستفادة منها بما يحقق سعادته. زوربا لا يسعى لفهم الحياة، بقدر ما يسعى لتطويعها لصالحه.

هذا التطويع ربما يجعله يبدو كإنسان أناني، يعتبر الحياة ملكًا له، لكن زوربا الذي لا يعرف منطق لوم النفس، يعترف بهذا ويتقبل بأريحية، ولا يجده شيئًا مخزيًا ينبغي التنصل منه، بل يعلن عنه بكل وضوح.

زوربا يخلق بهذا السلوك عالمًا خاصًا به، تأخذ الأشياء فيه طابعًا جديدًا، تخضع لمعاييره وأحكامه، إنه يزيح عنها ثقل العالم، لتظهر متخففة بردائها الزوربيّ. إن كل ما يدخل في عالم زوربا ينتمي إليه، ويصير ملكه، ويستثمره لإنتاج السعادة.

“أنا لا أؤمن بشيء ولا بأحد، أنا لا أؤمن سوى بزوربا. ليس لأن زوربا هو الأفضل، أبدًا، على الإطلاق! إنه وحشٌ هو أيضًا، ولكن أؤمن بزوربا؛ لأنه هو الوحيد الذي تحت سيطرتي، هو الوحيد الذي أعرفه، كل الآخرين هم أشباح. فأنا أرى بعينيه، أسمع بأذنيه، أهضم طعامي في أحشائه. كل الآخرين أشباح، أقول لك. وعندما أموت أنا، ستموت كل الأشياء، وكل العالم الزوربيّ سيختفي”.

رغم هذا، فإن هذا العالم الزوربيّ لا يبدو محددًا وواضحًا، وليس من السهل تأطيره. وهنا بالضبط تكمن المشكلة الأساسية في الكتابة عن زوربا. فكيف تؤطر شخصًا هو يرفض كل محاولات التأطير في الدنيا؟ إنه يحلق خارج كل الحدود، وكلما وجد قيودًا جديدة تبرز أمامه، تجاوزها.

إن السياق الوحيد لشخصية زوربا هو أنه بلا سياق، فصحيح أنه يكره الفلسفة -ولم يقرأ الكتب، باستثناء كتاب واحد، ولم يجد فيه أي فائدة- لكن لديه بشكل ما فلسفة في الحياة، لكنه ليس فيلسوفًا، هو أكبر من كل هذا، إنه إنسانٌ حرٌ تمامًا.

0

شاركنا رأيك حول "أن تخلق عالمًا زوربيًا: فلسفة الحياة على طريقة الأسطورة الخالدة زوربا اليوناني"