الرغبة والخوف
0

مثل معظمِنا، كان ستيف جوبز إنسانًا معيبًا. ومع ذلك، لا يزال أحد أكثر الأشخاص إثارة للإعجاب في الأجيالِ القليلة المَاضية.

هناك قصصٌ كثيرة عن معاملته للناس بشكلٍ سيئ ولستُ بحاجةٍ إلى سردها. إنّ السؤال عما إذا كان قد تعلّم من أخطائه أم لا.. إنّه سؤال مفتوح، ومع ذلك، فإنّ الأمر الذي لا جِدال فيه هو أن لديه رُؤية يمكن أن تُلهِم الناس من جمِيع مَنَاحي الحياة بطريقةٍ لم يكن بمقدور سوى قلَّة قبله وقلة من بعده أن يتبنّاها.

عندما سُئل عمَّا كان يتطلّع إلى القيام به، قال: “نحن هنا لإحداث تأثير في الكون. وإلا فلماذا نحن موجودون هنا؟”

على الفور، ينتقلُ هذا الإطار إلى شيءٍ أعمق، شيءٌ يتردَّد صداه لدى كل شخص بطريقته الخاصة. ما نحقِّقه هو توق لشيء ما. ربما لا نعرف ما هو دائمًا، لكنّه التوق إلى شيء أفضل، الاعتقاد بأن الأشياء يمكن أن تكون بالفعل أفضَل في المستقبل.

ومع ذلك، في الوقت نفسه، من السهل القول أنك تريد إحداث تغيير. من السهل أن تشعر بشيءٍ ما عندما تقرأ أو تسمع شيئًا من هذا القبيل، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنك ستفعله بالفعل. في الأساس، تدور الحياة حول الفعل، والأفكار والعواطف والأفعال كلها تخلق حلقات ردود فعل مع بعضها البعض بطرقٍ غريبة ليست مباشرة.

الإحساس بالذات خوف من الموت

يقول عالم الأنثروبولوجيا “إرنست بيكر” بأنّ إحسَاسنا بالذّات يتمّ إنشاؤه استجابةً لخوفنا العميق والأساسي من الموت. لأنّ البشر يمكنهم تخيُّل المُستقبل بأنماط تفكيرهم، يمكنهم تخيُّل موتهم، وعلى هذا النحو، نبني إحساسًا بالذات لتحدِّي هذا المصير. نستخدم هذه الذات للتفكير، ونستخدمها للتخيل، ونستخدمها للحكم.

لكن السؤال هو: كيف يستخدم شخص مثل ستيف جوبز إحساسه بالذات، وأنماط تفكيره الشخصية، لتخيل عالم بعيد وتحويله إلى واقع، بينما يفشل مُعظمنا في القيام بذلك؟

يبدو لي أنّ المشكلة لا تكمن في التفكير أو التخيّل. كثير من الناس لديهم خيالٌ واضح. إنهم يعيشون الكثير من حياتهم وهم يضِيعون في أفكارهم، ويأملون في شيءٍ ما، ويتمنون شيئًا ما، لكنّهم لا يحصلون عليه أبدًا. للوصول إلى إجابة أوضح، علينا أن نتعمَّق أكثر في دوافعنا.

مدفوعون بالرغبة في البقاء

يقول العلم الحديث للتطور إننا مدفوعون على نطاقٍ واسع في الحياةِ بأمرين: جانِب الانتقاء الطبيعي، يعني أنّنا نكافح من أجل البقاء من خلال تجنّب ما هو ضار، من خلال التغلب على المنافسين للحصول على مجموعة من الموارد للعيشِ، من ناحيةٍ أخرى، نجد جانب الانتقاء الجنسي يعني أننا مدفوعون بالرّغبة في الحفاظ على الشفرة الجينية – نجد أصدقاء، ونربي أطفالًا، ونأمل أن ينقلوا إرثنا، ونضحِّي بالكثير لفعل كلّ شيء من هذا. لذلك، لدينا خوف كبير من الأذى، ولدينا رغبة في الحفاظ على أنفُسنا.

حاجز الخوف من الموت مداه قصير، أما الرغبة فذات مدى طويل

ومع ذلك، فإنَّ الخوف من الأذَى له حدٌّ أدنى (مثل الموت). وهكذا، فإنَّ الخوف هو حافز فوري على المدى القصير، في حين أنَّ الرغبة هي حافزٌ أقوى عبر آفاقٍ أكبر من الزمن.

في تعقيد الفِكر البشري، في عالمِ الخيال، كلا هذين المحفّزين موجُودَان. اعتمادًا على الكود الجيني الفردي، اعتمادًا على البيئة الثُّقافية التي تربينا فيها، اعتمادًا على تجربة الحياة التي تشكِّلنا، كلُّ واحد منا يملكُ بعض الخوف وبعض الرَّغبة منسوجة معًا، لخلق حياةٍ داخلية تؤثِّر على قراراتِنا وأفعالِنا في العَالم.

يمكنُنا أيضًا أن نُميّز بشكلٍ واسع بين الخوفِ والرَّغبة. الخوف بشكل عام مثبِّط. إنّ استجابة (القتال أوالهروب) تهدف إلى المبالغة في ردِّ الفعل على المواقف الخطرة. بينما الرَّغبة من ناحية أخرى، هي ما يجعلنا نريد المزيد في سباقنا الأكبر في العالم الذي نعيشُ فيه. في خيالنا، كلا الدافعين يلعبان مع بعضهما البعض. يمنعنا الخوف من اتخاذ إجراءات أو على الأقلّ اتخاذ إجراءاتٍ متماسِكة ومدروسة. الرغبة تحفِّزنا على فعل الأشياء.

حاجز الخوف ودافع الرغبة

يوفّر هذا النوع من التفكير مَزيدًا من الوُضُوح فيما يتعلّق بالسبب الذي يجعل معظم الناس لا يتّخذون قراراتهم مثلما يتّخذُها ستيف جوبز على سبيل المثال. إذا كانت أفكارهم وخيالاتُهم نشِطة، وما زالوا غير قادرين على حمل أنفسهم على فعلِ شيءٍ ما في العالم، فإنَّ المشكلة ليست في الرغبة. المشكلة هي الخوف.

حتى لو لم يكن خوفُهم وَاضحاً للناس، ولا يستطيعون تحديد أيّ مخاوف كبيرة في أذهانهم، إلا أنّه في أعماق مكانٍ ما، لديهم شيء يعيقهم لأنهم لا يعتقدون حقًا أنه يمكنهم التغلّب على التحديات التي تنتظرهم في المستقبل. وأحيانًا، حتى لو اعتقدوا أنهم قَادرُون على التغلُب عليها، فإنهم لا يعتقدون أنّهم يستحقُّون ذلك.

إذا نَظَرنا إلى الأشياء من هذه النّقطة، فسنجد ما يلي: الأفكار في الخيال تصبح أفعالًا ونتائج في العالم الحقيقي، ولكن فقط إذا كان لدينا الإصرار على مواجهةِ مخاوفنا في السعي لتحقيقها.

الإنجاز يولد من الرغبة

إنّ فعل الإنجاز في العالم يولَدُ من الرَّغبة. الرّغبة تغذّي أفكارنا وخيالنا. ومع ذلك، فإنّ مشكلة الخوف هي أن يظهَرُ في كثيرٍ من الأحيان بطرقٍ غريبة. يُظهر بعض الأشخاص بشكلٍ طبيعي مستوى أعلى من القلق مقارنةً بالآخرين، وهذا في بعضِ الأحيان يجعل الأمر أكثر وضوحًا. بينما يحمي آخرون مخاوفهم بالغضب الكامن والإحباطِ المستمرّ.

والقلَّة منهُم تختبِئ ورَاءَ راحة التَّسويف أو ما يعتقدون أنه كَسلٌ فطري. كلّ هذه الأشياء متجذّرة في نفس الشيء – إمّا نقص الإيمان بقدرتك على إنجاز شيءٍ ما أو نقصٍ في تقدير الذات.

الفجوة بين ما هو ممكن وما نتخيله

حلّ هذه المشكلات شخصي، وهي مختلفة بالنِّسبة لكلِّ واحد منا اعتمادًا على كيفية نمذجة العالم في أذهاننا، ولكنَّ جزءًا كبيرًا من الرحلة هو مجرّد وعي – بإحساسك بذاتك، وسلوكك، و فجوة بين ما تعتقِدُه وما تتخيَّله وما تريده وما تفعله فعليًا على أساسٍ يومي لإظهار هذه الأشياء في الواقع.

كان ستيف جُوبز عبقريًا بلا شكّ. لقد عمل بجدٍّ بشكلٍ لا يصدق. وكان يتمتع بالكاريزما التي تجعلُ الآخرين يفعلون نفس الشيء لتحقيقِ أهدافه. قد نكون قادِرِين على سرقة شرارة منه في رحلتنا الخاصة إلى التحسين الذّاتي، لكنه كان هو، وأنت هو أنت، لذلك ما عليك سوى أن تكون أنت بطريقتِك وألا تُحاول التمثيل أو تقليد شخصٍ آخر.

هناك الكثير من الأشياء غير المتساوية في الحياة بين الأشخاص فهي أرزاقٌ من عند الله، كلٌّ بقدر. ومع ذلك، فإنّ الجهد الذي تبذُله، والذي يغذِّيه النّوع الصحيح من التفكير، يمكن أن يخلق عوالم لم يكتسب معظم الناس الشجاعة للتصرُّف بها. وهذا التصرف ينبع من شيء واحد: إرادة الرغبة في منع الخوف.

0

شاركنا رأيك حول "ثنائية الرغبة والخوف: كيف تشكل أفكارك عن العالم؟"