بوستر لمسرحية الخراتيت
1

يقول خالد الذكر الدكتور أحمد خالد توفيق  “يرعبهم كونك مختلفًا، كونك لا تشبه تكرارهم”. هذه العبارة هي ملخص مراجعتي ورؤيتي لمسرحية الخراتيت للكاتب أوجين يونسكو ذلك المؤلف المسرحي الفرنسي الروماني. الذي كتب أعمالًا عديدة وشهيرة كالمغنية الصلعاء، قاتل بلا كراء، السائر في الهواء، الدرس، العطش والجوع، الكراسي، فنون الموت.

عوالم يونسكو ابنة لكافكا

تأثر أوجين يونسكو برائد المدرسة الكابوسية الكاتب الألماني فرانز كافكا في رائعته “المسخ أو التحول”. فإذا أطلعنا على منجز يونسكو نجده مليئًا بالتحول في أغلب أعماله إن لم تكن كلها. بداية من مسرحية “المغنية الصلعاء” حيث تحول زوجان في نهاية المسرحية لشخصين آخرين، وكذلك التحول الذي حدث في مسرحية “الدرس” حيث تلاشى التفاهم بين الأستاذ وتلميذته إلى حد قتله لها.

وفي مسرحية “الكراسي” التي جعلها تحل محل البشر في إشارة لخلو الإنسان من الروحانيات وتحوله لمادة جامدة صماء ليس فيها من الإنسانية شيء. وأيضًا “السائر في الهواء” حيث أن الطيران عند يونسكو يخلصه من طين الأرض ووحلها. فعالم يونسكو عالم سحري أشبه بالأحلام أو بمعنى أدق الكوابيس. بإمكاننا تلخيص عالم يونسكو في عبارة “المادة ضد الروح”. وهنا في مسرحيته الخراتيت التي نحن بصدد الكتابة عنها.

حوار بين صديقين يقطعه خرتيتًا

تخيل معي تستيقظ ذات صباح فتفاجأ أنك البشري الوحيد وأن البشر نما لهم قرون وأضحوا خراتيتًا. والأدهى أن يلوموك؛ لأنك لم تصبح مثلهم خرتيتًا. ماذا ستفعل؟ أن يكون التفرد بالمحافظة على كونك إنسانًا بشريًا؛ وتكون أنت بمثابة صرخة متفردة في وجه القطيع.

في مدينة صغيرة يبدأ الحوار بين الصديقين جان وبيرانجيه. يظهر جان مهندم الثياب، مرتديًا حلة كستنائية برباط عنق أحمر، وقبعة كستنائية وتصبغ وجهه مسحة من الحمرة، مرتديًا حذاءً أصفر يهتم بتلميعه جيدًا. نشيط، شغوف بعمله، مهتمًا بمظهره الخارجي، مكترثًا بقشرته الجسدية الخارجية، غير عابئ بجوهره الداخلي وروحه. أما بيرانجيه فيظهر غير حليق لذقنه، عاري الرأس، أشعث الشعر، غير مكترث بثيابه أو مظهره، مهمل، كسول، غير محب لعمله، خجول لا يستطيع التعبير عن حبه لحبيبته ديزي.

يحاور جان بيرانجيه عن كيفية رسم صورة لنفسه كشخص راقٍ في المجتمع؛ ولكي يؤخذ عنه انطباع أنه إنسان مثقف لبق مهندم الشكل، يعتقد أنه يكفي لذلك لبسه لرباط العنق وتلميعه للحذاء وحضوره عرضًا مسرحيًا كل فترة؛ ليكن متحضرًا مثقفًا.

وفجأة يباغتهم في الظهور خرتيتًا؛ لينقسما في آرائهم حوله، هل أنه فعلًا خرتيت أم لا؟ وهل بقرن واحد أم قرنين؟ هل إفريقي أم آسيوي؟ هل هارب من سيرك أم حديقة أم من شحنة ميناء حتى تظهر مدام بوف وتخبرهم أن زوجها تحول خرتيتًا فتحدث الصدمة هنا، الخراتيت أتت من تحول البشر نفسهم إلى خراتيت.

فكرة مجنونة أن تقوم بكتابة نص تتحول كل شخصياته إلى خراتيت لكن هذه المدرسة العبثية التي ينتمي لكتابتها أوجين يونسكو. وتلك طريقته في السخرية من أحوال الواقع بشكل لاذع، ورصده في صورة عبثية يسميها النقاد الكتابة اللامعقولية حيث تشير إلى عبثية الحياة وتحصف عدمية الوجود الإنساني.

صورة من مسرحية الخراتيت

تحول جان المُتحضر إلى خرتيت

نعود إلى المسرحية وأوجين الذي يقرر تحويل كافة شخصيات العمل إلى خراتيت. فتجد المدينة كلها تتحول خرتيتًا تلو خرتيت. حتى جان الشخص المتظاهر بالتفتح والتحضر يتحول ورجل المنطق يتحول لخرتيت. والسيد صاحب العمل الرافض للفكرة واللائم على مدام بوف عدم طلبها للطلاق من زوجها المتحول يتحول.. ونجد حجة جان المتحضر المثقف في التحول لخرتيت أنه لا بد أن يواكب التغيير فنجده يستنكر رفض بيرانجيه للتحول ويدافع عن حق البشر في أن يتحولوا لخراتيت لممارسة حقهم في التطور!

الحب أم الخرتتة.. أيهما يفوز؟!

ديزي “حبيبة بيرانجيه” تصمد في البداية وترفض التحول لخرتيتة حتى تخور قواها أمام تحول المدينة بأكملها حيث تشعر بالخوف والرهبة من الاختلاف فنجدها تستسلم وتتحول مثلهم.

وعندما يعترض برانجيه عارضًا عليها فكرة الزواج؛ كي ينجبا طفلًا ويؤسسا من جديد مجتمعًا إنسانيًا -في إشارة لقصة آدم وحواء- ترفض في هلع فكرة التفرد منساقة وراء القطيع. قائلة:

“قد نكون نحن الذين نحتاج لإنقاذ قد نكون الشاذين عن غيرنا”.

وتستطرد:

“البهجة بادية على وجههم ويشعرون بأنهم على ما يرام في جلودهم لا يبدو عليهم أنهم مجانين إنهم طبيعيون جدًا لقد كانوا على حق”.

تفرد بيرانجيه كآخر إنسان في المدينة

تحولت ديزي لخرتيتة هي الأخرى تاركة حبيبها بيرانجيه وحده في مشهد النهاية تحاصره كل الخراتيت من كل جانب وهو وحده المتبقي إنسانًا. تنتهي المسرحية بقول بيرانجيه:

“لن تنالوني، لن أتبعكم، أنا لا أفهمكم، سأظل كما أنا كائنًا بشريًا. الويل لمن أراد أن يحتفظ بتفرده، حسنًا ليكن ما يكون، سأدافع عن نفسي ضد العالم أجمع، سأدافع عن نفسي أنا آخر إنسان وسأظل هكذا حتى النهاية لن أستسلم”.

طبيعة الإنسان يخاف من الاختلاف وسط الناس

الإنسان كائن إجتماعي يشعر بالأمان إذا وجد الجميع يُماثله، ويخاف من الاختلاف عن الآخر بل ينظر للمختلف عنه على أنه عدوه. أجاد يونسكو تمثيل فكرة الصراع النفسي الداخلي للإنسان عند حدوث الاختلاف، ووقوعه فريسة للأسئلة هل الجميع على خطأ وأنا فقط على صواب أم العكس؟ كيف لمدينة بأكملها أن تكون خطأً وواحد فقط على صواب؟ هل بالفعل أضحى الإنسان خلال الحربين الأولي والثانية وبعدهما حيوانًا؟ هل أخرجت الحربين أسوأ ما فيه؟

تجدر الإشارة إلى اختيار يونيسكو الخرتيت تحديدًا في وصف الإنسان به؛ لأنه يقترب من الطبيعة البشرية في عدة أشياء منها الكسل والخمول، الرؤية المشوشة عند حدوث خطر، الجسد الصلد، الجلد السميك.

كواليس كتابة يونسكو للخراتيت

ذات يوم تلقى يونسكو خطابًا من صديقه الذي يعيش في ألمانيا النازية يفيد بأن الناس تتزاحم لرؤية هتلر، ووقوع عدد من الحوادث كاصطدام سيارة رجل عجوز بطفل صغير مات إثرها فورًا، وسقوط سارية علم على شرفة بها أسرة كاملة، فماتت الأم والخادمة وكلب صغير. في ذات الليلة رقص أهل المدينة وشربوا وتشاجروا حتى مات منهم أربعون شخصًا. بعدها كتب يونسكو المسرحية التي سبقتها كتابته لمذكراته التي جاء فيها نصًا “الشرطة خراتيت والقضاة خراتيت وأنت الإنسان الوحيد وسط كل هذه الخراتيت”. في إشارة لرعب يونسكو من فكرة انصياع الشعب كاملًا لهتلر واستجابتهم لأفكاره النازية كأنه نشر وباءً فكريًا في عقولهم.

1

شاركنا رأيك حول "مسرحية الخراتيت.. صرخة آخر مُتفرد في وجه القطيع"