فرط النظافة
0

“يجب عليك تعقيم ثيابك.. يجب عليك الحفاظ على نظافة المنزل.. يجب ألّا تترك الأطفال يلعبون في الخارج” والكثير من العبارات الأُخرى التي أصبحنا نسمعها بشكل يومي، بهدف الحفاظ على الصحّة. حيث يعتقد العديد من الآباء أنه يجب إبقاء أطفالهم في بيئة نظيفة قدر الإمكان، لوقايتهم من الأمراض، وقد تصل الإجراءات المتخذة من قبلهم حدّ الهوس.

فهل هم محقون؟ هل النظافة المفرطة تنقص احتمال الإصابة بالمرض أم تزيد من احتمالية إصابتهم به؟

ظهرت بعض الأبحاث في السنوات الأخيرة التي تشير إلى أن التعرض لما يسمى الظروف غير النظيفة مفيد لجهاز المناعة لدى الطفل، حيث الأطفال الذين تتم إحاطتهم ببيئات نظيفة للغاية لديهم معدل أعلى للإصابة بالأمراض المناعية والتنفسية، هذا ما تقوله فرضية النظافة “Hygiene Hypothesis”. سنتعرف في هذا المقال على هذه الفرضية وعلاقة النظافة المفرطة بالأمراض المزمنة والمناعة لدى الأطفال والعديد من النصائح التي تسهم في تحسين مستوى الصحّة لدى الأفراد.

فرضية النظافة

فرط النظافة

على الرغم من فكرة أن التعرض لعدوى معينة قد يقلل من خطر الحساسية ليست جديدة، إلا أن ستراشانStrachan” كان من أوائل من اقترحها رسمياً، في مقال نُشر في المجلة الطبية البريطانية في عام 1989 (يمكنكم الاطلاع على المقال الأصلي عبر هذا الرابط). واقترح هذا المقال شرح الملاحظة القائلة بأن حمى القش “hay fever” والأكزيما، وكلاهما من أمراض الحساسية والمناعة الذاتية، وُجدا بشكل أقل شيوعاً لدى الأطفال المنتمين لعائلات كبيرة، والذين يُفترض أنهم تعرضوا لمزيد من العوامل المعدية والجراثيم من خلال أشقائهم، مقارنة بالأطفال من العائلات التي لديها طفل واحد فقط.

كان يُعتقد سابقًا أن زيادة حدوث الحساسية تنتج عن زيادة التعرض للملوثات. تم التحقيق في الفرضية على نطاق واسع من قبل علماء المناعة وعلماء الأوبئة وأصبحت إطاراً نظرياً مهماً لدراسة الاضطرابات الالتهابية المزمنة.

ترتكز هذه النظرية أساساً على أن تعرض أجسام الأشخاص خلال مرحلة الطفولة لأنواع الجراثيم والفيروسات المختلفة من شأنه أن يولدّ مناعة قوية ضدها والتي قد تكون السبب في أمراض خطيرة مستقبلاً في حال لم يتعرض لها الجسد ويتدرّب على كيفية القضاء عليها من خلال جهازه المناعي، فعلى سبيل المثال تفترض النظرية أن الأطفال الذين ينشأون في الريف والمتعرضين للحيوانات المختلفة والطبيعة، والأطفال الذين يسكنون ضمن عائلات كبيرة، تكون احتمالية تعرضهم للجراثيم وإصابتهم بالأمراض أعلى من أطفال المدن وبالتالي يكون جهاز المناعة لديهم “ذو خبرة” في التعامل مع الميكروبات المختلفة التي سيتعرضون لها خلال حياتهم.

أما في حالة فرط النظافة فإن الجسم سينسى كيفية التعامل مع هذه الجراثيم والفيروسات، وفي حال تعرضه لها خلال الحياة ربما يقوم برد فعل مناعي عنيف ضدها دون التأكد من كونها ضارة أو نافعة الأمر الذي سيؤدي إلى ظهور الأمراض المختلفة وخاصّة أمراض المناعة الذاتية والربو وغيرها.

تفترض النظرية على سبيل المثال أنّ الأطفال الذين ينشأون في المناطق الريفية حيث يكون بإمكانهم التعرّض للطبيعة والحيوانات بشكلٍ مباشر، إضافة للأطفال الذين ينشأون في الأسر الأكبر حجمًا، تكون احتمالية إصابتهم بأمراض جهاز المناعة أقل من الأطفال الآخرين، نظرًا لزيادة تعرّض أجسادهم إلى عدة أنواع من الفيروسات أو البكتيريا لا يتعرّض لها أطفال المدن أو البيئات الحضرية الحديثة.

وبخصوص هذا الموضوع نشرت مجلة ثوراكس “Thorax” دراسة (يمكنكم الاطلاع عليها من هنا) تقول بأن الأطفال الذين ينشأون في الريف أو الذين يعيشون مع حيوانات أليفة هم أقل عرضة لأمراض الجهاز التنفسي كالربو في المراحل القادمة من حياتهم، لا سيما بعد البلوغ.

إحصائياً، ما مدى خطورة فرط النظافة على أجسامنا؟

فرط النظافة

في عام 1998، كان واحد من كل خمسة أطفال في البلدان الصناعية يعاني من أمراض الحساسية مثل الربو والتهاب الأنف التحسسي أو التهاب الجلد التأتبي. اتجهت هذه النسبة إلى الزيادة خلال السنوات العشر الماضية، وأصبح الربو ظاهرة “وبائية”. ويعد انتشار الربو المتزايد أمراً مهماً في البلدان المتقدمة (أكثر من 15% في المملكة المتحدة ونيوزيلندا وأستراليا) نظراً لإزمان هذا المرض والعلاج المكلف والمستمر للمريض مدى الحياة.

كما تضاعف انتشار التهاب الجلد التأتبي ثلاث مرات في البلدان الصناعية خلال العقود الثلاثة الماضية، مما أثر على 15-30% من الأطفال و 2-10% من البالغين. والتي أصبحت تحدث الآن في وقت مبكر من الحياة مقارنة بالماضي، لتصبح مشكلة صحية عامة خطيرة في بعض البلدان الأوروبية، حيث يتزايد عدد الحالات التي تم الإبلاغ عنها لدى الأطفال من 0-4 سنوات من العمر. كما أن معدل الإصابة بأمراض الأمعاء الالتهابية (IBD)، مثل مرض كرون أو التهاب القولون التقرحي والتهاب الكبد الصفراوي الأولي، قد ارتفع.

قد يُعزى جزء من زيادة حدوث وتشخيص هذه الأمراض إلى تطوّر القدرة الطبية وتحسين الوصول إلى المنشأت الطبية في البلدان المتقدمة اقتصادياً. ومع ذلك، هذا لا يمكن أن يفسر الزيادة الملحوظة في انتشار الاضطرابات المناعية التي حدثت خلال فترة قصيرة من الزمن في تلك البلدان، دون التفكير بنوعية الحياة الجديدة والتي فرضت التعقيم الزائد وهوس النظافة لدى المجتمع المتحضر.

هل لفرط النظافة علاقة بفيروس كورونا؟

فرط النظافة

لقد أوضحت فرضية فرط النظافة المرضي الظهور المتزايد لبعض الأمراض، ولكن هل يمكن أن تفسر هذه النظرية لماذا يكون بعض الأفراد أكثر عرضة للعواقب الوخيمة لعدوى فيروس كورونا من غيرهم؟

قد يستغرق الأمر وقتًا طويلًا ودراسات مكثّفة قبل أن يتمكن علماء الأوبئة من جمع أدلة على أن نمط الحياة الحديث يمكن أن يرتبط بالعواقب الخطيرة لفيروس كورونا. ومع ذلك، يبدو أن التعرض المكثف للعديد من الميكروبات في البيئة والغذاء والماء، كما يحدث عادة بين أولئك الذين يعيشون في ظروف اجتماعية واقتصادية سيئة، قد يجعلهم مقاومين للعواقب الخطيرة للفيروس.

توفر البيانات المنشورة في الأدب الطبي التي راجعها العلماء الحد الأدنى من الدعم لهذه الافتراضات، حيث أن المقالات الصحفية المنشورة في الهند وأماكن أخرى أشارت إلى أن الآثار القاتلة الشديدة لعدوى فيروس كورونا غير شائعة لدى الأشخاص الذين يعيشون في المجتمعات الأكثر فقراً. كما تظهر إحصائيات منظمة الصحة العالمية معدلات الوفيات التي تتراوح من 0.3% إلى 10% مع حدوث الأخيرة في بعض البلدان المتقدمة مما قد يرفع بعض التساؤلات. لكن الأمر لا يمكن حسمه الآن، ويحتاج الكثير من الدراسات لكشف وجود أو عدم وجود علاقة بين عواقب هذا الفيروس مع النمط الصحي الجديد في المجتمعات الحديثة.

فرط النظافة

إن هذه الدراسات والإحصائيات السابقة لا تعني بالتأكيد تخلّي الأشخاص عن قواعد النظافة المتبعة والحفاظ على عقامة المنازل والتلوث المحيط بها. ولكن تشير إلى ضرورة السماح لأجسامنا بتدريب نفسها على مواجهة الجراثيم والفيروسات خلال مرحلة الطفولة عبر عيش حياة متوازنة لتحقيق دعم للجهاز المناعي مثله مثل باقي الجسم. فكّر بالأمر على أنه ذهاب جهازنا المناعي إلى الصالة الرياضية ثلاث مرات بالأسبوع لتحصين نفسه ضد التهديدات المحتملة التي قد تواجهه.

حول كورونا:

قدمت الحكومة الالكترونية في المملكة العربية السعودية بالتعاون بين وزارتي الداخلية والصحة تطبيق خاص للحد من انتشار فيروس كورونا COVID-19 وهو تطبيق توكلنا Tawakkalna، حيث يمكن من خلال التطبيق أن يتمكن المواطن أو أي مقيم من إخراج تصريح تنقل أو سير أو مشي خلال فترة حظر التجول، وكذلك قدمت الحكومة الالكترونية منصة مدرستي الالكترونية للتعليم عن بُعد، حيث يمكن للأب أن يسجل أولاده في المنصة وذلك باستخدام تطبيق توكلنا.

0

شاركنا رأيك حول "فرط النظافة يجعل بيتك أنظف ومناعتك أضعف! تعرّف على فرضية النظافة والآثار السلبية للنظافة المفرطة وهوس التعقيم"