كريستي
1

قبل سويعات صدر الإعلان الدعائي لفيلم “موت فوق النيل – Death on the Nile” المقتبس عن رواية حاملة للاسم نفسه، هي واحدة من سلسلة طويلة من الأعمال الخالدة كتبتها العبقرية “Agatha Christie – أجاثا كريستي”؛ المرأة التي امتلكت مخزونًا هائلًا من الحكايات والمفاجآت ضمن لها مكانة لا تزول، وبلَّغها مبيعات لم تحصل عبر التاريخ لغيرها (2000 مليون نسخة هو عدد يصعب مضاهاته)، فضلًا عن ترجمتها لمعظم اللغات الحية، وتربعها على عرش كتابة الرواية البوليسية في قرنها وما تلاه.

إذًا سوف نغتنم هذه الفرصة -أنعِم بها- لنتحدث عن “أجاثا كريستي” العظيمة، سواء من جهة مشروعها الأدبي أو اتصالها بالسينما والمسرح اللذَين لم يتأخرا في اقتناص أعمالها المستحقة للعرض بكل صور الفن المتاحة. سنتحدث بطبيعة الحال عن الكتاب الأصل، وعن الفيلم المأخوذ عنه كذلك.

مشروع “أجاثا كريستي” والاقتباس قبل “موت فوق النيل”

العظيمة "أجاثا كريستي".
العظيمة “أجاثا كريستي” صاحبة رواية “موت فوق النيل” التي سيصدر فيلم مقتبس عنها قريبًا

لروايات “أجاثا كريستي” قدرة عجيبة على الصمود في وجه الزمن، وقابلية استثنائية لإعادة الإنتاج والتصوير لا أعرفها لأعمال فنية أخرى. وليست الأسباب منحصرة في اتساع رقعة إنتاجها وتعدد إنجازاتها التي تبلغ ذروة الإدهاش بين حين وآخر في غير ندرة، وكذا القبول الذي وضعه الله لما كتبته في نفوس القراء من جميع أنحاء العالم ومن مختلف أصحاب الأذواق والألوان والفئات العمرية، بل لعبقريتها الفذة وفرادة أفكارها وحسن تنفيذها؛ ما يجعل أفكارها التي أعيد تدويرها مرارًا (بحكم نوعها البوليسي المعتمد على النهاية) صالحة للبقاء رغم المعوقات.

لا تنس أن مسرحيتها “ثلاثة فئران عمياء” (أو “المصيدة”) تعرض في إنجلترا منذ خمسينيات القرن الماضي، فالمدهش أن يستمر هذا “التويست” النهائي في استقطاب هذا العدد كله من المشاهدين الدوريين الحريصين على إبقاء العمل حيًّا حاضرًا ومخدومًا بإخلاص.

إنْ نحن قررنا تعقب الاقتباسات السينمائية والمسرحية لأعمال “أجاثا كريستي” فقد نستغرق الدهر ولا نفرغ، سنبدأ بأواخر عشرينيات القرن الماضي وحتى ازدهار الاقتباس في الستينيات والسبعينيات حيث رأينا ما قد يكون أهم وأشهر ما أخذ عن رواياتها.

لن ننسى أن BBC قد اقتبست أعمال الآنسة “ماربل” -أشهر أبطال “أجاثا” بعد “بوارو“- في سلسلة امتدت من 1984 إلى 1992، قبل أن تقتبس ITV قصصها بين عامي 2004 و2013. شبكة ITV اقتبست قضايا “بوارو” أيضًا -بطبيعة الحال- في مسلسل امتد قرابة الخمسة وعشرين عامًا، بدأ سنة 1989 وتسلل إلى بيوت الملايين في 200 دولة أو نحو ذلك.

الفترة الأخيرة

فيلم جديد مقتبس عن رواية ملكة الأدب البوليسي.
نجوم فيلم “موت فوق النيل” الصادر قريبًا والمقتبس عن رواية ملكة الأدب البوليسي “أجاثا كريستي”

طيب، ماذا كان آخر ما رأيناه في السينما والتلفزيون مأخوذًا عن عالم السيدة البريطانية الرائعة؟ مسلسل 2018 المدعو “The ABC Murders” الذي أغضب كثيرين بتحريفه نهاية “أجاثا” الأصلية، والذي حكى قصته في ثلاث حلقات ولعب فيه “جون مالكوفيتش” دور “هيركيول بوارو”. هناك “Ordeal by Innocence” الذي صدر في العام نفسه وفعل الفعلة نفسها بأخذ الاسم والشخصيات وتبديل النهاية وبعض الأحداث، غير أنه حاز قبولًا أكبر من سابقه. وثَم “The Pale Horse” الصادر في عامنا الجاري في حلقتين، ويمكن وصفه بما وصفنا بها الآخرَين كليهما.

في 2016 رأينا “The Witness for the Prosecution” في حلقتين، وفي 2017 رأينا فيلم “Crooked House”، وكنا قد رأينا -في 2015- أفضل ما ذُكر وما لم يُذكر في رأيي، أعني مسلسل “And Then There Were None” المأخوذ عن رواية مترجمة للعربية بعناوين عدة منها “ثم لم يبق أحد”، في ترجمة “دار الأجيال” التي أرشحها بشكل عام وأراها الأكثر إتقانًا والأولى بالقراءة والإشادة، والتي ستجد عندها ترجمات الروايات التي ذكرنا أسماء اقتباساتها للتو.

الأشهر

رواية "موت فوق النيل" للكاتبة "أجاثا كريستي".
غلاف طبعة إنجليزية لرواية “موت فوق النيل” للكاتبة “أجاثا كريستي”.

غير أن أول ما يقفز إلى الذهن هو فيلم “جريمة في قطار الشرق السريعMurder on the Orient Express“، منتَج 2017 الذي تَصدره عدد من كبار النجوم وحاز شعبية كبيرة شفعت لقلة مستواه النسبية، فربما لم يحصل على تقدير النقاد لكنه جمع في الولايات المتحدة 100 مليون هي أقل قليلًا من ضعف ميزانيته، فيما بلغت إيراداته العالمية 352 مليونًا، والسبب ببساطة شديدة أن المادة الأصلية -كما قلت- أكثر من صامدة في وجه تحديات الزمن.

Murder on the Orient Express
غلاف رواية “جريمة في قطار الشرق السريع” للكاتبة “أجاثا كريستي”، طبعة “دار النجمة”.

لا ننسى أن هذه الرواية المحددة قد اقتبست للسينما سابقًا سنة 1974، فنعرف بالتالي أن كل الذين شاهدوا النسخة القديمة أولًا لم يقعوا في غرام الجديدة؛ لا الجو العام ولا شخصية “هيركيول بوارو” التي وُضعت في سياقات ومشاهد لا تلائم الشخصية الأصلية البتة، وتعارض كل ما يحفظه محبو الكاتبة وشخصيتها الأشهر.

هل يفكر منتجو “موت فوق النيل – Death on the Nile” اليوم في نجاح فيلم 2017 ويتمنون تكراره؟ هل عملوا على تحسين بعض العيوب المنتقدة من الجمهور والنقاد على حد سواء؟ وهل تصلح حبكة الفيلم الجديد كما صلحت حبكة السابق؟

لنتحدث عن رواية موت فوق النيل

غلاف رواية "موت فوق النيل" للكاتبة "أجاثا كريستي"، طبعة "دار الأجيال".
غلاف رواية “موت فوق النيل” للكاتبة “أجاثا كريستي”، طبعة “دار الأجيال”.

رواية “موت فوق النيل – Death on the Nile” صدرت للمرة الأولى سنة 1937، أما ترجمة “الأجيال” لها فصدرت سنة 2007 في 344 صفحة. هي من أنجح أعمال “أجاثا كريستي”، والأسطورة تقول إن خير وسيلة لرؤية الدهشة الصافية على وجه صاحبك هي منحه إحدى رواياتها الأقوى ومراقبة وجهه بينما يقرأ الصفحات الأخيرة. هذا ينطبق على العمل بلا شك، وقد كنا لنصفه بتوسع لولا أن الأدب البوليسي حساس سهل التكشف يجب التعامل معه بحذر التعامل مع القنابل.

لكننا سنقول إنها محبوبة بشكل واسع بين القراء، حاصلة على تقييم 4.11 على “جودريدز” (انطباعات هذه التقييمات نادرًا ما تخيب)، وتجري أحداثها في مصر كما هو واضح. ليست رواية “أجاثا” الوحيدة التي تدور في الوطن العربي ولا حتى في مصر، هناك “جريمة في بلاد الرافدين” و”لقاء في بغداد” والرواية التاريخية “في النهاية يأتي الموت“. نعرف أن الكاتبة سافرت وأنها قضت في بلادنا أوقاتًا ألهمتها أكثر من عمل واحد.

هل اقتُبست “موت فوق النيل” من قبل؟ نعم: في مسرحيات أعوام 1944 و1946 و1950، وفي فيلم مهم سنة 1978 فاز بجائزة أوسكار وحيدة. فيه لعب “بيتر أوستينوف” صاحب جائزتي الأوسكار دور المحقق الخارق “هيركيول بوارو” (هيركيول هي مقابل “هرقل” في العربية بالمناسبة)، وكتب سيناريو الفيلم “أنثوني شافر”، في حين أخرجه “جون جوليرمن”.

طبعة عام 1973 من رواية "موت فوف النيل".
طبعة عام 1973 من رواية “موت فوف النيل”.

الرواية بالطبع هي تطبيق جديد لخلطة “أجاثا كريستي” السحرية التي يعلم الله كيف لم تبلَ مع التكرار: إجازة، شخصيات متعدة منها غريب الأطوار والمثير للسخرية أو الشك أو الفضول، جريمة قتل غامضة، كثير من المشتبه بهم يبدو بعضهم أوضح من اللازم، تحقيق بوليسي وتطورات على طول القصة، والمحقق العجيب الذي يعرف دائمًا أكثر مما يفصح ويلزم دومًا طريقته المفضلة في الكشف عن كل شيء في الصفحات الأخيرة. عندما اقتُبس النص للمسرح أزاحت “أجاثا” محققها الذكي من القصة لأنه “جذب الكثير من الانتباه”.

شيء تبرع فيه كاتبتنا هو الربط بين طبائع الشخصيات وأفعال ماضيهم وبين أحداث الحاضر ومركزها الجريمة. عملية تشكيك القارئ في الشخصيات منهجية تمامًا وخالية من التصنع أو السذاجة، هي قادرة أبدًا على إشعارك بأنها أذكى منك، وأنها -كما هو جدير بالكاتب- قضت مع الشخصيات وقتًا أطول منك وتعرف عنها أكثر مما تعرف. لكن الأهم خلطها هذا بإيهامك أنها هي نفسها جاهلة بما ستؤول إليه الأحداث المتشابكة.

تبدأ القصة بوريثة تسلب صديقتها خطيبها وتفر معه، منطلقة وإياه إلى مصر لقضاء شهر العسل بعدما تزوجا. لا تسير الأمور حسب المراد فتتبعهما المرأة المهجورة من مكان إلى آخر حتى الرحلة النيلية التي ستكون محل الأحداث. والأحداث يبدأ جريانها بمقتل الوريثة. والجثة المكتشفة محاطة بجمع من الشخصيات أهم من فيهم محقق مولع بالتفاصيل والمؤامرات يحاول -أو لعله يتظاهر بأنه يحاول- التمتع بإجازة هادئة.

سوف تستمتع بمنهجية “بوارو” في تعقب خيوط الجريمة، وسوف تتابع مسرورًا “أجاثا كريستي” تحسِّن حبكتها المعتادة لعلمها بسهولة إملالها القارئ. لكن لن يكون ملل هنا، ولولا أني أخشى حرق الأحداث لسردت عليك بعضًا مما سيعين الحبكة على التحرك ويزيد القارئ ارتباكًا لذيذًا. أخرجت الروائية “هيركيول بوارو” للعالم قبل مئة سنة من الآن، ومن البديع أنه لم يزل مبهرًا ناجحًا في التكيف على تغير العالم والأدب.

لنتحدث عن الفيلم

سيصدر العمل في التاسع من أكتوبر المقبل، وسيكون هذا تابعًا لخطة فتح دور السينما نهاية أغسطس الجاري. الفيلم من بطولة “جال جادوت” التي رأيناها في سلسلة “Fast and furious” وفي دور “Wonder woman” في أكثر من فيلم من أفلام سلسلة DC. يؤدي دور بوارو “كينيث براناه” (المرشح للأوسكار خمس مرات) كما أداه في الفيلم السابق، ويخرج العمل كما أخرج السابق.

كاتب سيناريو فيلم “موت فوق النيل – Death on the Nile” هو “مايكل جرين” المرشح للأوسكار الذي سبق أن كتب لنا “Logan” وفيلم “Blade Runner” الجديد، وهو أيضًا كاتب سيناريو “جريمة في قطار الشرق السريع”. سنقابل في الفيلم الممثل الهندي “علي فضل” أو “على فازال”، كما سنلقى الممثلة المخضرمة “آنيت بنينج”، وغيرهم. نتمنى أن يكون الفيلم على قدر التوقع وأن نستمتع بمشاهدة “بوارو” العزيز يمضي إجازة أخرى في الكشف عن قاتل.

1

شاركنا رأيك حول "موت فوق النيل: عن رواية سيدة الأدب البوليسي أجاثا كريستي"