الجورنالجية في مصر
0

نستعرض في هذا المقال سيرة رواد الصحافة في مصر؛ نقلًا عن كتاب الدكتورة عواطف عبد الرحمن “حكاية الصحافة المصرية“؛ والذي يتناول الحديث عن حياة عدد من رواد الصحافة في مصر أو “الجورنالجية” بالمفهوم التاريخي، الذين قاموا بتحرير الصحف وإصدارها في وقت كانت تعمّ فيه الأمية ويسود في القهر السياسي والظلم الاجتماعي، ومن بين هؤلاء (أمين الرفاعي – محمد حسنين هيكل – عباس محمود العقاد – أحمد أمين – فكري أباظة – محمود عزمي) إلى آخر هؤلاء الكتَاب العظماء.

حكاية الصحافة المصرية

حكاية الصحافة المصرية - سيرة رواد الصحافة في مصر - الجورنالجية
غلاف كتاب حكاية الصحافة المصرية للكاتبة عواطف عبد الرحمن.

كان الظهور الأول للصحافة بالإضافة إلى عمليات التحديث التي قادها (محمد علي) في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ما أسهم في ظهور مهنة الصحفي والمحرر، والتي عدها النظام السياسي -الذي كان يحتكر إصدار الصحف آنذاك- من أرقى وأهم وظائف الدولة. وعندما خرجت عملية إصدار الصحف من يد الدولة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، اتسع المجال لعدد كبير من خيرة المتعلمين من المصريين والشاميين لإصدار العديد من الصحف وتحريرها؛ وبذلك تشكلت نواة أول مجموعة من الصحفيين المحترفين في مصر.

نرشح لك قراءة: الصحافة المصرية.. كيف بدأت وأين أصبحت؟ – تقرير

سيرة الجورنالجية من رواد الصحافة في مصر

الصحافة المصرية - الجورنالجية
الجورنالجية في مصر – سيرة رواد الصحافة (صورة تاريخية).

وفيما يلي نعرض لمحات من حكاية الصحافة في مصر وسيرة الجورنالجية من رواد الحركة الصحفية:

أولًا أمين الرافعي

قصص الجورنالجية - أمين الرافعي - حكاية الصحافة المصرية
حكاية الصحافة المصرية وقصص الجورنالجية – أمين الرافعي.

وُلد بالقاهرة في الثاني والعشرين من ديسمبر 1886، وتوفي في التاسع والعشرين من ديسمبر 1927، وتخرّج في مدرسة الحقوق الخديوية عام 1919. تعلّق الرافعي بالتراث المصري، ودافع عن الخلافة الإسلامية، وفي نفس الوقت تأثر بالحضارة الأوروبية في مجالات الثورات والحكم والصحافة. وإلى جانب الصحافة، قصر (أمين) اهتماماته على المجال السياسي؛ فانضم إلى الحزب الوطني قبل الحرب العالمية الأولى، وشارك في تنظيم الوقفات والإضرابات التي تطالب بالجلاء البريطاني عن مصر.

ظهر ميله المبكر إلى الصحافة وهو طالب في مدرسة الحقوق، وبعد تخرجه منها رفض الاشتغال بالمحاماة وواصل عمله في صحيفة اللواء المصري -صحفية الحزب الوطني- لإيمانه بدور الصحافة في الحركة الوطنية. تولى في سن صغيرة -ما قبل الثلاثين- رئاسة تحرير صحف الحزب الوطني، وأصبح الكاتب الأول للحزب الوطني.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى أصدر (الرافعي) وحرر جريدة (الأخبار)، وعبّر فيها لفترة عن الوفد قبل أن يخرج منه لاختلافه مع (سعد زغلول). ومع بدء الحياة النيابية واصل إصدار وتحرير الأخبار من موقع المعارضة لحكومة الوفد، وحرص أن تكون جريدته مستقلة عن الحزب الوطني؛ فلم تكن لسانًا رسميًا، وإن ظلت على مبادئه.

تتمثل ريادة (الرافعي) في أنه قضى كل حياته العملية منذ تخرجه في الجامعة وحتى وفاته صحفيًا. كانت تتمثل الريادة في حبه وإيثاره العمل بالصحافة، واعتبارها مهنته الوحيدة، ورفضه تركه لها حتى إلى وظائف مهمة بمرتبات كبيرة.

كان من مؤسسي صحافة المبدأ والعقيدة، وكان مذهبه في الصحافة هو أن صحافته صحافة مبدأ لا هيئات ولا أشخاص، وقد دفع ثمن تمسكه بمبادئه مرتين: الأولى عندما أغلق جريدة الشعب حتى لا ينشر فيها خبر إعلان الحماية على مصر، والثانية عندما اختلف مع (سعد زغلول) وخرج من حظيرة الصحف الوفدية يعاني من صعوبة الحالة المالية.     

فكانت مقولته الدائمة عن الصحافة: “إن مهمتي أن أقول ما أعتقد وأن أقوله في الصحافة. ما خُلقت لأغنم مالًا ولا جاهًا بل خُلقت لأدعو الناس وأرشدهم عن طريق الصحافة إلى الوطنية والفضيلة والإيمان”.

ثانيًا محمود عزمي

سيرة رواد الصحافة في مصر - حكاية الصحافة المصرية
حكاية الصحافة المصرية وقصص الجورنالجية – محمود عزمي

وُلد في القاهرة، ونشأ في أسرة متوسطة متدينة تنحدر من أصل عربي؛ فشب على التمسك بالواجبات الدينية. بدأ تأثره بالثقافة الغربية مبكرًا عندما التحق بالقسم الفرنسي بالمدرسة الثانوية بالقاهرة، ومن ثم التحاقه بمدرسة الحقوق وتخرج فيها عام 1907، ثم اختير ليكون أحد أعضاء إرسالية الجامعة إلى فرنسا، وتقرر له أن يدرس العلوم الأخلاقية والسياسية والقانونية. بدأت علاقته بالسياسة على غير إرادة منه، وذلك عندما قُبض عليه في صيف 1915 لورود اسمه في حادث إلقاء قنبلة على موكب السلطان (حسين)، وتم الإفراج عنه بأمر مباشر من رئيس الوزراء ووزير الداخلية.

في يناير 1919 اشترك مع عدد من المثقفين في تأسيس الحزب الديمقراطي بهدف المشاركة في العمل السياسي والنضال الوطني لتحقيق الاستقلال، وقد شارك الحزب في ثورة 19 وأصدر المنشورات الداعمة والمؤيدة لها.

بدأ اتصاله بالصحافة بعد عودته من فرنسا؛ حيث عمل محررًا بجريدة العلم التي كان يصدرها الحزب الوطني. أصدر جريدة أسبوعية أثناء ثورة 19 أسماها (الاستقلال) كان لها دور كبير في الثورة، ولكن أغلقتها السلطات البريطانية. وشارك في إصدار جريدة السياسة التي أصدرها حزب الأحرار الدستوريين. 

تتمثل الريادة الصحفية له في أنه عمل على إثراء الحياة الصحفية بالعمل في العديد من الصحف، مثل العلم والمحروسة والأهرام والاستقلال والسياسة واليوم ووادي النيل وروز اليوسف. وكذلك دوره في إنشاء معهد التحرير والترجمة والصحافة بجامعة القاهرة. 

بالإضافة إلى أنه كان محررًا برلمانيًا، ومن أوائل المحررين الدبلوماسيين في تاريخ الصحافة المصرية، وكان كذلك من أوائل مراسلي الصحف المصرية في الخارج.

ثالثًا محمد حسين هيكل

حكاية الصحافة المصرية
حكاية الصحافة المصرية وقصص الجورنالجية – محمد حسين هيكل

وُلد بقرية كفر غانم بمديرية الدقهلية عام 1891، حصل على الشهادة الابتدائية وأتم تعليمه الثانوي بالمدرسة الخديوية بالقاهرة، ثم التحق بمدرسة الحقوق الخديوية. أثناء دراسته الثانوية ظهرت ميوله لدراسة الأدب العربي القديم والحديث، كما تأثر بالفكر الغربي خلال وجوده في فرنسا للدراسة عندما أرسله والده لدراسة الدكتوراه. أثرت علاقة النسب والتي ربطت أسرته وأسرة (أحمد لطفي السيد) على اتصاله بالصحافة وعمله بـ (الجريدة) في بداية حياته وتوليه مهمة كتابة المقالات السياسية في سن مبكرة.

شملت حياته السياسية عضوية مجلس الشيوخ، ثم رئاسته وتوليه الوزارة أكثر من مرة كوزير للدولة ووزير للمعارف، كما تولى رئاسة حزب الأحرار الدستوريين.

أثناء دراسته بباريس أسندت إليه الجريدة مهمة تمثيلها كمراسل لها في بروكسل أثناء انعقاد المؤتمر الذي نظمه الحزب الوطني للدعاية للقضية الوطنية. وبعد انتهاء ثورة 19 وانقسام تيار الحركة الوطنية إلى فريقين انضم هو لفريق (عدلي يكن) المضاد لفريق (سعد زغلول). وعندما أسس المعتدلون حزبًا لهم اختاروا (هيكل) رئيسًا لتحرير صحيفة الحزب.

ويعود الفضل لـ (هيكل) أنه أول من أصدر جريدة(السياسة الأسبوعية) التي مثلت حين صدورها بداية الصحافة الثقافية الحرة، وكانت مدرسة الفكر المصري الحديث.

تعرض بشكل مستمر للتحقيقات والمحاكمات في قضايا تتصل بحرية الصحافة. فقد كان أول صحفي في الفترة الليبرالية يُحاكم بحكم منصبه كرئيس للتحرير في عهد الوزارة النيابية الأولى -وزارة سعد زغلول- كما كان من أوائل الصحفيين الذين طُبق عليهم ما ورد بقانون المطبوعات الذي أصدره (إسماعيل صدقي) في بداية الثلاثينات؛ حيث حوكم بتهمة إهانة رئيس الوزراء.

رابعًا فاطمة اليوسف (روز اليوسف)

سيرة رواد الصحافة في مصر - الجورنالجية
سيرة رواد الصحافة في مصر وقصص الجورنالجية – روز اليوسف

وُلدت السيدة (فاطمة اليوسف) بمدينة طرابلس بلبنان عام 1897، وماتت أمها عقب ولادتها، وهاجر أبوها، وكان تاجرًا واسع الثراء، وتركها في رعاية أسرة مسيحية عاملتها بقسوة شديدة، وغيرت اسمها من (فاطمة) إلى (روز). وفي سن صغيرة وبسبب قسوة الأسرة وافقت على مصاحبة رجل لبناني إلى البرازيل، لكنها نزلت في الإسكندرية، واستقرت في مصر بقية حياتها. وفي الإسكندرية تكفلها الأستاذ (إسكندر فرح) الذي كان يدير فرقة للتمثيل فعاشت في جو الفن والمسرح وأحبته، وبعد عملها في بعض المقطوعات الموسيقية مع الفنان (محمد عبد القدوس) تزوجته، وأشهرت إسلامها، وعادت إلى اسمها القديم (فاطمة).

بدأت اتصالها بالعمل الصحفي أثناء عملها بالمسرح، وعندما آتتها فكرة إصدار صحيفة تدافع عن الممثلين ضد هجمات الصحافة المحافظة على الفن والفنانين أصدرت جريدة (روز اليوسف). ظلت الجريدة مقتصرة على الاهتمام الفني حتى وفاة (سعد زغلول)، وانهيار الائتلاف الوطني، وإقالة حكومة (مصطفى النحاس)؛ فبدأت في تحويل المجلة إلى سياسية تهتم بالشأن العام، ووضعت على رأسها جملة (جريدة سياسية انتقادية مسرحية مصورة).

أثناء حكم (اسماعيل صدقي) اضطرت (فاطمة) لرئاسة مجلتها بنفسها لتُجنِّب محرريها الملاحقة القانونية والبوليسية، وفي سنة 1931 أغلقت المجلة وحوكمت (فاطمة اليوسف) في قضايا نشر لمعارضتها الشديدة لحكم (إسماعيل صدقي)، وتم الحكم عليها بثلاثة أشهر مع إيقاف التنفيذ.

افتتحت مطبعة خاصة بها لتطبع فيها المجلة والجريدة، كما أنشأت عددًا من الجرائد الأخرى بالإضافة لـ (روز اليوسف).

كانت من أبرز الصحفيين المناهضين للاحتلال البريطاني من خلال مساندتها للوفد؛ باعتباره قائد الحركة الوطنية لفترة طويلة، وهجومها الحاد والمستمر على سلطات الاحتلال التي جعلتها تضعها هي و(إحسان عبد القدوس) على قوائم الممنوعين من السفر. وكانت من أشد المدافعين عن حرية الرأي والصحافة، ويُذكر لها دفاعها عن (طه حسين) في معركة كتاب (في الشعر الجاهلي).

كانت السيدة (فاطمة اليوسف) تمثل مرحلة مهمة من تاريخ الصحافة وتاريخ النهضة النسائية وتاريخ المسرح في مصر.

خامسًا عباس محمود العقاد

حكاية - سيرة رواد الصحافة في مصر
سيرة رواد الصحافة في مصر وقصص الجورنالجية – عباس محمود العقاد

وُلد الأستاذ (عباس العقاد) في أسوان عام 1889 لأب يعمل أمينًا للمحفوظات، وأم تعود أصول عملها إلى أحد رجال الفرقة الكردية التي أرسلها (محمد على) إلى أسوان. أتم تعليمه الابتدائي في مدرسة أسوان الأميرية، ولم يتمكن من إكمال تعليمه بسبب والده؛ فعمل -فيما بعد- مدرسًا بمدرسة أسوان، وأثناء بناء السد العالي عمل مقاولًا للأنفار. انتقل إلى القاهرة، وأتم تعليمه هناك في مدرسة الفنون والصنائع، واستمر بها ستة أشهر، انتقل بعدها إلى العمل بالصحافة.

بدأ اتصاله بالصحافة عندما عمل بالقاهرة إلى أن احترف الصحافة، واستقال من وظيفته الحكومية وعمل محررًا في جريدة (الدستور). ثم ترك العمل بالصحافة، وعمل بديوان الأوقاف، ثم عاد إلى الصحافة محررًا لباب الآداب والعلوم في جريدة (المؤيد).

في الثلاثينات طرأت تغييرات فكرية على (العقاد)؛ حيث ترك (الوفد)، وعمل بـ (روز اليوسف اليومية)، وبعد انشقاقها عن (الوفد) تحول باتجاهاته السياسية إلى أحزاب الأقلية والعداء الشديد للوفد.

تتمثل ريادة (العقاد) في الصحف المتنوعة التي عمل بها، والكم الهائل من الكتب الذي أنتجه في فترة قصيرة؛ حيث كتب في مجالات متنوعة ومتعددة حتى أُطلق عليه (الكاتب الموسوعي).

سادسًا فكري أباظة

حكاية - سيرة رواد الصحافة في مصر
حكاية الصحافة المصرية وقصص الجورنالجية – فكري أباظة 

ولد (فكري أباظة) في المنيا عام 1898، وكان والده أحد رجال الدين الذين تخرجوا في الأزهر. التحق بمدرسة الحقوق، وكان بين الطلبة الذين فُصلوا عام 1915 لامتناعهم عن استقبال السلطان (حسين)؛ احتجاجًا على إعلان الحماية البريطانية ومهادنته للاحتلال. قُيّد اسمه في جدول المحامين بعد تخرجه، وانضم للحزب الوطني، وأصبح عضوًا في مجلس النواب عام 1926.

 بدأ حياته الصحفية بالكتابة إلى جريدة (الأهرام)؛ حيث كان عمره 21 عامًا على سبيل الهواية فحسب، كما كتب في عدة صحف أخرى كالمؤيد واللواء والهلال والمحروسة. واُنتخب نقيبًا للصحفيين سنة 1945، وكان ثالث نقيب بعد (محمود أبو الفتوح) و(عبد القادر حمزة).

 تحدث (فكري) في مقالاته عن الصحافة كسلطة رابعة تمتع بالامتيازات المخولة للسلطات الثلاث الأخرى حتى تتمكن من تنفيذ دورها في توجيه الرأي العالم ومراقبة السلطات الأخرى.

نادى بأن يكون مراسلو الصحف المصرية من المصريين وليس الأجانب؛ لتتحقق الأمانة الصحفية في نقل المعلومات والآراء. وآمن (فكري أباظة) بمسؤولية الصحافة الاجتماعية والفكرية والسياسية في توجيه وإصلاح المجتمع.

وحرص على الاهتمام بالأسرة وشؤونها؛ فطالب بتقييد الطلاق، ونادى بالقضاء على بيت الطاعة، وطالب بضرورة إصدار تشريع يمنع تعدد الزوجات إلا في الحالات الاستثنائية الفادحة ويكون تحت إشراف القضاء.

يتضح مما سبق أن تاريخ الجورنالجية من مؤسسي الصحافة في مصر حافل بالأسماء ذات الثقافة والمعرفة، وأصحاب القضايا الوطنية الحقيقية؛ الذين ساهموا في تشكيل جزء كبير من وعي المصريين، وأسسوا لمدارس في الكتابة وتقصي الحقائق والإحساس بالواجب ما زال أثرها قائمًا حتى اليوم، وكان هذا المقال مساهمة للتعريف بهم. 

 

0

شاركنا رأيك حول "حكاية الصحافة المصرية: سيرة الجورنالجية من رواد الصحافة في مصر"