0

إنَّ فكرة النهوض الحضاري وبناء الدولة هي فكرة متجذرة بالعقل الجمعي للشعوب، وهي نتيجة لمجموعة من القيم الخاصة المرتبطة بها، وتراكم لمحاولات وخبرات كثيرة. وذلك إضافة لوجود الإرادة والوعي المجتمعي المرتكز على إرث حضاري. فالإرث الحضاري والثقافي المختزن في ذاكرة المجتمعات، له دور كبير بدفع هذه المجتمعات نحو النهوض والانطلاق نحو مشروعها الحضاري.

كما أنَّ للهوية الثقافية دور أساسي ومهم في سياسة الانفتاح على الثقافات والمشاريع الحضارية الأخرى، وذلك بعيدًا عن الانغلاق والعنصرية. وبالتالي يجب علينا كمجتمعات، أن نثق بهويتنا؛ فالثقة بها هي الثقة بذاتنا وكينونتنا.

ما عناصر النهوض الحضاري؟

استقلال القرار واستتباب الأمن

يعتبر الاستقلال أساسيًّا وضروريًّا للنهوض بالاقتصاد وجلب الاستثمارات الخارجية، وتشجيع رأس الوطني على الاستثمار، وله دور كبير في التأسيس لدولة مدنية تراعي حقوق الإنسان. ولاستباب الأمن نفس التأثير فعلًا.

التعليم

يعتبر التعليم أهم الأسس التي يجب التركيز عليها في حال كان هناك قرار بامتلاك مشروع قادر على النهوض بالبلاد، وهو الذي يعمل على رفعها إلى مصاف الدول المتطورة. وبدون النهوض بالتعليم، لن يكون هناك أي مشروع حضاري.

فالتعليم هو الذي يبني الفرد ويؤسس لأجيال تكون قادرة على التغيير والتقدم والنجاح في شتى المجالات. كما أنَّ التعليم يحصّن المجتمع ضد أمراض التخلف والجهل، ويزيد من صلابته وتماسكه ضد عوامل الانهيار والتفتت.

والمقصود بالتعليم بمعناه الواسع أي التأسيس لإنسان يمتلك الوعي والمعرفة والقيم الإنسانية والأخلاقية، بكل مجالاتها؛ سواء الأدبية أو العلمية أو الاجتماعية. ونشرها بين أبناء المجتمع وتوريثها للأجيال القادمة. فالتعليم هو المحرك الأساسي في تطور أي أمة ودفعها نحو تحقيق مبتغاها الأسمى، ألا وهو النهوض الشامل.

فرض الأنظمة والقوانين واستقلال القضاء

هو عامل من عوامل النهوض الحضاري، لأن الدول التي يسود فيها القانون، ويكون القضاء فيها مستقلًا لا سلطة لأحد عليه سوى القانون، فهذه الدول هي التي تحقق نجاحًا بمحاربة الفساد والقضاء عليه. فالفساد وهو السوس الذي ينخر في جسد الأمم ويؤدي لانهيارها، فمن خلال القضاء عليه يمكن استبدال الفساد والعلاقات الاقتصادية الفاسدة بفرص اقتصادية واستثمارات كبرى.

النهوض - كيف تنهض الحضارات

وهذه الاستثمارات تجذب رؤوس الأموال وتدفع بحركة التنمية الشاملة والمستمرة، لذلك توجب على الدول التي لديها الرغبة بالنهوض أن تقوم بعملية إصلاحات واسعة للقوانين والأنظمة الحاكمة، والتأكيد على ما ذكر من استقلالية القضاء وسيادة القانون لأنه أشبه بالعصا السحرية التي تنقل المجتمعات من حال إلى حال.

إصلاح الاقتصاد

من أجل إطلاق عجلة الاقتصاد يجب سن العديد من القوانين التي تؤدي لعملية إصلاح اقتصادي شامل، ويجب أن تكون باتجاهين: اقتصادي واجتماعي. وهدف هذه الإصلاحات هو تطوير وتحديث البنى الاقتصادية والاجتماعية بشكل أساسي، بحيث يتم نقل البلاد من الاقتصادات المنهارة التي تكونت نتيجة الحروب، أو فساد الأنظمة والحكومات، أو تكون نتيجة اقتصادات ريعية غير إنتاجية؛ إلى اقتصادات إنتاجية زراعية أو صناعية أو تجارية أو حتى سياحية. وذلك من خلال اعتماد التكنولوجيا الحديثة خاصة فيما يخص الزراعة والصناعة، فالتطور لا يتناسب مع وسائل وتقنيات وعلاقات الإنتاج القديمة أو التقليدية، ولن يتحقق النهوض إلا بالمواكبة بالطبع.

بالنسبة للجانب الاجتماعي من خلال تبني إصلاحات لمشاريع تهدف لخلق عدالة اجتماعية، وتوزيع فرص العمل والمساواة فيها، وتشجيع المواهب والمبدعين ودعمهم، واعتماد فكرة الشخص المناسب في المكان المناسب، والابتعاد عن المحسوبيات والمحاصصة، والتوزيع العادل للثروات من خلال التنمية الاقتصادية الأفقية التي تشمل جميع فئات المجتمع.

الاستثمار بشكل فعال وناجح للاستفادة من الثروات الطبيعية

إضافة للحفاظ على البيئة -لأنها أصبحت من أولويات الدول المتحضرة بعد ظاهرة التلوث ودفيئة الأرض- والتوفيق بين الإنتاج الزراعي والصناعي والبيئة؛ تأتي إقامة المشاريع البيئية كتكرير المياه العادمة للمصانع أو للمدن. بجانب اعتماد وسائل إنتاج الطاقة المتجددة كالرياح والطاقة الشمسية وغيرها.

هناك العديد من الدول التي أسست لمشروع نهضوي يمكن الاقتداء بها، كالبرازيل، وكوريا الجنوبية، وألمانيا، وسنغافورة والماليزية وسنتكلم عن هاتين التجربتين المتميزتين.

التجربة السنغافورية

بعد استقلال سنغافورة عن بريطانيا، وبعد عامين فقط، وفي عام 1965، انفصلت عنها ماليزيا. وذلك بعد أن صوّت البرلمان الماليزي بطرد سنغافورة من الاتحاد، حيث  عانت من البطالة والفوضى والفقر. وتعتبر سنغافورة بلد فقير بالموارد، وعانت من العديد من المشاكل كالفوضى العمرانية والفساد الإداري، إضافة إلى أنها مجتمع غير متجانس مؤلف من الصينين والهنديين والملاويين. وبذلك النهوض بالنسبة لها كان مجرد حلم وقتها.

النهوض - رئيس سينغافورا

خلال عدة سنوات أصبحت نموذجًا لدولة الرخاء، فقد استطاعت سنغافورة حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي، أن تحقق معجزة اقتصادية. لتتحول من دولة فقيرة معدمة، إلى نموذج عالمي يمثل النهوض الاقتصادي والعالمي. فقد تمكن أول رئيس حكومة لها والأب الحقيقي للنهضة السنغافورية: لي كوان يو، من تحقيق النهضة الشاملة. حيث ركّز على أمرين مهمين لتأسيس المشروع الحضاري لسنغافورة:

  • النهوض بالتعليم وجعله الهدف الأول والركن الأساسي لمشروعه الحضاري.
  • محاربة الفساد بكل السبل وضرب الفاسدين.

سعى لي كوان يو لاجتذاب الاستثمارات ورؤوس الأموال، لتحريك عجلة الاقتصاد والتأسيس لمفهوم النهوض الشامل للبلاد. وذلك من خلال سن القوانين لحماية المستثمرين، لذلك أنشأ هيئة التنمية الاقتصادية وجعلها مؤسسة واحدة يتعامل معها المستثمرون، بعيدًا عن دوامة البيروقراطية. وفي مجال الصناعة ركّز لي كوان يو على صناعة وبناء السفن، إضافة للصناعات المعدنية والكيماويات والأدوات الكهربائية، واعتمد على الكفاءات العلمية والخريجين من الجامعات الأجنبية.

التجربة الماليزية

كانت كحال سنغافورة من فقر وتخلف وجهل، إلا أنّ سلسلة من الإصلاحات التي قامت بها العديد من القيادات المتنورة التي تملك الكفاءة، استطاعت أن تنتقل من بلد فقير إلى أحد نمور آسيا في التطور الاقتصادي.

في ستينيات القرن العشرين خطت ماليزيا أولى خطواتها لتأسيس مشروع النهوض الحضاري، من خلال سياسات إصلاحية هدفها تطوير وتحديث الدولة والمجتمع، ومن خلال التركيز على التعليم ومحاربة الفساد. كما نقلت البلد من بلد زراعي يعتمد على علاقات إنتاج قديمة، إلى بلد صناعي وتجاري يعتمد وسائل إنتاج حديثة ومتطورة.

النهوض - الحضارة

لتصبح ماليزيا في مصاف الدول المتطورة. فقد انخفض مستوى الفقر من 50% قبل حوالي أربعين عامًا إلى أقل من 5%، كما تراجعت نسبة الأميّة من 70% إلى 4%. وظهرت النهضة الماليزية بأنصع صورها خلال فترة حكم مهاتير محمد، فقد استطاع أن ينقل ماليزيا إلى مصاف الدول الكبرى، من خلال التركيز على التعليم ومحاربة الفساد واجتذاب رؤوس الأموال.

نستنتج مما سبق أن امتلاك المشروع الحضاري لأي مجتمع مهما كان متخلفًا ومنهارًا، يمكن له أن يتحقق من خلال توفر العديد من العوامل أهمها الوعي الذاتي المجتمعي، والقيادة المستنيرة الكُفء التي تعمل على قيادة قاطرة المجتمع والدولة نحو تحقيق هذا الهدف.

0

شاركنا رأيك حول "النهوض بعد الانهيار: نماذج حيّة لأمم حققت المستحيل!"