الحقول الكمومية
0

استعرضنا في هذه السلسلة أسس ميكانيك الكم والعديد من تفسيراته المختلفة، وما زال هناك العديد والعديد من التفسيرات التي وضعت له، فنحن لم نستهلك ولا بأي شكل من الأشكال قائمة التفسيرات المختلفة التي تم وضعها. ولكننا سنتوقف هنا عن سرد التفسيرات، ونتحدث في الختام عن موضوع هام لا بد من التطرق له عند الحديث عن ميكانيك الكم، ألا وهو موضوع الحقول الكمومية§، وإن كنا سنعالج هذا الموضوع باقتضاب شديد، محاولين إيصال الفكرة الرئيسية لهذه النظرية للقارئ.

اقرأ كل ما جاء في هذه السلسلة

ما هو الحقل؟

لا شك بأن العديدين منا قد سمعوا مراراً مصطلحات مثل حقل جاذبية، حقل مغناطيسي، حقل كهربائي… إلخ. فماذا نعني أصلاً بكلمة حقل؟ في الواقع، إن الحقل§، هو شيء له قيمة ما في كل نقطة من نقاط الفضاء. وقد تتغير هذه القيمة في نفس النقطة مع الزمن.

لنأخذ بعض الأمثلة الكلاسيكية على ذلك. إن درجة الحرارة هي أحد هذه الأمثلة. ففي كل نقطة من نقاط الغرفة التي تكون جالساً فيها توجد لها قيمة محددة. ويكفي لتحديد درجة الحرارة في نقطة ما إذاً معرفة عدد واحد هو قيمتها. إن درجة الحرارة هي مثال على ما يدعى بالحقول السلمية (ما يعين الحقل السلمي في كل نقطة هو عدد يعطي قيمته).

بينما سرعة الرياح على سطح الأرض تعبر عن نوع آخر من الحقول، هو الحقول الشعاعية. ففي كل نقطة من سطح الأرض توجد قيمة محددة لسرعة الرياح، ولكن لا تكفينا معرفة قيمة هذه السرعة بل علينا معرفة في أي اتجاه تهب الرياح عند هذه النقطة، لذلك نحن بحاجة من أجل التعبير عن سرعة الرياح في نقطة من سطح الأرض إلى عدد يعبر عن قيمة السرعة واتجاه يدلنا على جهة هبوب الرياح. والحقول الشعاعية بشكل عام تحتاج لتحديدها في كل نقطة إلى عدد واتجاه.

هناك أنواع أخرى من الحقول، ولكننا لا نحتاج للتطرق لها في مقال مبسط للغاية كهذا المقال.

العلاقة بين الحقول والقوى

جميعنا تقريباً نعلم، ومنذ أيام المدرسة، أنه لو أتينا بشحنتين كهربائيتين إلى جوار بعضهما، فإما أن تتجاذبا أو تتنافرا: فالشحنتان المتماثلتان (سالب وسالب أو موجب وموجب) تتنافران، في حين أن الشحنتين المختلفتين (سالب وموجب أو موجب وسالب) تتجاذبان.

لنقم الآن بالتجربة الذهنية التالية: تخيل الآن، أن الكون لا يحتوي سوى على شحنة واحدة فقط ولا شيء آخر. عندها، أينما سنضع هذه الشحنة في الفضاء، لن تتأثر بقوى.

والآن، لنفرض أننا وضعنا هذه الشحنة في نقطة سنسميها النقطة A. عندها لو افترضنا أنه سمحنا بوجود شحنة أخرى في الكون ولتكن موجودة في نقطة أخرى B، فستؤثر الشحنتان ببعضهما بقوىً. فالشحنة الموجودة في النقطة A باتت خاضعة لقوى الآن. ولو أزلنا هذه الشحنة وأتينا بشحنة أخرى ووضعناها مكانها، فستخضع هي أيضاً لقوى. وبالتالي، قبل وجود الشحنة في B، لم تكن الشحنات التي توضع في A تخضع إلى أي قوى. ولكن، بمجرد وضع شحنة في B، تغيرت خواص النقطة A من الفضاء وأصبحت الشحنات التي ستوضع بها تتأثر بقوى.

إن العبرة مما سبق، أن الشحنة الموضوعة في B قد غيرت من خواص الفضاء حولها، ونقول أنها ولدت حقلاً كهربائياً ملأ الفضاء، وهذا الحقل هو الذي يؤثر بقوىً على الشحنات الموجودة بجوار B.

قد يبدو للوهلة الأولى، أن هذا مجرد تلاعب بالكلام، وأن مفهوم الحقل الكهربائي هو مفهوم مجرد استخدمناه للتعبير عن القوى الكهربائية وليس له وجود فيزيائي حقيقي، إلا أنه لا يوجد ما هو أبعد عن الحقيقة من ذلك.

فلقد بين ماكسويل أنه لو أخذت شحنة كهربائية بالاهتزاز، عندها سيصدر عنها موجة كهرطيسية (وهي مكونة من حقلين كهربائي ومغناطيسي) تنتشر في الخلاء بسرعة الضوء. فهذا الحقل إذاً له سرعة انتشار محدودة، ولو كانت لدينا شحنة أخرى بجوار الشحنة المهتزة، ستبدأ هذه الشحنة بالاهتزاز بمجرد وصول الموجة الكهرطيسية لها.

وهنا يخطر ببالنا السؤال التالي: من أين أتت الطاقة (وكمية الحركة أيضاً لو أردنا توخي الدقة ولكن سنكتفي بالحديث عن الطاقة) للشحنة الجديدة حتى تمكنت من الاهتزاز؟ قد يقول قائل أنها أتت من الشحنة الأولى. ولكن علينا الانتباه، إلى أنه حتى ولو كانت الشحنة الأولى أصدرت هذه الطاقة، إلا أن هذه الطاقة استغرقت زمناً حتى تصل للشحنة الثانية، فأين كانت هذه الطاقة في الفترة ما بين الإرسال والوصول؟ هنا نصل لاستنتاج لا مفر منه وهو أنها كانت محمولة على الموجة الكهرطيسية، ولذلك وصلت معها. وبما أن الموجة الكهرطيسية ستحمل الطاقة، فهي لها وجود فيزيائي حقيقي. وبما أن هذه الموجة مكونة من الحقلين الكهربائي والمغناطيسي، فهذا يعني أن هذان الحقلان لهما وجود فيزيائي حقيقي وليسا مجرد تجريدات رياضياتية!

ما هو دور نظرية الحقول الكمومية في ذلك؟

بما أن الحقول هي كائنات فيزيائية حقيقية، فلا بد أن يكون لها وصف وفق ميكانيك الكم. وهذا الوصف هو ما ندعوه بنظرية الحقول الكمومية.

ولأن هذا الموضوع يحتاج لإفراد سلسلة مقالات لوحده (وهو أمر قد نفعله في المستقبل)، فلن نذكر هنا سوى نتائج معالجة الحقول الكمومية: لقد تبين أن كل شيء في الكون هو عبارة عن حقول كمومية لا غير، وأن جميع الجسيمات التي نراها في الطبيعة (إلكترونات، فوتونات، نيوترينوات… إلخ) ليست سوى مظاهر لحقول كمومية مختلفة تظهر في حالات خاصة. بمعنى، أن الحقول الكمومية قد تبدو أنها مكونة من جسيمات في بعض الظروف، إلا أن مفهوم الجسيمات بحد ذاته يتبين أنه مفهوم تقريبي في الحقيقة. وما هو حقيقي بالفعل، هو الحقول الكمومية فقط، والتي ليس المظهر الجسيمي لها سوى أحد المظاهر الخاصة!

0

شاركنا رأيك حول "أخيرًا وليس آخرًا: حقول كمومية وأشياء أخرى"