على الضفة الموحشة
0

محقق خوارقي يحقق في قضايا عجائبية متعلقة بالغابة الموحشة والتي تسكن فيها جميع المخلوقات الخيالية. هذه القضايا هي الآتية.

  • تواجه منال ابنة الأسرة الفقيرة رجلًا غريبًا يقتحم حياتها بصفته محامي أسرتها الغنية، ولكي ترث ثروة عائلتها الأصلية هناك متطلبات طائفية يجب الإلتزام بها.
  • يعمل كائن خوارقي على الإيقاع بكائن بشري لمعاقبته على جريمته البشعة حيث يتقابل يوسف مع أشباح غير تقليدية في بيت مسكون لتتغير حياته إلى الأبد.
  • عداء محترف يمارس الركض يوميًا كهواية، وذات يوم أثناء ركضه يكتشف أن شيئًا ما يركض خلفه.
  • عائلة لديها القدرة على رؤية الأشباح تنتقل إلى منزل مسكون بها.
  • رحلة للبحث عن طفلة مفقودة، يذهب حظها إلى الوقوع في ملجأ أيتام أسوأ من سجون المعتقلات.
  • حوار طويل بين شخصية تاريخية وشخصية خوارقية في ظلال الحرب العالمية الثانية، وسلسلة من الاقتتالات الدموية جراء عملية إرهابية.
  • نزعات إجرامية تصيب كل من يرتدي الزي الأحمر لـ سانتا كلوز/ بابا نويل في عيد الميلاد (الكريسماس) لتدفعه إلى ارتكاب فعال جنونية.

هؤلاء أتقنوا أدوار الرعب في الأفلام المصرية

الاقتباس الأدبي

سلسلة على الضفة الموحشة مقتبسة بشكل ما من سلسلة كائنات أسطورية Mythago Wood للكاتب روبرت هولدستوك Robert Holdstock. وهي سلسلة روايات فانتازية تحكي عن غابة بدائية في الجنوب الإنجليزي، يسكنها الـ ميثوجو Mythagos، Mythogos. وهم قوم من الأبطال الأسطوريين القادمين من لا شعورنا المتوارث (الوعي الجمعي) مثل الملك آرثر وروبن هود وكوخولين Cuchulainn وهيرن الصياد Herne the Hunter.

وتتكون السلسلة من سبعة كتب ما بين قصص قصيرة وروايات، وهي:

  1. ميثوجو وود Mythago Wood 1984.
  2. لافونديس Lavondyss 1988.
  3. غابة العظام The Bone Forest 1991.
  4. التجويف The Hollowing 1993.
  5. ميرلين وود Merlins Wood 1994.
  6. بوابة العاج – بوابة القرن Gate of Ivory، Gate of Horn 1997.
  7. أفيليون Avilion 2009.

أما عن نقاط الاقتباس فأولا هناك الغابة الموحشة التي تقطنها مخلوقات خيالية آتية من ذاكرتنا الرعبية مثل البعبع والأشباح وبابا نويل.

وثانيا بطل السلسلة أريحا ولعنته التي تجعله يظهر للعيان بصورة مختلفة من شخص لآخر اعتمادًا على مخيلة الشخص الناظر إليه، وهي مقتبسة من التصورات المختلفة التي تتشكل عليها مخلوقات الميثوجو تبعًا للتغيرات التي تطرأ على أشكالها في المخيلة البشرية على مر التاريخ.

اقتباس آخر يظهر في الكتاب الرابع (ساعدني كي أقتل مجددًا) حيث يتحدث أريحا -ص126- محاورًا إحدى الشخصيات وموضحًا له طبيعة الأشباح التي يواجهوها:

ياللنجابة!أجل، ذلك ما كنت أحاول قوله، الأشباح هنا- إذا ما أسميناها أشباحًا- فريدة من نوعها جدًا، فهي تلج النفسيات بسلاسة وعلى طريقة الطفيليات، لكنها لن تتمكن من صنع ذلك إن لم يكن البشري الحي على قدر من المخيلة، ويمتلك تقبلًا معينا لمثل هذه الظواهر، كنت أحسب والدتك متحجرة الفكر والمخيلة.

والاقتباس متمثل في فكرة الأشباح التي لا تظهر إلا لمن يؤمنون بها، والمأخوذة عن فكرة السحر الذي لا يؤثر إلا على من يؤمن به في فيلم المفتاح العظمي The Skeleton Key 2005.

الاقتباس الثالث كامن في تأثر الكاتب بشخصية رفعت اسماعيل بطل سلسلة ما وراء الطبيعة في تكوين شخصية أريحا بطل سلسلة على الضفة الموحشة.

تكوين الحبكة

يعتمد الكاتب في حبك قصته على الفكرة الغريبة التي يراد منها أن تشكل نهاية صادمة، النهايات الصادمة هي إحدى غايات الكاتب في سرد قصصه. فإذا أتت جيدة كانت الحبكة كذلك وإذا خابت النهاية خابت القصة معها. هذه الخيبة طالت بعض القصص بالفعل بشكل لم يفسدها تمامًا ولكن أثر عليها سلبًا بالطبع. وفي المقابل هناك قصتان على الأقل تمتعتا بنهايات قوية.

  • في الكتاب الأول يعتمد على الدخول غير المنتظر لشخصية أريحا في الأحداث.
  • في الكتاب الثاني يعتمد على النهاية اللولبية الشبيهة بالمتاهة أو الدائرة المغلقة.
  • في الكتاب الثالث يعتمد على نهاية الركض الذي يحمل سرّ ما يركض خلفه.
  • في الكتاب الرابع يعتمد على نهاية الصراع بين شبحين وكشف الغموض حولهما.
  • في الكتاب الخامس يعتمد على حل الأحجية التي تركتها الفتاة خلفها لكي تدل على مخبئها.

“حضن ميت، كان يمنحني الأحلام، هرعت لأرتمي فيه فمنحني الكوابيس، فلم أجد مهربًا سوى التشبث بظهره كلما ظهرت الوحوش، رغم انتظاري مقدم أحدهم كل ليلة! أكره أولئك الوحوش، وأحب ذلك الوحش!”

ابنتي الصغيرة الغريبة- ص 64.

  • في الكتاب السادس ربما يعتمد على نهاية التحقيق في قضية الطفلة اليهودية آن فرانك.
  • في الكتاب السابع يعتمد على طبيعة اللقاء الخيالي بين بوجي مان وسانتا كلوز.

وهو اللقاء الذي تحول إليه مع سرد للشخصيات الخيالية المرتبطة بعيد الكريسماس، كأنه ينقل من الكتيب أو دليل ما، وكان أجدر بالكاتب أن يلتزم بالحبكة الغريبة التي بدأ بها قصته، والتي نطق بها على لسان إحدى شخصياته:

“هنالك حمى حقيقية بخصوص بابا نويل المزعوم، كما لو كان فيروس عيد الميلاد، يصيب كل من يرتدي الأحمر ويضع اللحية البيضاء!”

الكتاب السابع- ص29.

ثغرات في الحبكة

المظلة تحت المقعد

المظلة تحت المقعد أو السكينة تحت السجادة خطأ قاتل معروف في مختلف الفنون السردية من أدب وسينما ومسرح تحت مسميات عديدة، ولعل خير الحديث عن هذا المفهوم باسترجاع تعبير ليزا توتلي لما قالت:

“سواء كنت تكتب عن العلم أو السحر، فلابد أن تكون هناك قواعد، وواجبك أن تتواصل مع هذه القواعد والقارئ، فإذا كان هناك بساط الريح، أو أي وسيلة للانتقال في عالمك المبدع، فيجب أن تشير إليها بشكل جيد، قبل أن يخرج البطل، واحدة منها من حقيبته ليهرب.”

هذا بالضبط ما حدث في الكتاب الرابع حين تم الكشف قبيل النهاية عن أن لعاب أريحا يفعل مع الأشباح ذات ما يصنع الثوم مع مصاصي الدماء والفضة مع المستذئبين. أي أنه يقضي عليهم. هذا يصنف إما بلاهة من الكاتب، وإما استخفاف بعقول القراء. حيث لم يعرف كيف ينهي روايته وخلق حلًا مدخلًا خياراته ككاتب على عالم متخيل ومخرجًا القارئ من أجواء العمل.

التفسير الإجمالي

وهو ما سنتناوله بالتفصيل في قسم الإسلوب.

القناعات الشخصية

فمثلا لا يوجد سبب أو منطق يجعل الفتاة في الكتاب الرابع تضع السم لأمها، وهي ثغرات موجودة في بعض الشخصيات الأخرى.

نهاية القصة

من الأمور المثيرة في القصة، أن بطلها تنتظره نهاية أسوأ من أقسى تخيلاتنا، وهي نهاية مقتبسة من رائعة أوسكار وايلد صورة دوريان جراي، حيث تنتقل جميع لقبائح في قصة أوسكار من خطايا وآلام وأحزان ومخاوف وجروح وحتى الموت إلى صورته المرسومة التي صارت وحشًا بشعًا قبيحًا. وفي قصة رداد تنتقل جميع إصابات وميتات البطل إلى يوم ما يحصل عليها كلها مرة واحدة!

“أنت تعلم بأن مسألة الطلقات والطعنات والسقطات لها يومها، ولكن اليوم، لازلت هنا .. عالقًا مع أحمق عديم النفع مثلك”.

الكتاب السادس- ص156.

“كلانا يعلم تماما ما سيحل بك إن وثبت، إصابة مؤجلة وموت مؤجل!”

الكتاب السابع- ص77. ويتم ذكر الأمر ثانية في حوار آخر بصفحة 112.

الإيقاع

على الضفة الموحشة

تعميق الرعب

يستخدم الكاتب أساليب مختلفة وفريدة، ربما بعضها غير مطروق قبلا، ليروي بها أحداث كل رواية والتي تستقل بقصتها عن باقي روايات السلسلة سواء كانت قبلها أو بعدها بالرغم من اتصال الروايات في حلقات متسلسلة. ولتبث نوعًا من الإثارة المتراوحة بين الرعب والتشويق. وفي الآتي نعرض بعض هذه الطرق والأساليب.

في الطائفة المكتنزة يعنى الكاتب بأهمية المكان ودلالاته وتوظيفه في السرد الروائي ليعكس به مشاعر شخصية منال وليوضح به السطوة النفسية للمكان. وتمتد أهمية المكان إلى أكثر من ذلك ومشكور جهد الكاتب أن أستخدمه في تعميق الرعب في روايته. والطريقة التي فعل بها ذلك هي تداعي الأفكار واسترجاع الذكريات في عقل بطلة الرواية لرؤيتها نماذج مكانية فريدة من نوعها في التصميم المعماري والبقعة المكانية والأجواء النفسية. تلك الأماكن هي:

  1. فيلا الطائفة المكتنزة المبنية على الطراز الرومانسكي (ص24) والتي استرجعت في ذاكرة منال صورًا لقلعة شاتو ميراندا Chateau Miranda، والمزعوم حولها بسكون الأشباح فيها.
  2. الغابة المجاورة للفيلا والتي استرجعت لعقلها صورا لمكانين (ص52، 53)؛ الأول هو جسر أوفرتون Overtoun Bridge في أسكتلندا، والثاني هو غابة أوكيغاهارا Aokigahara في اليابان. والاثنان تجول فيهما أشباح الموت فعليًا.
  3. دار السينما في الغابة (ص128) واسترجاع صورة لـ فندق ديل سالتو Del Salto في كولومبيا. وكنت أتمنى أن تتكون قائمة العروض في الدار من أفلام رعب لتتلائم مع الجو المقبط وفندق الأشباح.
  4. مدفأة قرميد في الفيلا (ص30) واسترجاع لوحات الرسام الإيطالي جايتانو تشيريسي Gaetano Chierici. والناظر إلى لوحاته يجد أن للمكان سطوة في رسومات هذا الفنان.
  5. الباب السري في جدار المدفأة (ص92)، وكانت هذه هي أضعف الاسترجاعات البصرية حيث أطلت علينا ذاكرة منال بأمثلة غير محددة من مشاهدات سينمائية وكارتونية. وكان يمكن للكاتب بقليل من البحث أن يذكر الأبواب السرية المعروفة بـ ثقب الكاهب في العصور الوسطى بإنجلترا. أو يذكر الأبواب السرية داخل قصر وينشستر الغامض Winchester Mystery House في كاليفورنيا. أو حتى يذكر أفلام سينمائية محددة بعينها.

ولهذه الاسترجاعات فائدتان؛ الأولى هي تعميق الرعب من خلال التوغل في الاسترجاعات البصرية من ذاكرة بطلة الرواية التي كان من الممكن مزجها بنماذج بصرية من المخيلة لعكس مشاعر الخوف غير الظاهرة في تصرفات منال. كما أن لها دورًا في نقل الأجواء المخيفة للأماكن المذكورة إلى القارئ بصورة أكثر رقيًا وأقل مللًا.

والفائدة الثانية هي تسليط الضوء على عدد من الأماكن المخيفة باستخدام تقنية التفسير الإجمالي التي سنتطرق إليها في موضعها أثناء تحليل الأسلوب.

كل هذه الاسترجاعات البصرية لم تكن مقحمة لأن البطلة مصورة فوتوغرافية وتتمتع بحس عالٍ من السخرية وقدر من الجرأة. وهذه الصور الفوتوغرافية أو السينمائية (الأخيرة لم توجد) بالتمازج مع طباع البطلة هي التي شكلت الأسلوب الأول الذي استخدمه الكاتب بين عدة أساليب في كل كتاب.

الأسلوب الثاني المسخدم، بل والأكثر استخدامًا في كل كتاب، حيث يسرف الكاتب فيه بطريقة ربما تكون مملة ولكن ليست بلا قيمة. ذلك الأسلوب هو التفسير الإجمالي وهو يختلف بشكل أكثر انحدارًا ومللًا عن أسلوب الاسترجاعات البصرية مع الصور والمصورة. وسنتحدث عنه بمزيد من التفصيل في تحليلنا للأسلوب.

أسلوب السرد الثالث والمستخدم في الكتاب الثاني هو الحلقة السردية، وهذه التقنية في السرد يكاد لا يكون لها قوانين تحدد كيفية استخدامها من قبل الكتاب في أعمالهم الأدبية. حيث يفسر بأن تشعر الشخصية داخل الرواية وخارجها بالتيه. أي الشخصية الروائية والقارئ الذي يقرأ الرواية، حتى مع عدم وجود متاهات من أي نوع، والذي تم تبديلها في الرواية بحلقة مغلقة، حلقة مغلقة مكانيا حول الشخصية، وسرديا في فقرات النص التي تتكرر حتى ليحسبها القارئ أسلوب متصنع من الكاتب بلا معنى، وقبل أن يستقر على قوله هذا يتضح له المعنى الذي يظهر مخيفًا للقارئ وللشخصية. وهذا مدى لا يمكن الوصول بسهولة له في أدب الرعب. أنا حسبت نفسي أعيد قراءة الصفحات دون أن أعي ذلك، أو هناك خطأ مطبعي من الناشر، أو عطب سردي في عقل الكاتب.

في الكتاب الثالث لا يبرز لي أي أسلوب آخر عدا التنويع المتميز على تيمة (الوحش/ الغريب الذي يقتحم حياتنا) المتكررة في السلسلة بعد الكتاب الأول. هذا شاب يركض يوميًا، وذات يوم يكتشف أن شيئًا يركض خلفه، ولا يعرف سببًا لذلك ثم يتضح أن خلف الأمر سرًا.

ولكن التفسير الإجمالي يبرز هنا. الإسراف في المعلومات المتعلقة بالركض يشير إلى الاختلال الجنسي الذي ربما يكون متوارثًا في العائلة، والمتمثل في هوس إشعال الحرائق لدى قريبه، والركض لدى بطل الرواية.

التقنية الرابعة التي استعملها الكاتب في ترسيخ أفكاره المرعبة في ذهن القارئ هي النوافذ الحكواتية التي سنتطرق إليها في قسم الإسلوب.

وقوع الرعب

بين أحداث الرواية تبرز بضعة نمطيات رعبية في المشهدية الروائية؛ اليد المخلبية، الموت الذي يتبعه الاختفاء، اللون الأزرق، الوحوش الأفعوانية، العيون الحمراء. ولكنها لا تأتي وحيدة حيث ترافقها مجموعة من المشاهد التي برع الكاتب في تصميمها من مخيلة أصيلة، من ذلك:

  1. توصيفاته عن الأجساد البدينة والبطون السمينة في الكتاب الأول والثالث.
  2. الصور المختلفة التي يظهر بها أريحا طبقا للتصورات المختلفة للناظرين إليه.
  3. وصف مختلف لنمطية العيون الحمراء مثل الجمر.

في تلك الأخيرة ارتأيت أن أعرض النص الذي عرض هذا المشهد، في الصفحة 53 من الكتاب الثالث، وهو ذاته النص الموجود على ظهر الغلاف:

“سحنة الغريب تبدت مبهمة، ولم يستوعب (عاهد) ما لمحه في مقلتيه حين انزلقت نظارته الشمسية قليلًا على أنفه، فلو خمن أو شبه، لقال بأن مقلتي الغريب أقرب لجمرتين لاهبتين.”

في هذا المشهد لا يعرض الكاتب الرعب مرة بصورة مباشرة بل يعطي مساحة للشك داخل عقل الشخصية التي واجهت هذه اللمحة الخوارقية، وهو ما يعكس حالة الشخص العادي إذا ما صادف في يومه شيء خوارقي، فلو رأى أشباحًا سيحسب الأمر أوهاما. وهذا يجعل من الرعب أقوى وأكثر تأثيرًا، يزحف ببطء إلى بدنك ويذكرك أنك لست بعيدًا عن أن تقابل شيء مماثل.

أما عن تيار الإيقاع فيقول ستيفن كينج أن الرعب يجب أن يبدأ بعد الصفحة الثلاثين، في أغلب روايات السلسلة الرعب لا يبدأ تقريبًا إلا عند الصفحة المائة والرواية أصلًا لا تزيد عن 15 ألف كلمة، أي لا تصل إلى مائتي صفحة، أي أن الإيقاع لا يبدأ بالتصاعد إلا بعد أكثر من نصف الرواية، أعني هنا الرواية الواحدة من السلسلة. وبعض القصص كانت تليق بأن توضع في رواية طويلة بدلًا من خيار الرواية القصيرة الذي تم اتخاذه لعدة عوامل أبرزها غالبًا راجع لأسباب تجارية. كما أن هناك تراجع في مستوى الإيقاع والرواية من العدد الخامس إلى السابع. هناك حشو وتطويل متعمد في كل كتاب، الكثير من الثرثرة عن الطفولة المقتولة، الكذبة اليهودية، والانتقال إلى بيت آخر، والركض، وشخصيات الكريسماس. الأخيرة استمتعت بها، وكذلك استمتعت بالثرثرة عن الأفلام. إلا أن أغلب الحديث أتى بأسلوب غير جميل.

ولكن يجب أن نشيد بجهد الكاتب في إخراج رواية جديدة كل شهر مما يثري الرصيد الأدبي بالعالم العربي في نوعية الرعب بقلم كاتب له ثقله مثل وائل رداد. كما نحتفي ببراعة الكاتب في صياغة قفزة إيقاعية تصعد بالقارئ من مستوى إلى مستوى آخر. هذه القفزة كانت بالكتاب الرابع حين أدركت الفتاة أنها في حضرة شبح، مما يذكرنا بقفزة أخرى برواية الزيبق لنفس الكاتب في حكاية نجم وقمر.

الخطاب

الرمزية

حمل الكتاب الأول ذكر للثنائي الأسطوري المتمثل في آرتميس Artemis/ ديانا Diana إلهة الصيد في الميثولوجيا الإغريقية والرومانية. وباخوس Bacchus/ ديونيسوس Dionysus إله الخمر في الميثولوجيا الإغريقية والرومانية. وهم ثنائي غريب وعجيب ومخيف قلما أتى لهما حضور في الأدبيات الرعبية بالرغم من سماتهما المخيفة. وحتى في هذه الرواية لم يكن حضورهما كبيرا عدا الرمزية اللافتة في كون بطل السلسلة أريحا يجسد باخوس إله الخمر المتمثلة خمره حاليًا في السينما، وأريحا عاشق السينما بصورة برزت في الكتاب الأول وتأكدت في الأعداد اللاحقة. أما ديانا فتجسدها الطائفة المكتنزة مما يعني أن الكاتب ينتصر لباخوس على ديانا، وينقذ منال من مصيرها الأسود.

رمزية أخرى ربما لا تقل أهمية عن سابقتها، وهي أن الكاتب عد آن فرانك ضمن الشخصيات الخيالية في الضفة الموحشة ليعبر عن تكذيبه لادعاء اليهود أنهم أصحاب أكبر مأساة في التاريخ، وأن أحداث إبادة اليهود المسماة (الهولوكوست) مدخل عليها الكثير من التزييف. وقد طرح هذه الجدلية في النقاش الدائر بالكتاب السادس.

الشيئية

على غرار سلسلة ما وراء الطبيعة يستحضر الكاتب في سلسلة على الضفة الموحشة الوحوش والمخلوقات المرعبة في المخيلة البشرية، مثل:

  1. البعبع.
  2. الآلهة الإغريقية.
  3. الأشباح.
  4. الكيانات المجهولة.
  5. سانتا كلوز.
  6. كرامبوس Krampus.
  7. بيلسنيكيل Belsnickel.

السينمائية

في العمل احتفاء واضح بالسينما من خلال بطل السلسلة أريحا الذي يستحضر الأفلام ويدخلها في سياق أي نقاش يكون طرفًا فيه. بالإضافة إلى ما ذكرناه عن ذلك بالأعلى.

الطبقية

وأقصد هنا طبقات النص حين يحمل أكثر من مستوى مما يزيد العمل عمقًا، وقد حاول الكاتب إدخال نص آخر ضمن النص المحكي بواسطة استخدام تقنية القصة داخل القصة، فنجده أشار في أكثر من موضع – انظر مثلا ص128 من الكتاب الرابع- إلى كتابه الغابة الموحشة.

الطفولة

سلط العمل الضوء على عدد من القضايا الاجتماعية والجنائية المتعلقة بشكل مباشر بالأطفال، وهي في الأعداد على التوالي:

  1. اليتم.
  2. الصداقة.
  3. تأثير الأمراض النفسية في العائلة.
  4. الانتقال من المنزل.
  5. الهروب من المنزل.
  6. الحرب والطفولة.
  7. التنمر

وهي قضايا سنتناولها والمزيد بشكلٍ أكثر عمقا في الأعداد اللاحقة.

الشخصيات

أريحا

هو مزج رائع بين البعبع والصديق الخيالي، وقد أشار الكاتب إلى ذلك في أكثر من موضع.

  1. وسائل التنقل: يملك أريحا القدرة على الانتقال إلى أي مكان بواسطة ثلاثة فضاءات، هي داخل الخزانة وأسفل السرير وشاشة السينما، وهي أكثر ثلاثة أماكن يتواجد فيها البعبع بمخيلة الأطفال.
  2. أسماء الفصول.
  3. لسان الشخصيات: وكان ذلك تلميحا أتى على لسان بعض الشخصيات مثل الطفل في الكتاب الرابع.
  4. التصريح بهويته: وفي الأعداد التالية تم التصريح بأن أريحا هو البعبع والإشارة إلى تاريخ غامض لطبيعة حياته على الضفة الموحشة وكيفية عيشه وما الذي أتى به هنا أيام كان بشرًا.

بالإضافة إلى كونه يمثل البعبع هو محقق خوارقي يتولى عدة قضايا مخيفة متعلقة بالأطفال، وتكوين الشخصية في مغامراتها البوليسية يعكس شخصية وعقلية الكاتب مع حب للثرثرة في الثقافات والماورائيات مأخوذ عن شخصية رفعت إسماعيل من سلسلة ما وراء الطبيعة.

الأطفال

وهم الأبطال الرئيسيون في القصص الخاصة بهم بكل عدد، والذين سنتناولهم تفصيلا في مراجعة الأعداد اللاحقة من السلسلة.

الوحوش

سنتناولهم أيضًا في مراجعة الأعداد اللاحقة.

الأسلوب

الوصف

ساد في الأدب العربي الحديث أسلوب السهل المستسهل أو السهل المستنسخ الذي لاصق الرواية العربية في ردائها الجديد الفانتازي. ولا أقول أن أسلوب وائل رداد بشكل عام واقع في هذا الفخ المميت، ولكن طالته بعض الاتباعات الأسلوبية والتعبيرات النمطية خاصة في هذه السلسلة التي جعلت قلمه يتساوى مع أقلام مريدي “الأدب العفاريتي” الهابط كما يصفهم هو في كتاباته ساخرًا. وفي الملاحظات الآتية نورد بعض هذه الأخطاء:

التعبيرات المقولبة

(شيئٌ من هذا بث فيها شيئًا من كذا)

الشيئية في وصف المشاعر والمستخدمة في أوضح صورها بالصفحة 14 من الكتاب الأول لوصف مشاعر بطلة القصة منال تجاه المحامي الغامض باستخدام منظور الراوي المصاحب للشخصيات في قول أن شيئًا من هذا بث في الشخصية شيئًا من كذا. الرؤية المصاحبة تكون من خلف، أي أن الراوي لا يكون لديه علم بالأحداث إلا بقدر ما تعرفه الشخصيات المروى عنها، ويتابع تأثيرات الأحداث عليها. ولكن غياب المعرفة عن المجريات من المفترض أن يعمق قدرة الرواي على نقل مشاعر الشخصيات الواقعة في هذه الأحداث إلى القارئ.

ذات الخطأ يتكرر في مواضع أخرى بالسلسلة حين يصف الراوي للقارئ أن الشخصية شعرت بالتوتر أو بالارتباك أو بالضيق أو بالخوف أو بالقلق أو بالتوجس لتأثير ما آتي من مصدر معين. دون أن يوضح ماهية أو طبيعة تلك التأثيرات الرعبية سواء كانت نفسية أو خوارقية أو غيره. فالكاتب في الرعب لا يحكي عن أن الفتى خاف من نظرته دون أن يوضح نوعية التأثير الكامن في هذه النظرة. وحتى في الكوميديا لا يحكي الكاتب أن الفتى ضحك من مظهره دون أن يوضح النكتة في هذا المظهر. هذا غير أن استخدام الفعل الماضي أو المضارع في كلمة مفردة لإيصال المعنى لا يكون دومًا فعالا، ويحتاج إلى المزيد من الكلمات لتعميق المعنى في التعبير عن مشاعر الشخصيات.

(اللهم إلا)

واستخدمت هذا التعبير لأمثل به جميع التعبيرات التكرارية الأكثر شيوعًا في السلسلة، وربما أيضًا الأكثر تكرارًا فيها. مما يدل على الفقر اللغوي والبلاغي لدى الكاتب في استخدام ذات العبارات من قبيل (اللهم إلا، اللهم عدا، اللهم سوى، اللهم … ) وتوصيفات (اللعين، لعنة الله عليه) و(…….) و(غريب بحق، مخيف بحق، وأي توصيف آخر بحق) و(أيضًا العبارات المذكورة في الملاحظة الأولى) أكثر من مرة بلا فائدة.

(يمزق نياط القلوب)

هناك مجموعة من العبارات المحفوظة في دليل الكاتب- أي كاتب- للتعبير عن مجموعة من الأصوات التي تُحدث تأثيرات عاطفية معينة لدى سامعيها. ونذكر تعبير واحد عن كل صوت:

  • صوت مثير للحب (دق قلبه شوقًا).
  • صوت مثير للخوف (تقشعر له الأبدان).
  • صوت مثير للشفقة (يمزق نياط القلوب).
  • صوت مثير للغضب (غلى دمه في عروقه).

والأمر ينطبق على مؤثرات أخرى غير الأصوات مثل الصور أو الروائح.

(رأيت الهول)

وأقصد هنا التوصيفات التي يحاول الكاتب من خلالها تعظيم بعض الأحداث في قصته ومحاولة إضفاء تعقيد أو تعميق هي خالية منه. ونضرب عن ذلك أمثلة من النص مثل ما في الصفحة 129 من الكتاب الخامس حيث يوجد تعبير ضعيف جدًا يدور حول نفسه لوصف حالة سمع الطفلة الصغيرة، وفي صفحة 152 من ذات الكتاب هناك تعداد للأسئلة التي تخرج عن الظاهرة الغريبة بين الوالد وطفلته.

  • لربما كان يحلم بها؟
  • ولربما حلمت به؟
  • ولربما كانت أحلامهما تتناقل؟

ألا تبا، أسئلة كثيرة ترددت في ذهنه.

وهي ليست إلا أوجه لسؤال واحد يطرح نفسه:

  • هل يوجد إتصال تخاطري بينهما؟

ويتجلى هذا العيب في صورته الأسوأ بالكتاب السادس في وصف المذبحة التي جرت بين الطلبة، والتي افتتحها الكاتب ببداية موفقة تصاعدت على نحو جيد ووتيرة مشوقة ثم خربت عند الإتيان بالمحصلة النهائية للأحداث الدامية في المدرسة الثانوية. وتكلل رأسي بتاج الخيبة لما قرأت هذه العبارة “قصص النجاة كانت مفزعة للغاية” دون أن ينعكس هذا الفزع وهذا الهول على ما أتى من وصف بلسان الناجين أثناء الحوار الجاري في التحقيق معهم، أو حتى بعيون الراوي داخل ممرات المدرسة.

(شاشة وغابة وأشياء أخرى)

“والأخير استجاب، بأن اشتعل محركه وعدسته على الفور، فسلط بضوء أبيض على الجدار، حيث اتضحت الصورة المهزوة شيئًا فشيئًا.”

هذه القطعة النصية هي نموذج يعبر عن التكرارات النصية المماثلة في مواقف أخرى بالسلسلة، نشير إليها مرة أخرى بعبارة أخرى متكررة “لربما من هنا ابتدأ الأمر”.

السرد

مثل الأفلام

كالزومبي في أفلام الرعب ومثل التنانين في روايات الفانتازيا، خطأ سردي آخر يضعف الوصف والسرد ويخرج القارئ من السياق. هذه المفردات تعتمد على مخزون الخلفيات لدى قارئ الفانتازيا، ويمكن للقارئ أن يملأ الفراغات بقدر ما يسعه خياله، لكن النتيجة تكون عملا فانتازيا فاقد للأصالة والإبداع.

التفسير الإجمالي

خطأ آخر لا يقل قبحًا عن الأخطاء الكبرى بالسلسلة، والتي سنردها مرتبة في نهاية تحليلنا للسرد، هذا هو الخطأ الناتج عن سوء استخدام تقنية التفسير الإجمالي. حيث تتحدث الشخصية الرئيسية كثيرًا لتفسر وتروي بعض المعالم والمظاهر المحيطة بالشخصيات مقتطعة وقتًا وتركيزًا من هذه الشخصيات بصورة غير منطقية، كأن يكون هناك صراع بين شخصيتين ويتأجل لمجرد الثرثرة بينهما.

ولكن على الجانب الآخر يجب أن نشير إلى بعض الاستخدامات الجيدة لهذه التقنية، مثل ما حدث في الكتاب الأول متمثلًا في التركيز على متلازمة الأكل القهري، مما يشير إلى السلوك الغريب للطائفة المكتنزة في المظهر والمأكل، والواضح على أجسادهم.

النوافذ الحكواتية

الطائفة المكتنزة
  1. الفتاة الرشيقة.
  2. الفتى المكتنز.
  3. الشخص الشاحب.

هذه هي الفصول الرئيسية للكتاب الأول ويلاحظ أن الفصل الأول يشير إلى الفريسة والثاني يشير إلى الصياد والثالث يشير إلى المنقذ. كما أن النصوص القصيرة المستهل بها في كل باب توضح- لاحقًا بعد أن ينكشف غموضها- بعض الأمور المهمة في حبكة القصة.

لا توجد وحوش هنا
  1. الأرانب الثلاثة.
  2. المجد للحرية.
  3. الغول.

لا يوجد ما يميز أسماء الفصول عدا الثالث الذي يلمح إلى طبيعة أريحا بطل السلسلة بكونه يعمل في وظيفة البعبع أو الغول.

وضع الكاتب استهلالات للفصول من خلال مقطوعات نصية مأخوذة عن أغنية علبة سجائر لفرقة كينو الغنائية Kino المتخصصة في أغاني الروك Rock.

اركض وكأن الجحيم في أعقابك
  1. تريض.
  2. هرولة.
  3. ركض.

وهي كلمات تعد ترادفات وتنويعات على الركض وهو الموضوع الأساسي للرواية.

وضع الكاتب استهلالات للفصول من خلال مقطوعات نصية مأخوذة عن أغنية اركض للمغني براندون هيث Brandon Heath.

 ساعدني لكي أقتل مجددًا
  1. الانتقال.
  2. التغيير.
  3. التحول.

ثلاث كلمات تعد ترادفات وتنويعات على التحول من جهة إلى أخرى، وهو الموضوع الأساسي للرواية.

الاستشهاد في استهلالات الفصول كان من أغنية العودة إلى البراءة Return To Innocence لفرقة إنيغما Enigma الغنائية. وعنوان الأغنية يحمل إحدى مفردات التحول أيضًا، وهو العودة، أي الانتقال إلى الصورة الأولى.

ابنتي الصغيرة الغريبة
  1. إميل وإيمان وهايل.
  2. الملائكة الصغار.
  3. مملكة القمر.

يلاحظ هنا أن عناوين الفصول ليست متناسقة أو متآلفة مثلما أتت في الأجزاء السابقة، وربما يراد من ذلك الدلالة على حالة الضياع التي تغمر الطفلة وعقل أبيها. أما عن عنوان “الملائكة الصغار” فهو تنويع على التعبيرات التي يضع فيها الكاتب كلمات مشتقة من الملائكية، رغم كونها أبعد ما تكون عن ذلك، مثل جنازة الملائكة للإشارة إلى المذبحة الفلسطينية، وملاك جهنمي للإشارة إلى قاتل متسلسل، والملائكة الصغار للإشارة إلى ملجأ لا يعرف الرحمة لا من قريب ولا من بعيد.

أما عن الأغاني فمأخوذة من أغنية فتاة صغيرة غريبة Strange Little Girl (مثل العنوان) لفرقة الخنّاقون The Stranglers الغنائية.

هولوكوست
  1. الناجي.
  2. الاجتياح.
  3. العدالة الموحشة.

لا يوجد ما نضيفه هنا إلا بأن نذكر أن الأغنية هي أغنية قصيدة آن فرانك Ballad of Anne Frank لـ جوني ماكيفوي Johnny McEvoy،والملائمة جدًا لأحداث القصة.

عدو الكريسماس
  1. أنا لا أؤمن بـ سانتا كلوز.
  2. كرامبوس.
  3. روح الكريسماس.

كلها عناوين مرتبطة بالكريسماس وحتى أغنيته رأيت أمي تقبل سانتا كلوز I Saw Mommy Kissing Santa Claus لفرقة Jackson 5 الغنائية.

الرؤية السردية

منظور الراوي المصاحب للشخصيات هو الرؤية السردية المسخدمة في السلسلة كلها. الرؤية المصاحبة تكون من خلف، أي أن الراوي لا يكون لديه علم بالأحداث إلا بقدر ما تعرفه الشخصيات المروى عنها، ويتابع تأثيرات الأحداث عليها. ولكن غياب المعرفة عن الأحداث من المفترض أن يعمق قدرة الرواي على نقل مشاعر الشخصيات الواقعة في هذه الأحداث إلى القارئ،وهو ما لا يحدث بسبب بعض التوصيفات التي أشرنا إليها بالأعلى.

ونشير إلى استخدام الفعل الماضي في السرد بهذه السلسلة.

ملاحظة أخرى هي أن الكاتب يحاول دوما في كل عدد أن يأتي بفكرة تكون جديدة وغير مستعملة كثيرًا في سرد القصة، لذا نجد تنويعًا في التقنيات السردية في كل كتاب. وهو جهد يحسب للكاتب.

الحوار

يقود الحوار بين الشخصيات دومًا أريحا، وإذا غاب أريحا يتسلم الكاتب القيادة بنفس الأسلوب بين الراوي والحوار. وكلاهما يسترسل ويستطرد ويتجاذب أطراف الحديث ويطيل فيها بطريقة لامنطقية وغير واقعية. وهناك بعض النمطية في الحوار مع لمسات غرائبية. انظر مثلا الحوار من الصفحات 77 إلى 82 بالكتاب الثاني.

من هو أحمد خالد توفيق – Ahmed Khaled Tawfik؟

0

شاركنا رأيك حول "على الضفة الموحشة حيث تقبع الوحوش: مراجعة لأول سلسلة ممتدة يقدمها وائل رداد"