متلازمة ستوكهولم: كيف يمكن للضحية التعاطف مع الجاني؟!
0

كثيرًا ما نتداول فيما بيننا عبارات تراثية مثل: القط يحب خناقه، والطير يحب سجانه، إلخ. لكننا لم نفكر يومًا بمدى خطورة المراحل المتقدمة من الحالة التي تصفها هذه العبارات بمصطلح أكاديمي شهير، ألا وهو: متلازمة ستوكهولم..!

تشير متلازمة ستوكهولم إلى الأعراض التي يمكن أن تحدث لدى الشخص الذي يكون في حالة احتجاز كرهينة أو سجين. عادةً، يمكن وصف هذه المشاعر بأنها تعاطف مع الخاطفين أو تطوير رابطة أو علاقة مع الآسر أو الخاطفين.

يمكن أيضًا التعرف على رد الفعل هذا لدى أولئك الذين يتعرضون لعلاقات مسيئة أو مواقف مؤلمة الأخرى.

ما هي متلازمة ستوكهولم بشكلٍ عام؟

لا يُعتبر مصطلح متلازمة ستوكهولم تشخيصًا نفسيًا معترفًا به، ولكنه محاولة لتفسير الأعراض التي تظهر لدى بعض الأفراد المحتَجزين. يرتبط الشخص الذي يعاني من متلازمة ستوكهولم بالخاطف، ويمكن أن تراوده مشاعر الحب أو التعاطف أو الرغبة في حماية الخاطف. غالبًا ما تتطور لدى الرهينة أيضًا مشاعر سلبية تجاه الشرطة أو الأطراف الأخرى التي تحاول إنقاذه من بين أيدي الخاطفين.

تشير الدراسات التي أُجريت على الحوادث التي تشمل الرهائن إلى أن متلازمة ستوكهولم يبدو أنها تحدث على الأرجح عندما يُحتجَز الأفراد لعدة أيام وهم على اتصال وثيق مع خاطفيهم. هؤلاء الأفراد بشكلٍ عام لا يتعرضون للأذى من قبل خاطفيهم ويمكن حتى معاملتهم بلطف.

غالبًا ما يعاني الشخص المصاب بمتلازمة ستوكهولم من أعراض إجهاد ما بعد الصدمة: أرق وكوابيس واكتئاب شديد، واسترجاع ذكريات الماضي والارتباك وصعوبة الثقة بالآخرين. لكن هذه الحالة الغريبة لا تصيب كل ضحية أو حتى رهينة، ولم يتضح حتى الآن سبب حدوثها. غريزة البقاء هي جوهر متلازمة ستوكهولم.

متلازمة ستوكهولم - أيادي مربوطة

لماذا أُطلق عليها متلازمة ستوكهولم في الأساس؟

ظهر المصطلح في أعقاب عملية سطو على بنك في ستوكهولم بالسويد عام 1973. في أثناء عملية السطو هذه، احتجز لصوص البنك أربعة موظفين داخل قبو لمدة تجوازت الخمسة أيام. أثناء تواجدهم في الأسر، تعلّق الرهائن بخاطفيهم، ويعود ذلك في الغالب إلى أفعال بسيطة من اللطف الذي يُظهره الخاطفون. في النهاية، بدأ الأسرى يخافون من الشرطة أكثر مما يخشون من سارقي البنك؛ كما كانوا يقاومون كل مَن حاول إنقاذهم.

لقد أربك سلوك الأسرى الشرطة وعامة الناس وكذلك الأسرى أنفسهم. شبّه الأطباء النفسيون رد الفعل باسم اضطراب ما بعد الصدمة، وهو الذي عانى منه الجنود خلال الحروب. وأوضحوا أن الأسرى شعروا بالامتنان لمختطفيهم، وليس للشرطة، لأنهم أبعدوهم عن الموت.

ما هي الأعراض التي تظهر على المصابين بمتلازمة ستوكهولم؟

من الواضح أن متلازمة ستوكهولم هي حالة يطور من خلالها الشخص مشاعر إيجابية كردة فعل لمجموعة معينة من الظروف المؤلمة للغاية. على وجه التحديد؛ عند أخذ الضحية كرهينة من قبل شخص غريب واحتجازه في الأسر.

الآن دعونا نلقي نظرة على الأعراض الأربعة الرئيسية التي يعاني منها الشخص المصاب بمتلازمة ستوكهولم.

مشاعر إيجابية تجاه الخاطف

تتكون لدى الضحية مشاعر إيجابية تجاه الخاطف؛ كما ذكرنا من قبل، هذه هي السمة المميزة لمتلازمة ستوكهولم بشكلٍ عام. على الرغم من كونه في موقف مرعب، سيبدأ الشخص الذي يصاب بمتلازمة ستوكهولم في التعاطف أو الاهتمام أو الشعور بإيجابية تجاه الأشخاص الذين يحتجزونه كرهائن. هذه المشاعر الإيجابية تجعل الضحية أكثر عرضة للامتثال لمطالب آسريها والشعور بالذنب عندما لا يفعلون ذلك.

مشاعر سلبية تجاه المجتمع

تتكون لدى الضحية مشاعر سلبية تجاه الأسرة أو الأصدقاء أو السلطات؛ لأن الضحية تتماشى مع آسرها، يبدأ الضحايا أيضًا في تبني طريقة تفكيرهم. بما أن الخاطفين يخافون من القبض عليهم ومحاكمتهم، فإن الضحايا غالبًا ما يواجهون نفس القلق أيضًا.

بالإضافة إلى ذلك، يقنع بعض الخاطفين ضحاياهم بأنهم يحمونهم من عالم خطير، وليس العكس. يوضح الخبراء أن ظاهرة التعاطف مع الآسر هي نوع من اليقظة المفرطة، حيث يعتقد الضحايا أن سعادة خاطفيهم أمر بالغ الأهمية لرفاهيتهم وسلامتهم. بعبارة أخرى، عندما يشعر الخاطف بالسعادة والأمان، يكون الضحايا كذلك. هذا هو السبب في أن الضحايا الذين تظهر عليهم أعراض متلازمة ستوكهولم ينقلبون على الأشخاص الذين يهددون العلاقة بين الأسير والأسير، بما في ذلك السلطات.

متلازمة ستوكهولم - فتاة محتارة

تدارك اهتمام الخاطف بالضحية

تتكون لدى الآسر مشاعر إيجابية تجاه الضحية؛ هناك جانبين لهذه الحالة. في أحد الجوانب، تدرك ضحية متلازمة ستوكهولم أن آسرها يهتم بها بالفعل. هذا له علاقة كبيرة باللطف الذي ذكرناه سابقًا. عندما لا يتصرف الخاطفون بناءً على تهديداتهم -أو عندما يفعلون أشياء صغيرة تبدو لطيفة بالنسبة لضحاياهم- فقد يبدو أنهم يهتمون فعلًا بالأشخاص الذين يحتجزونهم.

أما الجانب الثاني يتمثّل عندما تستخدم السلطات -مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي أو مفاوضي الشرطة- تكتيكات لجعل الخاطفين يرون ضحاياهم كبشر. من خلال القيام بأشياء مثل مطالبة الخاطفين بنداء رهائنهم بأسمائهم الأولى، تعمل السلطات على إضفاء الطابع الإنساني على الضحايا. يؤدي القيام بذلك إلى تقليل احتمالية قتل الخاطفين لضحاياهم لأنهم يخافون من القبض عليهم، ويقوم مكتب التحقيقات الفيدرالي بتدريب أعضائه على استخدام هذا التكتيك للمساعدة في الحفاظ على الحياة.

مساعدة الضحية للخاطف

عندما تدعم الضحية الخاطف أو تساعده؛ يأتي العَرض الأخير لمتلازمة ستوكهولم عندما تحاول الضحية، بدلًا من محاولة الهرب، مساعدة آسريه بعيدًا عن السلطات. في هذه الحالة، تضع الضحية احتياجات آسرها فوق حريتها من أجل البقاء.

عند هذه النقطة، يعتقد شخص ما تظهر عليه أعراض متلازمة ستوكهولم بالفعل أن آسره قد يؤذيه أو يؤذي أحدًا من عائلته إذا لم يمتثل لمطالبه. ولكن الأهم من ذلك، أن الضحية بدأت في رؤية العالم من وجهة نظر آسريها. إن مساعدة آسريهم ليست شيئًا مجبرًا على فعله – الأشخاص المصابون بمتلازمة ستوكهولم يفعلون ذلك بدافع إرادتهم الحرة وغريزة البقاء لديهم.

يمكن أن يكون هذا العَرَض الأخير محيرًا للسلطات بشكلٍ خاص، خاصةً عندما لا تدرك أن الضحية مصابة بمتلازمة ستوكهولم فعلًا. يمكن أن تكون الأمور أكثر تعقيدًا، عندما تُظهر هذه الأعراض أيضًا الرغبة في مساعدة الخاطفين حتى بعد تحرير الضحية.

ما هي الأسباب النفسية لمتلازمة ستوكهولم؟

متلازمة ستوكهولم - فتاة قلقة

من منظور نفسي، يعتقد معظم علماء النفس والأطباء النفسيين أن متلازمة ستوكهولم، في جوهرها، تدور حول غريزة البقاء على قيد الحياة.

عندما يوضع الناس في مواقف خطيرة للغاية أو مؤلمة، فإنهم غالبًا ما يتصرفون بشكل غريزي من أجل البقاء على قيد الحياة. ربما تكون قد سمعت عن هذه الظاهرة التي تمت صياغتها على أنها غريزة (القتال أو الهروب)، حيث تقوم إما بالركض أو التجمد أو الهجوم عندما تكون خائفًا.

لكن غريزة البقاء هي في الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالصدمات المعقدة. في حالة متلازمة ستوكهولم يصبح الضحايا مرتبطين بخاطفيهم كوسيلة للتعامل مع وضعهم. هذه أيضًا طريقة للضحايا لمحاولة جعل آسريهم يتعاطفون معهم، وبالتالي تقليل احتمالية قيام آسريهم بإيذائهم أو قتلهم. بعبارةٍ أخرى، يصبح بناء اتصال عاطفي طريقة للضحية للتأقلم مع واقعه الجديد والبقاء على قيد الحياة.

هناك شيء آخر مهم يجب إدراكه حول متلازمة ستوكهولم: وهو أن الضحية المصابة بهذه المتلازمة لا تملك أي شعور بالوعي بما تفعله. لنشرح هذه الفكرة بوضوحٍ أكبر؛ لنفترض أنك تعرضت للاختطاف وأنك محتجز ضد إرادتك. قد تقرر أن تكون لطيفًا مع الخاطفين في محاولة للبقاء على قيد الحياة، وتأمل أن تهرب.

في هذا السيناريو، تختار التصرف بطريقة معينة. من ناحيةٍ أخرى، تحدث متلازمة ستوكهولم فقط عندما تبدأ الضحية في التعاطف اللاإرادي مع آسرها. في هذه الحالات، لا يكون لدى الضحايا أي فكرة واعية عما يفعلونه، وتستمر مشاعرهم تجاه خاطفيهم لفترة طويلة حتى بعد إطلاق سراحهم.

هل هناك أي علاج للمصابين بمتلازمة ستوكهولم؟

بالتأكيد يمكنك الحصول على المساعدة، إن كنتَ أنتَ أو أي شخص تعرفه مصابًا بمتلازمة ستوكهولم المعروفة.

هناك عدة أساليب للعلاج النفسي، عن طريق الاستشارة أو العلاج النفسي لاضطراب ما بعد الصدمة الناتجة عن حالات الخطف، وذلك من خلال التخفيف من المشكلات الفورية المرتبطة بالشفاء، مثل الاكتئاب والأرق والقلق.

يمكن للمعالجين النفسيين مساعدة المُصاب بهذه المتلازمة من خلال تدريبه على آليات التأقلم الصحية وأدوات الاستجابة لمحاولة فهم ما حدث، وسبب حدوثه، وكيفية تجاوزه بأقل ضرر ممكن.

متلازمة ستوكهولم هي استراتيجية تأقلم. فالأفراد الذين يتعرضون للاختطاف ولسوء المعاملة قد يطورونها. إنها استراتيجية للبقاء وآلية للتكيف تعتمد على مستوى التبعية والخوف والصدمة في الموقف؛ كالطير الذي يحب سجانه!

0

شاركنا رأيك حول "متلازمة ستوكهولم: كيف يمكن للضحية التعاطف مع الجاني؟!"