أفغانستان في عدّاء الطائرة الورقية
1

أفغانستان من البلدان التي لا شواطئ لها، ويبدو أنّ شواطئ الأمان والسلام بعيدة عنه أيضاً، لوّنته الحروب بالدّم والقهر، بدءاً من الانقسامات الداخلية الأفغانية، لاحتوائه على الكثير من الأعراق والطوائف كالطاجيك والباشتون والتركمان والهزارة… إلخ، وصولاً للحروب المعاصرة التي أثّرت في هذه التركيبة السكانية.

هل كان التأثير فقط على التركيبة السكانية؟ أم تعدّاها إلى مناحي الحياة الاجتماعية والنفسية على الطفولة والمرأة والأخلاق وعلى الحريّات العامة والعادات؟

أفغانستان في عدّاء الطائرة الورقية

كل هذه القضايا يضعنا أمامها الكاتب الأمريكي من أصل أفغاني “خالد حسيني” قبله كانت أفغانستان أرضاً للموت والعدم، لا صوت يعلو فوق الحروب، بعده بدت أفغانستان ألف شمس مشرقة، وطائرات ورقية تردد الجبال صداها، من خلاله بدأ العالم يرى أفغانستان بألوانه وأحلام أطفاله وتعدّد إثنياته وقومياته، وبدأت القراءات لأدب هذا الكاتب.

رواية عدّاء الطائرة الورقية - أفغانستان - خالد حسيني - خذلان الأطفال
خذلان الأطفال في رواية عدّاء الطائرة الورقية للكاتب الأمريكي من أصل أفغاني “خالد حسيني”.

وما سأقدمه في هذه الأسطر جانباً نفسيّاً قلّما تطرّق أو توسّع فيه الكم الهائل للدراسات التي تناولت روايات الكاتب “خالد حسيني”، وهو: خذلان الأطفال؛ فإعطاء الوعود للأطفال عمل خطر.

نرشح لك قراءة: خالد حسيني أديب ترك أفغانستان ولم تتركه أبدًا لتتجلى ذكرياته عنها في رواياته

شخصيات أطفال رواية عدّاء الطائرة الورقية

أن تخذل طفلاً يعني أنك خسرت ثقته بك، وثقته بنفسه، فيضطرب عاطفياً واجتماعيّاً، ويلجأ إلى أليات دفاعية متمثّلة بالانكفاء على الذات والانطوائية وقد يلجأ إلى العنف، وبالمحصلة نهدر طفولته وإنسانيته، وهذا ما نلحظه لدى شخصيات أطفال رواية “The Kite Runner – عدّاء الطائرة الورقية“.

The Kite Runner
خذلان الأطفال في رواية عدّاء الطائرة الورقية للكاتب الأمريكي من أصل أفغاني “خالد حسيني”.

 حسّان

ابن الهازارة، الطبقة المسحوقة، ابن الخطيئة والذي لا حقوق له.. خذلانه الأول لحظة ولادته، عندما أشاحت الأم كما الحياة وجهها عنه، هي وغيرها الكثيرات ممّن كنّ مسلوبات الإرادة تتهافت عليهن وحوش الزعامات المحلية ورغباتهم الغريزية، وكل هذا ليس مبرّراً. ولم تعوّضه الأبوّة، فالأب لم يعترف به فهذا الأخير ابن الباشتون (الطبقة الثريّة المسيطرة) جلّ ما قام به أن جعله خادماً لديه ولابنه الشرعي، وهذا كان خذلانه الثاني.

أما الخذلان الثالث فكان من صديق طفولته، وأخيه وابن سيده (أمير)، الذي تركه يُغتَصب ولم يدافع عنه خوفاً على نفسه، ثمّ لفّق له تهمة السرقة، ليغادر بيته مكسوراً ذليلاً. فهل كان صمته وضعفه وانكساره أمام الجميع هي الأبعاد النفسية في شخصيته نتيجة الخذلان السابق؟ أم أنّ الكاتب أراد أن يقول أنّ هذه الأقليّات المسحوقة وفيّة بطبعها وأصالتها في أفغانستان؟

وبالنتيجة فقد سرقت حياته، كما عبّر أمير على لسان أبيه: “هناك خطيئة واحدة، وهي السرقة، كل خطيئة أخرى هي وجه آخر للسرقة، عندما تقتل رجلاً فأنت تسرق حياة، تسرق حق زوجته بزوج، من أطفاله تسرق أباهم، عندما تكذب، تسرق حق شخص بالحقيقة، عندما تغش، تسرق حق العدالة”.

خالد حسيني
أفغنستان في رواية عدّاء الطائرة الورقية للكاتب الأمريكي من أصل أفغاني “خالد حسيني”.

أمير

الابن الشرعي اجتماعياً، النصف الذي يمثّل الثراء الذي ورثه والخطيئة مع امتيازات الحصانة التي أتت مع ذلك الثراء، خذلانه تمثّل بمحاولة الأب المُجسِّد للطبقة المسيطرة الثريّة (الباشتون) بتنميطه بقالب محدّد يرضي طموحاته، فأفرغه من شخصيته وجعله ضعيفاً بين أقرانه، هؤلاء الذين سيطروا في مرحلة الحروب اللاحقة على أفغانستان الحزين، وينتهي بذلك دور تلك الفئة الغنيّة والمسيطرة لتبدأ مرحلة أمراء الحرب. وجعله انطوائيّاً لا يملك سوى العدوانية كأوالية دفاعية عن ذاته وهذا ما تحدثنا عنه بخذلانه لحسّان.

سوهراب

المستقبل المخذول، وأولاد الطبقات المسحوقة، والمستَغلين من جميع الأطراف الفاعلة في أفغانستان وخارجها. هو الابن الشرعي للطبقة المسحوقة (حسّان) وهذا خذلانه الأول، أمّا خذلانه الثاني فهو سلبه طفولته وطهارته بأن يكون وأقرانه أولاد الملاجئ يُغتَصبون ويباعون ويُشتَرون كأيّ سلعة رخيصة الثمن، وعندما يبرق أمل باستعادة طفولتهم وحياتهم يواجههم خذلان آخر وهذا قد يكون هو الخذلان الأصعب، فلا يكون إلّا الصمت كأوالية دفاعية، وعلى لسان أمير: “كان صمته صمت من يختبئ في الظلام، كمن يمسك بكل الحواف ويحشر نفسه تحتها”.

أمّا لماذا؟ فيجيب أمير من جديد: “وكأنني أخذته من ثقة الاضطراب، ورميت به في اضطراب عدم الثقة” وهذا حال ومآل هذا الجيل برميه بعدمية الوجود ليكون جلّ ما قُدّمَ إليه محاولة إخراجه من بلاده، أو تقديم المساعدات الإنسانية له، في الوقت الذي لو أعطي له دور لكان ورقة رابحة لأفغانستان.

وبعد كل هذا الخذلان هل بقي من أمل لطفولة أفغانستان الحزين؟ يجيب الكاتب خالد حسيني على ألسنة تلك الفئات المسحوقة والمظلومة وبانتظار أن تأخذ دورها في أفغانستان الحياة: “لأجلك.. ألف مرّة أخرى”.

1

شاركنا رأيك حول "خذلان الأطفال: رواية عدّاء الطائرة الورقية للكاتب خالد حسيني نموذجاً"