وسائل التواصل الاجتماعي والتفكك الأسري
0

تسببت الطفرة التكنولوجية المتسارعة في الهواتف الخلوية في إحداث تغييرات جذرية في معالم حياتنا وتيسير أداء منظومة التعليم والعمل ورفع كفاءة إنجازها، كذلك تقريب المسافات والتواصل الاجتماعي بين أفراد الأسرة الواحدة الذين فرقهم السفر، إلا أنها حملت معها مشاكل أسرية لم تكن معروفة قبل عصر الانفتاح وطوقت أفراد المجتمع بأسوار من العزلة مكتفيين بعلاقات وهمية مع الأشخاص المجهولين في مواقع التواصل الاجتماعي.

تقويض وسائل التواصل الاجتماعي للعلاقات الزوجية

برغم أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست المتهم الأول والرئيس في ارتفاع نسبة الانفصال بين الأزواج، إلا أن لها عامل كبير في فشل القدرة على خلق حوار في عالم الواقع واتساع فجوة انعدام المشاركة في المهام اليومية من قبل الزوجين حتى أنهما قد يتبادلان إرسال فيديوهات مضحكة عبر الواتساب رغم كونهما في المنزل سويًا بدلًا من مشاهدتها معًا، ما يخلق بينهما برودًا عاطفيًا وطلاقًا نفسيًا دون أي مقاومة من أحدهما بل على العكس قد يتم ملء ذلك الفراغ بطرف آخر في العالم الافتراضي، حتى أنه قد يقع طلاق فعلي بين الأزواج من خلال رسالة عبر إحدى هذه التطبيقات دون الجلوس سويًا للنقاش ومحاولة حل المشكلة.

كذلك فإنها -أي مواقع التواصل الإجتماعي- ساهمت في نشر الكثير من السلوكيات الشاذة على أخلاقيات المجتمع، كالتواصل مثلًا بين الرجال والنساء دون ضوابط ولمجرد تمضية الوقت وهو ما ذلل الصعوبات التي كانت تقف عائقًا أمام حدوث الخيانات الزوجية.

كما أن الشغف بمتابعة المشاهير في هذه المواقع بات معول هدم لكثير من الزيجات، من جانب المقارنة الدائمة بين شكل الحياة التي نعيشها وتلك المثالية التي يراها، فمثلًا ترى الزوجة ما تعرضهن مثيلاتها من هدايا باهظة الثمن ومفآجات تلقوها من شريك حياتهن في حين قد يكون الزوج بالكاد قادرًا على تلبية احتياجات أسرته الأساسية ما يسبب حالة من الإحباط والاكتئاب لديها تجاه الحياة التي تعيشها، وليست المقارنة المادية فحسب بل صار مقياس النجاح مرتبطًا بالشهرة وأصبح هوس الفتيات الارتباط بالمشاهير لتلاحقها الأضواء وترغد بالرفاهية التي يشاركها النجوم على حساباتهم بالسوشيال ميديا، وهو ما يؤسس لنظرة غير ناضجة عن مؤسسة الزواج لدى المرأة محصورة في السفر والمغامرة وعدم التقيد بالواجبات المنزلية والمسؤولية تجاه الأسرة.

وأيضًا فإن الرجل غالبًا ما سيقع في فخ المقارنة بين الجميلات من عارضات الأزياء والممثلات وبين زوجته دون الأخذ بالاعتبار الملايين التي ينفقها هؤلاء في عيادات التجميل ونحت الوجه وبعض عضلات الجسم والاشتراك في النوادي الرياضية واقتناء الملابس والمجوهرات، فضلًا عن استعانة معظمهن بمربيات لأطفالهن وخادمات يقمن على شؤون المنزل بعكس زوجته، وليس الرجل فحسب من يقوم بمقارنة المظهر الذي تبدو عليه زوجته بأخرى، ولكن في استطلاع صادم أجرته Girlguiding خلص إلى أن ثلث الإناث يشعرن بالقلق والإحباط تجاه أجسادهن بالمقارنة بتلك النجمات ما يجعلهن أكثر قسوة في الحكم على ملامحهن وبنيانهن الجسدي، لتركضن خلف حصد الكثير من علامات الإعجاب على صورها عند مشاركتها حتى تستعيد ثقتها بذاتها وهو ما يدفعهن في الغالب إلى الاعتماد على برامج تحسين الصور أثناء التقاطها.

ولم تتوقف خطورة التداخل بين مواقع التواصل الاجتماعي والعلاقات الزوجية عند هذه السلبيات فحسب، بل أصبحت أداة لنشر الخصوصيات والمشاكل علانية لطلب النصح والاستفسار حول القرار الذي يجب أخذه بعيدًا عن حكمة الكبار ومجالس العائلة التي كانت يتم عقدها لتقريب وجهات النظر لرأب الصدع بين الزوجين.

 السوشيال ميديا وتنشئة الأبناء

أتت الثورة التكنولوجية لتقضي على ما كانت تمثله الأسرة من وعاء لتكوين شخصية الفرد وغرس المبادئ والأفكار والمعرفة بما يتوافق مع المعايير المجتمعية وغيرها، أما وقد انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي وتنوعت أشكالها فإنها لم تعد تشارك الأسرة في مهمة تنشئة أبنائها فقط بل صارت منوطة بالدور الأكبر من التأثير في هذا الشأن وتهميش مساحة الوالدين وأهميتهم كمرجعية وقدوة يستند إليها الأبناء في تشرب القيم والسلوك، وحدت من دورهم في غرس مقومات النجاح الحقيقية والسلامة النفسية وتعلم المهارات المختلفة، فالسوشيال ميديا أصبحت للأبناء المكان الأمثل ليشاركوا أقرانهم اهتماماتهم بعدما كانت الأسرة الملاذ الآمن لذلك..

0

شاركنا رأيك حول "بعد أن قربت كل بعيد.. وسائل التواصل الاجتماعي متهم رئيسي في التفكك الأسري المتفاقم اليوم!"