المكان
0

عادةً ما تكون أبسط الأشياء وأكثرها بداهةً، هي الأصعب لجهة محاولة شرح ماهيتها وتفسيرها. يرجع ذلك لكوننا نستخدم هذه الأشياء البسيطة والبديهية كأدوات لشرح وفهم الأشياء الأعقد منها.

على سبيل المثال، لو طلب شخص مني أن أشرح له ما هو المثلث الذي يتعامل معه في كتبه المدرسية، عندها سأقول له بأنه الشكل الذي نحصل عليه بربط ثلاث نقاط مختلفة عن بعضها ولا تقع على استقامة واحدة في مستوٍ ما (مثل سطح ورقة مثلاً)، بقطع مستقيمة. ولكن لو طلب مني بعدها أن أشرح له ما هي النقطة؟ فهنا سيضعني في موقف أصعب، لأننا نستخدم النقطة لتعريف الأشياء الأعقد منها (كما في مثال المثلث في الأعلى)، وبالتالي ليس لدي مفاهيم أبسط منها في العادة للحديث عنها بدلالتها، ولذلك سألجأ لشروحات ملتوية وغير صارمة لإفهامه معناها، دون أن أعطيه تعريفاً دقيقاً لها.

وحالنا فيما يخص المكان، هو شبيه بالموقف الذي وصفناه للتو فيما يخص النقطة، لذلك لن يكون تناول هذا الموضوع بالبساطة التي قد يبدو عليها لأول وهلة.

لذلك سنتجنب هنا وضع تعريف دقيق للمكان، وبدلاً من ذلك سنحاول فهم طبيعته من خلال بعض المحاججات الفلسفية والعلمية والرياضياتية.

الزمن: أحد أكثر المفاهيم بديهيةً وغموضاً في نفس الوقت

لمحة تاريخية

ترجع النقاشات حول طبيعة المكان إلى عصور قديمة للغاية. فقد نوقش هذا الأمر في اليونان القديمة من قبل سقراط وأفلاطون  وأرسطو. أما في العصور الوسطى، فقد كان من أبرز من تطرق لهذا الموضوع هو الحسن بن الهيثم. وأعيد إحياء هذه النقاشات في عصري النهضة والتنوير في أوروبا، حيث شهدت هذه النقاشات تطوراً ملحوظاً منذ ظهور الميكانيك الكلاسيكي على أيدي كل من غاليليو ونيوتن.

هل المكان مطلق أم نسبي؟ أم أنه مفهوم موجود في عقولنا كبشر فقط؟

كان لأعمال غاليليو الدور الكبير في إعادة النظر في الكثير من المفاهيم القديمة المتوارثة من أرسطو وبطليموس منذ العصور القديمة، هذه الأعمال التي كانت لا بد وأن تؤدي لإعادة النظر في الكثير من المفاهيم التي نملكها عن العالم، ومنها مفهوم المكان. فعند مجيء رينيه ديكارت، قام بتعريف المكان بأنه الشيء الذي يحتوي على المادة، وبذلك فالمادة لها امتداد مكاني حتماً. وقد أدى ذلك إلى عدم اعتراف ديكارت بوجود حقيقي لمفهوم الخلاء. وقد كان لـغوتفريد لايبنتز رأي قريب من هذا الرأي. فوفقاً له، المكان هو تعبير عن العلاقات المتبادلة بين مواضع الأجسام في الكون. فكما أنه يمكن لنا تصور وجود شيء كالأبجدية، والتي تبدأ في اللغة العربية من حرف الألف وتنتهي بالياء، إلا أنه يتبين بالتدقيق بأنه لا وجود للأبجدية دون وجود الأحرف نفسها، لأنها مجرد تعبير عن ترتيب معين لهذه الأحرف. وبنفس الطريقة، رأى لايبنتز بأنه لا وجود للمكان بشكل مستقل عن المادة، كونه تعبير عن العلاقات بين الأشياء المادية في الكون فقط.

لم يرق هذا الرأي لنيوتن على الإطلاق. فبالنسبة له، المكان عبارة عن كينونة مستقلة بذاتها ولا علاقة لها بالمادة الموجودة ضمنه، وقد دعاه بالمكان المطلق.

لقد ساق نيوتن العديد من المحاججات الهامة لدعم موقفه هذا، ومن أشهرها محاججة دلو الماء، التي تنص على ما يلي: لو كان كلام لايبنتز صحيحاً، عندها لن يختلف الحال عند حركة الجسم بسرعة ثابتة أو بسرعة متغيرة، لأن الجسم المتحرك بسرعة ثابتة بالنسبة لمراقب ما، سيكون ذا حركة بسرعة متغيرة بالنسبة لمراقب آخر يغير سرعته بالنسبة للمراقب الأول.

إلا أنه لو أخذنا دلواً وعبأناه بالماء، ثم علقناه بحبل في سقف الغرفة، وقمنا بلف هذا الحبل بشدة مع إبقاء الدلو في يدنا، سنجد أن سطح الماء أفقي تماماً. ولو تركنا الدلو من يدنا، ومع بدء الحبل بالالتفاف بالاتجاه المعاكس لما كنا قد لففناه فيه، سنجد أن الدلو بدأ بالدوران في البداية مع بقاء سطح الماء ساكناً. ولكن بعد فترة قصيرة، سنجد أن سطح الماء قد تقعّر نتيجة انتقال الحركة إليه من الدلو وبدئه بالدوران أيضاً. فلو أوقفنا الدلو بيدنا، سنجد أن الماء سيستمر بالدوران لفترة وسيستمر سطحه مقعّراً أيضاً لفترة قصيرة. وهذا يعني أن القوى التي قعّرت سطح الماء ليست نتيجةً لدورانه بالنسبة للدلو (بسبب عدم تغير تقعّر سطح الماء رغم تغير الحركة النسبية بينه وبين الدلو جذرياً خلال مراحل التجربة)، وبالتالي فالقوى نتجت عن دوران الماء بالنسبة لشيء مختلف تماماً، وهذا الشيء وفقاً لنيوتن، هو المكان المطلق!

أتى بعد ذلك الفيلسوف إيمانويل كانط، الذي رفض أن يكون المكان عبارةً عن كينونة مستقلة عن المادة ولها وجودها الحقيقي، كما رفض أن يكون المكان تعبيراً عن العلاقات المتبادلة بين الأجسام المادية. فبالنسبة له، الزمان والمكان هما طريقتان يستخدمهما عقلنا في تنظيم خبراتنا عن العالم!

التطورات اللاحقة في الفيزياء والرياضيات

نتيجة لأعمال العديد من الرياضياتيين والفيزيائيين من أمثال لوباتشيفسكي§ وغاوس وريمان§ وبوانكاريه§ وآخرين، وظهور هندسات جديدة تختلف عن الهندسة الإقليدية المألوفة لنا، ومجيء النظرية النسبية العامة لأينشتاين§ التي بينت أن المكان فعلاً يمتلك في معظم الحالات هندسة لاإقليدية، فقد تلقت أفكار كانط (الذي استند حصراً إلى الهندسة الإقليدية) ضربةً قويةً. وبذلك بات السؤال، هل وجهة نظر نيوتن أم لايبنتز هي الصحيحة يا ترى؟ في الواقع، تبين أن الحقيقة تختلف عنهما معاً. فالنسبية العامة بينت لنا بأن القياسات التي يجريها المراقبون المختلفون على الفواصل المكانية والزمانية تتباين فيما بينها، مما يمنع أن يكون الزمان والمكان مطلقين. إلا أنها بينت أيضاً أن هناك فعلاً شيئاً مطلقاً هو فضاء رباعي الأبعاد مكون من مزيج من الزمان والمكان معاً ونطلق عليه الزمكان، وبذلك، لم يعد بالإمكان الحديث عن زمان ومكان منفصلين ومستقلين عن بعضهما، بل إن كلاً منهما هو أحد مظاهر هذا الزمكان المطلق رباعي الأبعاد!

خاتمة

هل يا ترى وصلنا حقاً إلى جواب نهائي حول طبيعة المكان؟ في الواقع إننا لا نعلم، فالصورة في الأعلى والمبنية على النسبية العامة هي أفضل ما نملكه اليوم من نماذج عن الواقع فيما يخص سؤالنا. ولكن قد يأتي نموذج أفضل في المستقبل يغير الكثير من مفاهيمنا، من يدري؟ ولكن حتى اللحظة، ونتيجة الدعم التجريبي الهائل الذي تلقته النسبية العامة، فأفضل الرهانات هو المراهنة على ما تقوله لنا هذه النظرية عن الواقع.

0

شاركنا رأيك حول "المكان: هذا الشيء البديهي للغاية، هل توقفتم يوماً لتتساءلوا عن ماهيته؟"