الخوف رواية للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ
0

صدفة غريبة أن أقرأ هذه الرواية وأنا أشاهد مسلسل “The affair” المشترك معها في الفكرة الرئيسية. “Fear – الخوف” هي رواية أخرى قصيرة من روايات الكاتب النمساوي خالد الذكر “Stefan Zweig – ستيفان زفايغ”، وفيها تقريبًا كل خصائص رواياته القصيرة التي نعمت بأن قرأتها. صدرت الرواية أول مرة سنة 1910، ثم ترجمها “أبو بكر العيادي” لدار “مسكيلياني” للنشر والتوزيع سنة 2018.

فيما يلي تحليل للرواية القصيرة “الخوف” للكاتب النمساوي “ستيفان زفايغ”، وفيه حديث عن تشريح الذنب والمذنبين في الأدب، بخاصة فعل الخيانة الزوجية.

نرشح لك قراءة: التباس الأحاسيس للكاتب ستيفان زفايج: هل تريد أن تعرف ما يجري تحت السطح؟

الخوف: نظرة على المذنبين

غلاف رواية "الخوف" للكاتب "ستيفان زفايج".
غلاف رواية “الخوف” للكاتب “ستيفان زفايغ”.

ثمة قصة لـ “يوسف إدريس” عن ناظر مدرسة يرى من نافذة مكتبه فتاة تدخن في حوش المدرسة. قرأت هذه القصة ونسيتها لكني أذكر تعليق “أحمد خالد توفيق” عليها، إذ قال إن كل من يرى فتاة صغيرة تدخن ستذهب أفكاره إلى فساد الأجيال الجديدة وانعدام الأخلاق والتربية إلى آخره، بينما نظر “يوسف إدريس” إلى المشهد عينه واستخرج منه قصة ممتازة.

أفكر أحيانًا في سبب هذا. هي الموهبة بطبيعة الحال، “يوسف إدريس” يبصر في المواقف والأفعال ما لا يبصره غيره، غير أني أحسب أن ما يحجزنا كثيرًا عن الإبداع هو وقوعنا تحت سطوة النظرة الأخلاقية الواسعة، والتي تشمل الجوانب كلها فلا تدع مجالًا لرؤية شيء آخر.

رواية “الخوف” للكاتب “ستيفان زفايغ” تحكي عن امرأة تخون زوجها. أول ما يتبادر إلى ذهنك (لأن الكاتب بنشره ما يكتب يجعل نفسه عرضة للمساءلة) هو الداعي إلى كتابة قصة مركزها هذا السوء. بالطبع قد يكون لك اعتراض على استهلاك هذه المواضيع ومنحها مع تكرارها طابعًا عاديًّا يجب أن تُحرم منه.

الحق أنها ملاحظة سليمة، ولِقراءة الأدب مع مشاهدة الأفلام أثر كبير على نظرة الإنسان للأمور، وقوة إنكاره للمنكرات على مستوى القلب والتصور، غير أن مراعاة ذلك مسألةٌ خاصة بالقارئ فكل امرئ أعلم بنفسه، والكاتب مسؤول عن روايته لا عن السياق الممتد الذي تنتمي إليه روايته.

نرشح لك قراءة: لاحقًا رواية جديدة لملك الرعب: ما نعرفه حتى الآن عن رواية ستيفن كينغ المرتقبة

تسلية على ورق

لكننا لم نجب عن السؤال بعد. نحن نعرف أن الشخصيات المختلة والأوضاع المعقدة أخصب أرض للأدب وأكثر المطروح إثارة للاهتمام، لكننا نضيف شيئًا آخر هو أن الكاتب معنيٌّ بالذهاب إلى حيث لا يذهب الناس عادة، وأي شيء أبعد عن التأمل والتحليل من أفعال المذنبين الشنيعة التي يقابلها الناس بالإجمال والاختزال ما استطاعوا؟

الأدب في كثير من صوره عملية نظرية، تسلية على ورق، لا أكثر ولا أقل، والغرض العام الذي هو فهم الغامض من السلوكيات وتقريب الناس لبعضهم غرضٌ هلامي لا يُرى له في الواقع أثر، فأشكُّ أن قارئ أي رواية عن مذنب يخرج بتعاطف معه له من الثقل ما يغير موقفه من أي جهة، هذا وإن كان التفهم العام المبني على تراكم التلقي قد يكون أوضح حضورًا عند قراء الأدب.

لكن مراعاة القارئ للكاتب مهمة. المرء يكتب عما يثير اهتمامه، والخطايا الخفية الذي يدفنها المجتمع -وإن يكن مصيبًا- بالتجاهل والنقد السلبي والتسطيح جديرة بإثارة انتباه مَن وظيفتُه الاستنباط والتطفل والتشريح.

إنني عندما أقابل هذا الرفض المتعالي لتمثيل الخاطئين وتشريح شخصياتهم وتقديمهم في الأدب والفن، أعرف أنه نابع من الاحتقار المترسخ تجاه من أذنب، والشوق الحيواني إلى وصمه والشماتة به والسيطرة على أفعاله وأفكاره وخططه، والفوز بنقطة تفوق عليه، وتحيُّن غلطة جديدة تبرر الانقضاض عليه بوحشية أكبر. إننا نرفض رؤية خطايا المذنبين على الورق لأننا نرغب في إخفائهم، وإنكار وجودهم، والاستقلال عنهم بنسيان أننا لا نخلو من عيب، واستغلال كل لحظة تفوق وانتشاء يتيحها النظر إليهم من فوقهم، وتجاهل خيار الأوبة المطروح للمذنبين بلا استثناء واحد.

لكن هذا التبرير كله لا يعني أيضًا إلزام الأديب -“ستيفان زفايغ” في “الخوف” أو غيره- باستخدام العرض للإصلاح أو الوعظ المكشوف الذي يضاد الغرض من الأدب، ولا يعني مع ذلك تبرئة نوع كامل من الكتابة تبرئةً تفصيلية شاملة، إنما هو تأسيس أولي. والدليل طبعًا أن التمثيل المذكور يمكن -بالبداهة- أن يؤدي إلى عكس الغرض المذكور فيحمل المستقبح على مزيد من الاستقباح والمُقر للخطأ على مزيد من الإقرار.

نرشح لك قراءة: الإحساس بالنهاية رواية للكاتب جوليان بارنز: عن هيمنة الماضي على الحاضر

الأسوأ والأعظم ضررًا

الكاتب النمساوي "ستيفان زفايغ" صاحب رواية "الخوف".
الكاتب النمساوي “ستيفان زفايغ” صاحب رواية “الخوف”.

من مزايا نوعية الروايات هذه أن ترى حكمك الأخلاقي -وثمة حكم دومًا- صامدًا أمام التعقيدات (فبخلاف الكاتب، بوسع المحلل عَيب الشخصيات الروائية بكل الصراحة والحرية): “إيرين” بطلة رواية “الخوف” امرأة آثمة، وهي لا تملك حتى أدنى تبرير يمكن أن يمهد للتخفيف من إدانتها: إنها تملك كل شيء وتختار بإرادة تامة تدمير كل شيء، ومن بين كل الأساليب المتاحة لمعالجة مشكلتها وشعورها بفقد المغامرة تنتقي الأسوأ والأعظم ضررًا على نفسها وزوجها وابنيها.

لكن من أجل نظرة أحسن، ولتجاوز المتبادر لذهن المتأمل للشخصية، يضعها “ستيفان زفايغ” في مواجهة شر أكبر: امرأة سوقية مقابل برجوازية “إيرين”، فقيرة مقابل غناها، وآثمة بذنب مقيت آخر هو الاقتيات على خطأ امرأة غيرها واستغلال خوفها من الفضيحة. لا يغير هذا من حكمك الأول على “إيرين”، لكنه بالطبع سيثير تفكيرك بخصوص الاستحقاق، ومقارنة أنواع الشر ببعضها، على نحو حائز لشيء من الحرية أصلُه أننا نحلل شخصيات روائية متخيَّلة.

بالإضافة إلى الخوف من الفضيحة التي هي شبح البرجوازية الأعظم، والقلق حيال حياتها الزوجية المعرضة للدمار؛ والتي يتضح الآن أنها جديرة بحماية أكبر، وبعد نزيف المال المستمر واحتمال استمرار الوضع للأبد، وبعد التعرض لامرأة ناقدة مقززة تبصق في وجهها كل الإدانات الصريحة لا لذاتها فحسب بل لطبقتها الاجتماعية وكل عيوب العالم؛ بعد هذا وقبله تواجه “إيرين” مشكلة أكبر هي الحرمان من إغلاق الماضي.

حتى التوبة التي هي فعل فاضل يمارسها الناس باعتبارها وسيلة سهلة لإزالة الشعور بالندم والخزي؛ لإحاطة فترة زمنية معينة بقوسين محكمين وإيداعها لحدًا عميقًا. من جهة أخرى، ممارسة الخيانة بالذات ممارسة موقوتة عمادها الخروج عن الأصل لمغامرة تعرف أنها عابرة، ما يعني أن هذا الاستمرار في التعامل مع ماضيها القريب وما يتصل به لا يفسد حاضرها ويهدد مستقبلها فحسب، بل يتلف الغرض من فعلتها أيضًا، فعلتها التي استنفذت منها أعظم الجهد.

نرشح لك قراءة: أن تكون حيًّا أو تكون ميتًا: قراءة في قصة الأموات للكاتب الأيرلندي جيمس جويس

مرحلة معينة

في رواية “الخوف” يحكي لنا “ستيفان زفايغ” مرحلة معينة من حياة “إيرين” هي المتصلة بزناها وتعرضها التالي للابتزاز. هذا التركيز يضخم هذه المرحلة ويضعها قيد التدقيق، لكنه أيضًا يحرمنا من النظر للحياة الأصلية الطويلة التي سبقتها.

على سبيل المثال، في مقطعٍ من الرواية تنزعج “إيرين” من غربتها عن ابنها وابنتها، وكونهما أقرب إلى الأب سيما عند الاحتكام حال التشاجر. عند قراءتنا هذا فإننا نربطه تلقائيًّا بالحدث المحوري للرواية، باعتباره سببًا أو ذا صلة على أقل تقدير. لكننا لا نرجع بهذا إلى ما قبل الحدث المحوري، لا نراه إيحاء بحياة كاملة سبقت موضع اهتمام النص.

من منظور أوسع، فالحدث المحوري وسيلة لتحليل الحياة التي سبقته، ليس فقط من جهة انتخابها الخيانة سبيلًا للتعاطي مع حالها، أو الأسوأ: استسلامها لمسارها دون فكر، بل كذلك تماشيها مع فكرة الابتزاز، مفضلة الخضوع لدافع بهذا السفل على الخضوع لحق زوجها في الإنكار والمعاقبة والاحتقار.

إن خياراتنا بأيدينا وهي تحدد مصائرنا، وكما قررت “إيرين” فعلتها الأولى فقد ثنَّت بقرار التكتم ومواصلة الاختباء رغم تعقد الموقف وحتمية الكشف، لاجئة بدلًا من المطلوب إلى تحليل حياتها بعينيها الجديدتين في محاولة إيجاد وجه مضيء لذنبها؛ فأنعمت النظر في زوجها وسنوات زواجها وعلاقتها بطفليها ومجتمعها وهدفها من الحياة، كأن هذا ما كان ليحدث لولا الخروج عنه بأقل الصور شرعية؛ كأن هذا أثر الخيانة لا أثر الخوف الذي لازم بطلة رواية “الخوف” من غير إرادة منها ولا طلب.

نرشح لك قراءة: موت فوق النيل: عن رواية سيدة الأدب البوليسي أجاثا كريستي

افتعال القصص

أحد أغلفة الطبعة الألمانية من رواية "الخوف" للكاتب "ستيفان زفايغ".
أحد أغلفة الطبعة الألمانية من رواية “الخوف” للكاتب “ستيفان زفايغ”.

ثمة ملمح أجهل إن كان “ستيفان زفايغ” قصد إليه بما كتب. بالطبع من الواضح أن حقد المبتزَّة على “إيرين” طبقي، هي امرأة فقيرة خبيثة الأصل وآخر شيء قد تفعله هو الإشفاق على غنية ذات وجهين، أو الزهد في ربح سهل، لكنه قد يكون تعمد كونها امرأة بدلًا من رجل ليتهكم من هذا الإيذاء الذي توقعه المرأة على المرأة؛ من هذا الحقد الذي يراه الأعمى، والذي كان واضحًا من ضمن عدة ظواهر كارثية أظهرها تريند التحرش الأخير.

لا أشك في أن جزءًا من دافع المرأة إلى استغلال بطلة رواية “الخوف” كان الاحتقار لكونها امرأة مخطئة؛ إذ الخطأ أحسن هيئة إذا صدر من الرجل؛ أقرب لأن يُقبل سيما من المرأة التي أصل عيشها التعرض للاضطهاد. بالتالي لم يكن مكسبها من “إيرين” أكثره المال، بل الاستعلاء الأخلاقي والشعور بالأفضلية (ولا أخال النهاية تغير من هذا شيئًا).

أما “إيرين”، التي لم تُظهر أي ندم خلال هذه الرحلة المكثفة، وصبت دفقة غضبها الوحيدة على عشيقها لا على نفسها، فإن بي شهوة شخصية إلى تصديق أن رضاها بوضع الابتزاز السخيف والمخيف باستمرار كان للدافع الأول ذاته الذي ابتدأ رواية “الخوف” كلها: حاجتها الطفولية السخيفة إلى الخطورة، نقمتها على السعادة الرائقة ورغبتها المريضة -المميزة لكثيرين من البشر غيرها- في التعكير والتدمير وافتعال القصص المفتقرة إلى مبرر وجودي.

0

شاركنا رأيك حول "ستيفان زفايغ في الرواية القصيرة الخوف يتحدث عن الحاجة السخيفة إلى الخطورة!"