أوليمب دو غوج: من خشبة المسرح الفرنسي إلى تأجيج ثورة باريس!
0

كثيرًا ما نسمع عن إحدى أشهر وأنجح الثورات على مر التاريخ، ثورة أطاحت بأحد أقوى الأنظمة الملكية في القرن الثامن عشر، والتي تُوِّجت بصياغة بيان حقوق الإنسان سنة 1789. نعم إنها الثورة الفرنسية التي كانت ظاهرة على الساحة بأسماء عملاقة، أبرزها أوليمب دو غوج التي ينتحدث عنها اليوم. تكثر الروايات والحديث عن فلاسفة التنوير كديكارت وفولتير وروسو الذين كانوا وراء نشر الأفكار الثورية والإصلاحات الاجتماعية التي أثرت في الفرد الفرنسي؛ خاصة قادة الثورة الذين شكلوا بعد ذلك البرلمان الثوري. وهو الذي كان مسؤولًا عن دراسة أوضاع البلاد ومستقبلها.

والذي كان مكونًا من الجبليين – Les Montagnards والجيرنديين – Les Girondins. وكمعظم الثورات على مر التاريخ، لعبت المرأة دورًا جوهريًا وقامت بتضحيات كبيرة. فقد كان نضالها على جبهتين، وكفاحها مزدوجًا. نضال ضد نظام حكم سائد، وآخر من أجل عدالة اجتماعية تضمن حقوقها وحرياتها. فالمعروف في تلك الفترة افتقار المرأة لكامل حقوقها كمواطنة؛ من تعليم وعمل انتخاب. بل وحتى أنها كانت ممنوعة من ممارسة أي نشاط سياسي.

ما قصة السيدة التي أججت الثورة الفرنسية؟

أوليمب دو غوج

مع ظهور بوادر الثورة، راحت النساء الفرنسيات ينظمن أنفسهن ويثرن ضد ما هو مفروض عليهن من طرف المجتمع، خاصة النساء المتحررات المتعلمات والمفكرات. بداية من حدث مسيرة النساء الباريسيات، إلى فيرساي في 5 و 6 أكتوبر 1789 – La Marche des Femmes sur Versailles، حيث زحفت الآلاف من النساء وحاصرت القصر الملكي لإجبار الملك لويس الرابع عشر وعائلته على الانتقال إلى باريس؛ عاصمة المملكة.

ومن بين النساء اللاتي برزن في تلك الفترة بأفكارهن ونضالهن؛ هي المدعوة أوليمب دو غوج. فمن تكون هذه المرأة التي خلدها التاريخ الفرنسي؟

ولدت ماري غوز -المدعوة أوليمب دو غوج- في 7 مايو 1748 بمنطقة مونتابون بفرنسا في وسط برجوازي. تعلمت القراءة والكتابة وحدها. وفي الـ 17 من عمرها، تزوجت ماري ضد إرادتها من رجل ثري يدعى لويس أوبري يكبرها بثلاثين عامًا. لم يدم هذا الزواج طويلًا، فبعد سنة و مع ولادة طفلها؛ توفي زوجها فرفضت الزواج مرة أخرى لكي تستطيع نشر كتبها بكل حرية. فقد كان ممنوعًا للمتزوجات نشر الكتب وجميع المعاملات الأخرى من دون موافقة الزوج. وبالتالي فعدم الزواج كان الخيار الأفضل أمام هذه السياسة.

أوليمب دو غوج والكفاح الثقافي ضد الظلم

انتقلت أوليمب دو غوج إلى العاصمة باريس وبدأت في كتابة ونشر رواياتها المسرحية في زمن كان فيه المسرح تحت الرقابة الصارمة للدولة من جهة، وكانت تعتبر فيه المرأة المهتمة بالأوساط الدراماتورجية بالعهر من جهة أخرى. فلاقت نجاحات معتبرة. ومع بداية الثورة الفرنسية، طورت أوليمب أفكارًا سياسية واعدة، مقتحمة بذلك عالم السياسة الذي كان حكرًا على الرجال فقط. فراحت تكتب وتنشر رسائلًا وكتبًا سياسية، اقترحت فيها إصلاحات سياسية واجتماعية سابقة لعصرها؛ تستنكر فيها العنف والحروب الأهلية وتدعو إلى التنظيم السياسي والاجتماعي. ولعل أبرز القضايا التي تبنتها الكاتبة، ودافعت عنها؛ هي التمييز العنصري ضد ذوي البشرة السمراء، وأيضًا حقوق المرأة.

كتبت أوليمب مسرحية (عبودية السود) سنة 1784، التي تم قبولها بتردد شديد من طرف المسرح الوطني الفرنسي – La Comédie Française الذي كان ممولًا آنذاك بتبرعات البورجوازية الملكية. كان الهدف الأساسي لهذا العمل هو التنديد بالقدر المحتوم والجائر لذوي البشرة الداكنة. فلسفة إنسانية بحتة خاصة بالأثيرة أوليمب دو غوج في مواجهة السجل الأسود: وهو عبارة عن مجموعة نصوص قانونية خاصة بالجزر التابعة لفرنسا، حيث كان استعباد السكان الأصليين يعتبر أمرًا قانونيًّا.

أوليمب دو غوج

أحدثت ضجة كبيرة في الأوساط الأرستقراطية التي لم تكن تؤمن بالمساواة، وطالت التهديدات بالسجن وحتى الموت. لكنها واصلت ونشرت عدة أعمال أخرى حول المساواة بين السود والبيض، متحديةً ما هو متعارف عليه في المجتمع، ومتجاهلة التهديدات التي طالتها؛ مؤمنة بأفكارها فقط.

مع إعلان البرلمان الثوري عن بيان حقوق الرجل والمواطن، راحت أوليمب دو غوج تندد بشدة إقصاء المرأة كامرأة أولًا ومواطنة ثانيًا. فنشرت الكثير من الرسائل الموجهة لكل من البرلمان والمواطنين، خاصة النساء. حيث تقول في إحدى رسائلها:

أيتها المرأة، انهضي! جرس العقل والمنطق يصدح في كل أنحاء الكون، اعرفي حقوقك.

كتابة أوليمب دو غوج للبيان الأول لحقوق المرأة

ونشرت في عام 1791 البيان العام لحقوق المرأة والمواطنة، ردًا على البيان الأول. محددة فيه حقوق المرأة المهضومة في المجتمع، إضافة إلى الحقوق السياسية التي كانت حكرًا على الرجال. وتوجهت بالبيان مباشرة إلى الملكة ماري أنطوانيت، وهو بيان وصل صداه جميع أنحاء البلد وترك انطباعًا كبيرًا في الأوساط الشعبية؛ خاصة النسائية منها. إضافة إلى ذلك فقد ناضلت من أجل إصلاحات لتنظيم الأسرة، كإلغاء الزواج الديني واستبداله بعقد قانوني. وأيضًا الاعتراف بالأطفال المولودين من علاقة خارج إطار الزواج، وكذلك بناء مصالح توليد وأمومة.

أوليمب دو غوج - بيان حقوق المرأة

في عام 1793 ومع تأزم الوضع وزيادة موجات العنف ضد المواطنين والمعارضين، كتبت أوليمب دو غوج رسالة عارضت فيها سياسة البرلمانيين واتهمتهم بالهمجية. رسالة كنت كفيلة لصعودها إلى المقصلة. ففي الثاني من نوفمبر 1793 تم استدعاءها أمام المحكمة بتهمة معارضتها للقرارات الثورية والتي تعتبر خيانة؛ فحكم عليها بالإعدام وتم تنفيذ الحكم في نفس اليوم. لتخمد بذلك شعلة علم ومعرفة وتفكير ونضال.

لم تتوقف عن الدفاع عن أفكارها متبنية قضايا شعبها ووطنها. تركت خلفها أفكارًا بُنيت عليها المجتمعات الحديثة. وكانت من السباقات اللاتي ناضلن من أجل حقوق المرأة. فلعبت أفكارها دورًا عظيمًا في بلورة الوعي السياسي والتحرري للمرأة الفرنسية التي تابعت نضالها من أجل المساواة. تكاثفت الدراسات حول أعمالها مع بروز بوادر الحركات النسوية بعد الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1993، تجمع العديد من المفكرين أمام البانثيون بباريس من أجل إحياء الذكرى المئتين لإعدامها.

0

شاركنا رأيك حول "أوليمب دو غوج: من خشبة المسرح الفرنسي إلى تأجيج ثورة باريس!"