الليبرالية والاشتراكية: كبسولات سياسية سهلة البلع!
3

في الجزء الأول من سلسلة المصطلحات السياسية تطرقنا إلى مصطلحات مثل الفاشية، النازية، البلشفية، وغيرها. وفي الجزء الثاني من السلسلة سنتطرق لبعض المصطلحات الأخرى مثل الليبرالية والاشتراكية يا رفاق!

الليبرالية

يعتبر مصطلح الليبرالية من أشهر المصطلحات التي تتردد على مسامعنا وجدير بالذكر أنه مصطلح قديم يرجع استخدامه للقرن الرابع عشر. فضلاً عن أنه يتمتع بتنوع كبير من حيث تفسيراته ومعانيه المتداولة. يعود تاريخ المصطلح إلى الكلمة اللاتينية – Liber، والتي استخدمت في هذه الفترة للإشارة إلى الرجال الأحرار الأرستقراطيين. وكانت تفهم بمعانٍ مختلفة في سياقات اجتماعية. فكانت تعني في سياق اجتماعي الانفتاح، وفي سياق آخر تعرف بأنها، حرية الاختيار.

الليبرالية

لكن الليبرالية بمعناها السياسي والأيديولوجي لم تتبلور بشكلها المعروف حاليًا إلا في بداية القرن التاسع عشر. فظهرت لأول مرة في إسبانيا عام 1812، وفي مطلع الأربعينيات من نفس القرن شاع استخدام المصطلح في ربوع أوروبا على أنه مصلح مرتبط بالعمل السياسي. وقد أطلق الويجيين -الأحزاب السياسية في إنجلترا- على أنفسهم لفظ الليبراليين. ولكن لم يدخل المصطلح الحياة السياسية إلا عام 1868 بعد تولي جلادستون مقاليد الحكم في إنجلترا[1].

تعريف الليبرالية

هو مذهب وأيدلوجية سياسية تستهدف حماية وتعزيز حرية الفرد باعتبارها مشكلة مركزية في السياسة. بالإضافة إلى السعي إلى ابتكار نظام يمنح الحكومات السلطات اللازمة لحماية الحياة الفردية.

فلسفة الليبرالية

تدور فلسفة الليبرالية حول الولاء للفرد، وتوفير أساسيات مجتمعية يستطيع الفرد من خلالها تحقيق مصالحهم، وإشباع احتياجاتهم. وتؤمن الليبرالية بمركزية الإنسان، بمعنى أنه الكائن الوحيد الذي يمتلك العقل. ما يعني أنه يجب أن يتمتع بكامل الحرية بشكل متناغم مع حريات الآخرين. بالإضافة إلى وجود نوع من الحقوق السياسية والقانونية والاجتماعية وغيرها. ولكن يجب أن تتم مكافأة الأفراد بناءً على قدرتهم على العمل والإنتاج، والمواهب التي يملكونها. كما تقوم على انتقاد مبدأ السلطة المطلقة -الحق الإلهي- والثورة على الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحصل عليها طبقة دون عن غيرها[2].

أنواع الليبرالية

لقد أطلق على القرن التاسع عشر قرن الليبرالية حيث بدأت مبادئ الأيدلوجية الليبرالية تتوسع في الانتشار وتتداخل في جميع مناحي الحياة. حيث بدأ الاقتصاد يتحرر من سيطرة الحكومة.

وفي هذا الصدد تنقسم الليبرالية إلى عدة أنواع يمكن ذكرها كالتالي:

الليبرالية الكلاسيكية

تعتبر الليبرالية الكلاسيكية أقدم تقاليد الليبرالية وقد نتجت الكلاسيكية من تطور النظام الفيودالي -نظام إنتاجي يقوم على الزراعة ويمتاز بوجود نوع من الطبقية- وصعود الرأسمالية. وقد تبلورت معالمها بوضوح في القرن التاسع عشر، وأطلق عليها ليبرالية التصنيع حيث ظهرت في توقيت الثورة الصناعية. وكانت واضحة المعالم في الدول الأنجلوساكسونية.

وتتمثل أهم ملامح الليبرالية الكلاسيكية فيما يلي:

  • الأنانية الفردية: وهذا ينبع من إيمانهم بالقدرة الفردية لكل البشر وقدرتهم على تحقيق الاكتفاء الذاتي.
  • مبدأ الحرية السلبية: أي أن الإنسان حر بالقدر الذي فرضته عليه القوانين والحقوق والنظام داخل الدولة، أو دون وجود قهر يمارس عليهم من الآخرين.
  • الدولة شر لا بد منه: أي أن وجود الدولة لا بد منه لأنها تضع الخطوط التنظيمية للمجتمع، ولكنها بذات الوقت شر لأنها تفرض قيودًا على الأفراد ما يقيد حريتهم الفردية.
  • المجتمع المدني هو مجال الحرية، مقابل الدولة التي تعتبر مجال القهر: وذلك للدور الإيجابي الذي يلعبه المجتمع المدني مقابل الدولة[3].

الليبرالية الحديثة

 تعتبر الليبرالية الحديثة أو النيوكلاسيكية، هي الوجه الجديد لليبرالية التي ظهرت في القرن أربعينات القرن العشرين. كان ظهورها يمثل التيار المضاد لبعض أفكار الليبرالية التقليدية مثل:

  • اتجاهها نحو تعظيم الدولة، وترسيخ مبدأ الدولة الضخمة، على عكس الليبرالية الكلاسيكية التي عادت الدولة واعتبرتها شرًا لا بد منه.
  • اتجهت نحو العولمة الاقتصادية حيث أخذت توجهًا أصوليًا تجاه السوق، واعتبرته منفصلًا عن الدولة، ويملك صلاحيات كبيرة،
  • ركزت بشكل أكبر على البعد الاقتصادي وربطه بحرية الفرد، وذاع صيتها إلى خارج حدود الدول الأنجلوسكسونية.

الليبرالية

الليبرالية الحديثة

ارتبط ظهور الليبرالية الحديثة بتطور حركة التصنيع في أوروبا، خلال القرن العشرين، وكانت ذات طابع اجتماعي بالأساس، ولها خصائص يمكن ذكرها كما يلي:

  • البعد عن تمجيد القيم الفردية واستبدالها بقيم جماعية.
  • الحرية الإيجابية، والتي تؤمن بقدرة الفرد على تحقيق غاياته والارتقاء بمهاراته بحرية تامة. في ضوء وجود ما يعرف بالدولة التمكينية التي تحمي حقوق المواطنين وتحقق العدل والمساواة.
  • الاعتراف بفضل الرفاهية الاجتماعية، أي أنهم آمنوا بوجود فوارق اجتماعية وطبقية ناتجة عن تحقيق مفهوم الحرية الإيجابية. ولكن دور الدولة هنا الاهتمام بالفقراء من أجل تحقيق التوازن بين عناصر المجتمع المختلفة.

الليبرالية في القرن الحادي والعشرين

بعد انهيار الشيوعية وخروج نظام عالمي جديد، تم تبني نموذج الليبرالية الديمقراطية كأنه الخلاص لكل الأنظمة السياسية حول العالم. وبدأت حركة واسعة نحو التحول الديمقراطي في الانتشار في الدول التي كانت تتبنى النظام الاشتراكي، والدول النامية. حيث ذهب العديد من المؤرخين لاعتبار القرن الحادي والعشرين قرن الليبرالية العالمية، حيث تم الترويج لمبادئها بشكل جيد؛ ما جعل العالم يتصور أنها النظام الوحيد أو الأيدلوجية الوحيدة القادرة على تحقيق مصالحه واحتياجاته[4].

الاشتراكية

المصطلح الثاني الذي سيتم تناوله هو الاشتراكية.

يعود المصطلح إلى الكلمة الإنجليزية – Socialist، المأخوذه من اللفظ اللاتيني Sociare، الذي يعني يشترك أو يضم. بدأ أول استخدام لهذا المصطلح في الربع الأول من القرن التاسع عشر في أحد أعداد المجلة التعاونية بإنجلترا، ثم تناقل المصطلح في أربعينيات القرن التاسع عشر في العديد من الدول مثل فرنسا وبلجيكا، وألمانيا. وقد عرفت الاشتراكية كأيدلوجية تحاول تحسين الحياة القيمية والاجتماعية للأفراد.

تعريف الاشتراكية

هي عبارة عن أيدلوجية سياسية واقتصادية تتميز بالملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، والإدارة المشتركة للاقتصاد، وقد تتمخض عنها فلسفة سياسية تدافع عن هذا التوجه[5].

فلسفة الاشتراكية

اشتهرت الاشتراكية بعدائها للنظام الرأسمالي، النظر إلى الكائنات البشرية على أنها تقع في قلب الاشتراكية من حيث الاهتمام. فتنظر لها على أنها كائنات اجتماعية تجمعها الإنسانية المشتركة.

الاشتراكية

ترفض بناء المجتمعات على أسس طبقية -الملكية العامة- تكفل الاشتراكية معتنقيها حرية الدين والعقيدة، وتؤمن بحرية اختيار الأفراد في حدود المعرفة، نمط الحياة، التعليم، النظام الصحي، الزواج وغيرهم.

صور الاشتراكية

وانقسم مؤيدو الأيديولوجية الاشتراكية من حيث الأهداف والغايات إلى ما يلي[6]:

الاشتراكية الثورية

  •  فقد كانت الاشتراكية الثورية نتاج الأفكار التي تبناها الاشتراكيون الأوائل من حيث إيمانهم بأن النظام الاشتراكي لا يمكن ترسيخه في الدول إلا في بعد قيام ثورة يكون العنف سمة رئيسية لها. وكان أوجست بلانكي أول من تبنى وجهة النظر هذه، حيث دعى إلى ضرورة تكوين مجموعة من الأفراد للقيام بالثورة التي ستطيح بالنظام الحاكم وترسخ للنظام الاشتراكي.
  • كما سعت الاشتراكية الثورية إلى شحن الجماهير بالعداء ضد الرأسمالية وما ترتب على فرضها من فقر وتدهور حالة صغار الصناع.
  •  كان الاشتراكيون الثوريون ينظرون للدولة على أنها أداة لقمع الأفراد في سبيل حماية رأس المال.
  •  كانوا يؤمنون بأن الاقتراع العام ما هو إلا ستار تستخدمه الدولة من أجل إخفاء سوءها وسعيها في حماية رأس المال.

الاشتراكية التطورية

ظهرت الاشتراكية التطورية بعد انتهاء القرن التاسع عشر بعد أن فقدت القوى الشعبية إيمانها بحتمية الثورة من أجل ترسيخ الأنظمة الاشتراكية، خصوصًا في دول أوروبا الصناعية، وكان لها بعض المبادئ يمكن ذكرها كالتالي:

  • اتسمت الاشتراكية التطورية بتعميم نظام الاقتراع العام فقد اشتمل النساء والطبقات العاملة.
  • يرون أن الانتخابات وأنظمة الاقتراع ستؤدي إلى تولى الطبقات البسيطة مقاليد الحكم في الدولة باعتبارها الأكثر من حيث العدد.
  •  آمنوا بضرورة وجود أحزاب سياسية تمثل الأفكار الاشتراكية وتساعد على نشرها في مقابل غيرها من الأفكار.

الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين

يرى البعض أن الإيدلوجية الاشتراكية قد عفا عنها الزمن وقد انتهت من كل الأنظمة السياسية حول العالم، إلا أن هنالك البعض الآخرون ممن يرون أن الأنظمة الاشتراكية التي نجت وما زالت موجودة حتى الآن مثل؛ (الصين – كوبا) كان بفضل وجود الأحزاب الشيوعية وبفضل استعدادها لإدخال نوع من الإصلاحات على السوق.

الاشتراكية

بالإضافة الى إمكانية التخلي عن بعض مبادئها الأساسية، وهذا لا يعني زوالها بشكل كامل، بل أن هذه مجرد تفسيرات. حيث أن الحاجة للاشتراكية تعاود الظهور كلما فشلت الليبرالية في تحقيق أهداف المجتمعات، وهذا يعني إمكانية عودتها مرة أخرى، ولكن الشكل الذي ستعود به غير معلوم.[7]

وبهذا نكون تطرقنا الى التعريف بأيدلوجيتين (الليبرالية – الاشتراكية)، وهنالك العديد من الأيدلوجيات التي تتقاطع معهم أو تتماشى معهم، سيتم التطرق لهم في مقالات قادمة.

كل ما عليكم هو ترك تعليقاتكم وأسئلتكم حول مصطلحات أخرى تريدون معرفتها، أو حتى دول تريدون تحديد أيدلوجية الحاكم بها.

المراجع 

[1]  مدخل إلى الايدلوجيات السياسية، محمد صفار (مترجم)، المركز القومي للترجمه، 2012.

[3] A. Arblaster, The rise and decline of western liberalism, Oxford University, 1984.

[4]  M. Ramsy, What is the wrong with liberalism, London University Press, 1997

[5]  https://www.britannica.com/topic/socialism

[6]  https://www.iqtp.org/?p=15046

[7] سلامة موسى، الاشتراكية، مؤسسة هنداوى للطبع والنشر، 2011.

3

شاركنا رأيك حول "الليبرالية والاشتراكية: كبسولات سياسية سهلة البلع!"