كورونا أضعف من قبل
0
بعد ظهور فيروس كورونا المستجد في الصين، كانت إيطاليا بؤرة المرض الجديدة في العالم، متخطية إجمالي عدد وفيات وإصابات الصين نفسها، الدولة الأولى التي ظهر فيها الوباء. حصد كوفيد-19 في إيطاليا ما يزيد على 33 ألف حالة وفاة وأصاب 233 ألف شخص، حسب التقديرات المعلنة، فكان الوباء فتاكًا في إيطاليا أكثر منه في الصين. أما الآن، ومع رفع إيطاليا لإجراءات الحجر الصحي التي استمرت لفترة طويلة من معاناة الدولة مع الوباء، ثمة عدد من الأطباء الإيطاليين يرجِّحون أن الفيروس يفقد براثنه المميتة مقترحين أنه تحوَّر ليصير أقل فتكًا من ذي قبل، فما حجتهم في ذلك؟ وهل فرضيتهم صحيحة؟

مناعة القطيع: عندما تصبح أرواح البشر ضريبة القضاء على جائحة كورونا

احتمالية تحور الفيروس

يقول الدكتور مارك كاميرون، الأستاذ المساعد في علوم الصحة الكمية والسكان في كلية الطب في جامعة كايس ويسترن ريزرف: «إن تغيُّر وتحوُّر الفيروسات التي تتجول في المجتمع أحد القواعد الذهبية لعلم الفيروسات». يقول الدكتور كاميرون أن الفيروسات تتحور كي تنجو في المجتمع، فإذا كان الفيروس مميتًا بدرجة عالية، فإنه سيميت كل أفراد العائل الذي يضمن دورة حياته، وبالتالي يحكم على نفسه بالفناء. أما النسخة الأضعف من الفيروس، تضمن لنفسها التجول من فرد لآخر دون أن يموت العائل.

لكي نفهم تحوُّر الفيروسات جيدًا، علينا الرجوع إلى طبيعة الفيروسات ككائنات طفيلية. تتكون الفيروسات من غلاف من البروتين، ومادة وراثية تتكون من الحمض النووي الريبوزي منزوع الأكسجين DNA أو الحمض النووي الريبوزي RNA. تشفِّر المادة الوراثية لأبسط الفيروسات 4 بروتينات، وتشفِّر المادة الوراثية لأعقدها بين 100 إلى 200 بروتين. قد يُحاط الفيروس بغلاف آخر من الدهون. تعمل الرؤوس البروتينية على سطح الفيروس على الارتباط مع الخلايا الحية، لتضمن اندماج المادة الوراثية للفيروس مع المادة الوراثية للعائل، وتصنع نسخًا أخرى من الفيروس أثناء انقسام الخلية.

خلال تلك العمليات المختلفة من الانقسام وصناعة المواد الوراثية، يتحور الفيروس بتغيُّر مادته الوراثية، وتغيير المادة الوراثية للعائل. قد تؤدي الطفرات الحادثة بالفيروسات إلى سلالات أشد فتكًا من السلالات السابقة، وقد يؤدي إلى سلالات أضعف، وربما لا تؤدي الطفرة إلى تغيُّر في البروتينات التي تشفِّر لها المادة الوراثية، وبالتالي تكون طفرة محايدة.

ولكن، على الرغم من حقيقة تحوُّر الفيروسات، تأخذ تلك العمليات لتظهر على سلوك الفيروس أجيالًا ليضعف الفيروس. ليس كورونا المستجد الفيروس الأول من نوعه في عائلة فيروسات كورونا، فإن السلالات السابقة التي سببت وباء السارس عُرفت بثباتها الشديد، وتغيُّرها بمقدار ضئيل للغاية على مدار الزمن. وعلى الجانب الآخر، فقد حلل الباحثون من جامعة أريزونا عينات فردية من الفيروس ووجدوا فيه تغيرات جينية كبرى.

نظرة على تصريحات أطباء إيطاليا

«وصل المرضى إلى غرف الطوارئ في مارس وأبريل، مصابين بمتلازمة تنفسية حادة وفشل متعدد الأعضاء، واحتاجوا تدخلًا عاجلًا بالتنفس الصناعي والأكسجين، لقد مات عدد من هؤلاء المرضى خلال يومين أو ثلاثة أيام. أما الآن، في الأسابيع الأربعة أو الخمسة الأخيرة، تغيَّر الوضع تمامًا؛ إن المرضى الآن من نفس الأعمار السابق ذكرها، ومنهم كبار السن، ولكنهم يأتون بمرض طفيف عن المرضى من ست أسابيع ماضية».

الطبيب الإيطالي ماتيو باسيتي، مدير عيادة الأمراض المعدية في مستشفى سان مارتينو في غينوا

على نقيض ما قاله باسيتي، يحذّر مسؤولو الصحة العامة في إيطاليا والأطباء في منظمة الصحة العالمية من غياب أي دليل على مزاعم تحوُّر الفيروس إلى سلالة أضعف، مطالبين الأطباء على مستوى العالم بالاستمرار في التعامل مع الفيروس بمنتهى الجدية والحذر.

لن يتمكن الأطباء من تأكيد أو نفي فرضية ضعف الفيروس، إلا بمقارنة المسحات المأخوذة من المرضى، ورسم التسلسل الجيني، ومقارنتها مع أعراض المرضى المأخوذ منهم المسحات. وعلاوة على ذلك، فإن تحوُّر سلالة ما من الفيروس، لن يمنع السلالات الأخرى الخطيرة من الانتشار والتسبب بالمرض. تنجو سلالات الفيروسات في استقلال عن بعضها، فالإنفلونزا على سبيل المثال تفاجئنا كل عام بسلالة جديدة منتشرة في المجتمع، ولهذا السبب يصعب على الباحثين إنتاج لقاح واحد للإنفلونزا، ويحتاجون إلى لقاحات مختلفة كل عام.

لذلك، ليست تلك أخبارًا سيئة بالكامل، فلكي يتمكن الباحثون من تطوير اللقاح المناسب لكورونا المستجد، عليهم التعامل مع فيروس مستقر غير متحوُّر، فالتحوُّر يعني فشل المحاولات القائمة لتطوير اللقاح والبدء من جديد، كما يحدث مع الإنفلونزا.

كورونا وتقبل الذات: كيف تتأقلم مع التأثيرات النفسية للمرض؟

الأسباب المحتملة لتلك الملاحظات

لم يكن الطبيب الإيطالي ماتيو باسيتي وحده قائلًا بهذا الرأي، يقول الأطباء من المركز الطبي بجامعة بيتسبرغ إن المصابين بكوفيد-19 لا يعانون من أعراض بنفس حدة المرضى السابقين، وأن فحوصات المصابين تُظهر حمولة أقل من الفيروس في أجسامهم، وطبقًا لتصريحاتهم، فإن عدد المرضى الذين يحتاجون إلى التنفس الصناعي في انحسار أيضًا.

يقترح الطبيب أميش أدالجا، طبيب الأمراض المعدية والباحث المخضرم في جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة، أن التغيُّر في سلوك فيروس كورونا قد يرجع إلى عوامل أخرى بخلاف التحوُّر الجيني وضعف الحدة. ويرجع السبب الرئيس في ملاحظات الأطباء أن الدول ضاعفت من عدد الاختبارات لتشخيص كورونا عن تلك التي وجدت في بداية الوباء. وبمضاعفة عدد الاختبارات، يُشخَّص عدد أكبر من المصابين بالفيروس، وهذا يعني عددًا أكبر من المصابين بأعراض طفيفة وحمولة منخفضة من الفيروس في الجسم.

من المتوقع أيضًا أن ضعف حدة الأعراض وتناقص الحمولة الفيروسية في الفحوصات، إنما يرجعان إلى ارتفاع الوعي بأهمية التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات الوقائية وغسل اليدين باستمرار، أو إلى اتباع الإجراءات الوقائية والحجر الصحي بصفة عامة. فمع ارتداء الكمامات والتباعد الاجتماعي، تقل بالطبع كمية الفيروس التي يمكن أن ينقلها فرد مصاب إلى فرد آخر سليم، ومع تقليل حمولة (كمية) الفيروس المنقول إلى الشخص الصحيح، تقل حدة أعراضه وتقل حدة المرض، على عكس التعامل دون ارتدائها ودون الالتزام بالتباعد الاجتماعي. فربما يفسِّر ذلك ضعف حدة الفيروس لدى المصابين الجدد عن المصابين في بداية انتشار الجائحة.

قد يرجع سبب الانخفاض في حدة أعراض المصابين إلى التغيُّر في الظروف المناخية. إذ تلعب العوامل البيئية مثل الحرارة والأشعة فوق البنفسجية والرطوبة عاملًا في التقليل من تواجده على الأسطح والتقليل من احتمالية الإصابة به. ولكن تلك الفرضية بحاجة إلى مزيد من الأبحاث هي الأخرى، فالحرارة في دول أمريكا الجنوبية مرتفعة ولكن تلك الدول أصبحت بؤرة جديدة للمرض.

المزيد من الأبحاث العلمية

لا يشكك العلماء في صحة ملاحظات الأطباء عن زيادة المرضى ذوي الأعراض الطفيفة، ولكن تلك الملاحظات لا تفضي بنا إلى الزعم بضعف الفيروس أو التهاون معه بأي حال من الأحوال. نحتاج إلى المزيد من الأبحاث العلمية لإثبات أي فرضية مطروحة من عدمها، يحتاج الباحثون إلى النظر في خصائص المرض لدى المرضى الذين أصيبوا في بداية انتشار الجائحة والمرضى المصابين الآن للتعرُّف على الاختلافات ووضع النظريات عن سبب تلك الاختلافات إن كانت موجودة.

الموجة الثانية من فيروس كورونا والشتاء، هل العالم مستعد لما قد يحصل؟

0

شاركنا رأيك حول "هل أصبح كورونا أضعف الآن من بداية انتشاره فعلًا؟"