0

نيكولا تيسلا، واحد من أعظم العقول التي عرفتها البشرية على مرّ العصور، إن لم يكن الأعظم، فهو لم يكتفِ باختراعه لنظام التيار الكهربائي المتناوب والذي نعتمد عليه بشكل أساسي في حياتنا اليومية، بالإضافة إلى اختراعاته في مجال التواصل اللاسلكي.

وبما أن الكمال لله وحده -عز وجل- فكان لا بد لهذا العقل العظيم أن يمتلك بعض المشاكل الخاصة به، فعلى خلاف توقعاتنا عندما نسمع عن رجل بمثل هذا الذكاء، بأن تكون حياته بأكملها رغيدة جميلة هانئة، فهو عبقري أولاً وأخيراً، إلا أن تيسلا خيب ظنوننا في هذه النقطة، فالعقل الذي تفوق على معظم عقول البشرية في الاختراعات العلمية، توقف عند بعض المشاكل التي كان من الممكن تجاوزها ببعض الإرادة، فلنرى الآن مما كان يعاني صاحبنا العبقري.

عائلة بأمراض عقلية

تيسلا

لا ذنب لنيكولا في هذه النقطة، لكن وجب ذكرها فهي واحدة من نقاط ضعف عقله.

وُلد نيكولا في عائلة مليئة بالأمراض العقلية، وقد علمنا ذلك من خلال مذاكرته والتي تشير بشكلٍ واضح وصريح بأن كلاً من والده وشقيقه كانا غير مستقرين على المستوى العقلي.

فوالد نيكولا كان يحب التحدث إلى نفسه، ويكون دائماً في نقاش محتدم مع نفسه، حتى أن نبرة صوته تتغير اعتماداً على الحجج التي ينطق بها، حيث يمثل شخصيات عدّة يجادل إحداها الآخر ويصل به الأمر إلى الاحتدام الشديد مع نفسه.

أما شقيقه، فكان يعاني من الهلوسات، ولكن حياته القصيرة لم تسمح له بتجربة مشاكل عقله الأخرى، فتوقف عند هذا الحد، ففي أحد الأيام، هوجم والد نيكولا من قبل الذئاب وهو يركب على فرسه، فما كان من ذاك الحصان إلا أن أسقط صاحبه وبدأ بالركض نحو المنزل، وعند المنزل كان تيسلا وشقيقه بانتظار والدهما، في هذه الأثناء، شاهد نيكولا شقيقه يدهس تحت نعلي الحصان الخائف، ما سبب له الرعب في معظم أيام حياته المقبلة.

 أبو نواس: قراءة في سيرة شاعر المجون

الهلوسة!

تيسلا

وبعد موت شقيق نيكولا، انتقلت الهلوسات إلى نيكولا على ما يبدو، حيث كان يرى ألسنة من الأضواء واللهب في عينيه بشكل دائم، وكان يظن نفسه يعيش وسط أشعة من اللهب الدائم الاشتعال.

وصلت الهلوسة به إلى تخيل الأشياء التي يتحدث عنها الآخرون، فعندما يتحدث معه أحد الأشخاص ويذكر شيئًا معينًا، يتخيله نيكولا على الفور، بحيث لا يدرك إذا كان هذا الشيء الذي يراه أمامه حقيقة أم خيال، مما كان يسبب له التعب والإجهاد أثناء قيامه بمحادثات مطولة مع أحد أصدقائه، ويصبح مشتت الذهن غير قادر على التركيز بشكل كامل.

ازدادت هلوساته مع تقدمه بالعمر، ولكنها بشكل آخر أفادته، حيث كانت سبباً في عبقريته على ما يبدو، فمع ألسنة اللهب الي كان يراها، أصبح يرى صورًا لم يكن يتخيلها، واحدة من هذه الصور، كانت صورة استلهم منها تصميم مولد التيار المتناوب، والتي رسمها فوراً خوفاً من نسيانها.

رسائل فضائية

تيسلا

في أثناء فحصه لأحد الأجهزة التي كان يخترعها بكثرة، استقبل تيسلا رسالة من الفضاء الخارجي، كانت الرسالة عبارة عن نمط متتالي، وكأن شخصاً في الفضاء الخارجي كان يعد الأرقام أو يقوم بشيء يشبه تتالي الأرقام.

حاول تيسلا تفسير تلك الرسالة بطرق غريبة، لكنه اقتنع أو أقنع نفسه على ما يبدو، أنه اعتراض تواصل بين الفضائيين، وأن الرسالة كان مضمونها “واحد، اثنان، ثلاثة..” حتى أنه راسل الصليب الأحمر بهذا الاكتشاف. أثارت هذه الرسالة الرأي العام في ذاك الزمن، اعتقد البعض -وهم كثر- على أن عقل تيسلا العظيم أودى به إلى الجنون لا محالة.

عدم النوم

تيسلا

ادعى تيسلا بأنه لم ينم طيلة حياته أكثر من ساعتين متتاليتين في اليوم، ويُروى أنه عمل في أحد الشهور 84 ساعة متواصلة من دون أي انقطاع ولو لراحة، كان يقضي طيلة لياليه في معمله، يقوم بتجارب تمنعه من النوم وتمنع جيرانه منه أيضاً، حتى وصل بهم الأمر إلى إخبار الشرطة عن إزعاجاته المتكررة.

مساعدو تيسلا في المخبر، أنكروا قصة الساعتين من أساسها، وقالوا أنه كان يتمتع ببعض النوم أثناء عمله، ولكن ليس بذلك النوم الصحي الذي يجب على الإنسان أن ينامه، ناهيك عن حالات الانهيار التي كانت تصيبه في أثناء عمله من شدة تعبه، إذا كنا سنحسبها من ضمن أوقات الراحة الخاصة به. جسد تيسلا لم يكن يتحمل ذاك الكم الرهيب من العمل الذي يجبره على القيام به عقلُه على ما يبدو، فكان يسقط مغشياً في معظم الحالات.

الخوف من لمس الآخرين

تيسلا

من دون أي مبالغة، تيسلا كان يعاني من خوف من الجراثيم والتي شلّت حياته بكل معنى الكلمة!

فالرجل كان يشعر بشيء من عدم الارتياح عندما يتواصل جسدياً مع أي كائن حي آخر، ووصل به الأمر إلى حد الاشمئزاز في حال لامس شعر إنسان آخر، ولم يتوقف عند هذا الحد، بل كان يسقط طريح الفراش في حال رأى أحدهم يضع الأقراط أو الحليّ بشكلٍ عام.

امتد معه هذا الهوس من الجراثيم إلى المرحلة التي أصبح يضع بها القفازات من أجل أن يتجنب أن يلمس جلده جلد من يصافحه، وعندما تحدث مصادفةً ولا يرتدي القفازات ويصافحه أحدهم، يذهب من فوره إلى غسل يديه عدة مرات.

أرجع تيسلا السبب في كل هذا إلى عمله، فقد أمضى بعضاً من الوقت وهو يشاهد الجراثيم التي تعيش في الماء وفي الهواء تحت المجاهر مما جعله غير مرتاح أبداً في حياته، وقد كتب في مذاكرته يقول: “لو أمكنك مشاهدة المخلوقات الرهيبة لبضعة دقائق، لن تشرب مياهاً غير مغلية أو معقمة أبداً”.

حسناً، وكما يقول أجدادنا القدماء، كل شيء يأتي بحسبان!

تيسلا والويسكي

تيسلا

لم يمر واحد على صديقنا العبقري إلا وكانت كأس الويسكي في يده بين حين وآخر، لم يكن مدمناً على الكحول فقط، بل كان يعتقد أنه وجد سر الصحة المثالية، وماذا سيكون برأيك غير الخمر بالطبع؟

تيسلا واحد من أولئك الرجال الكثيرين الذين يظنون أن هناك ارتباط وثيق بين الخمر والحياة، أن تشرب كثيراً يعني أنك ستعيش طويلاً، بالإضافة إلى كمية الطاقة الرهيبة التي يمدك بها الشراب الرائع على حدّ وصفه.

عندما حظرت الولايات المتحدة الأمريكية الخمر وشربه علناً، لم يتقبل صاحبنا الأمر، بل إنه عارضه بشدة، واتهم الحكومة بأنها تتآمر لكي تقلل من عمره وسنواته التي سيعيشها، وحاول بشتى الطرق لمنع هذا الحظر عن الخمر.

ثنائية الرغبة والخوف: كيف تشكل أفكارك عن العالم؟

شعاع الموت

تيسلا

في الثلاثينات من القرن الماضي، تغيرت أحوال تيسلا المادية للأسوأ، فمن خلال قيامه ببعض الصفقات واشتراكه مع بعض الشركاء النصّابين الذين تركوه على حافة الإفلاس. أصبح تيسلا يقضي لياليه متنقلاً بين الفنادق، لعدم تمكنه من دفع إيجار منزله.

في أحد تلك الليالي، لم يكن لدى تيسلا أي مال من أجل الدفع، لكنه أعطى الفندق الذي أقام فيه ما هو أثمن من المال، أعطاهم شعاع الموت، والذي يساوي 10 آلاف من الدولارات الأمريكية، والذي يقتل أي شيء أمامه في حال فتحه من خلال شخص غير مخوّل بفتحه، اعتماداً على وصف نيكولا.

صاحب الفندق تقبل الشعاع عوضاً عن المال لإحدى سببين، إما لأنه صدق أن الشعاع فعلًا يساوي الكثير من المال، أو لأنه لم يرد الشجار مع شخص يحمل شعاع الموت معه في أثناء سفره، فعليك أن تكون حذراً مع من تتعامل معه في تلك الأيام.

في عام 1943، وبعد وفاة نيكولا، أرسلت وكالة المباحث الفيدرالية فريق تحقيق لجمع جميع أموال وممتلكات نيكولا، وكان من بينها شعاع الموت، على ما يبدو أن الوكالة تعاملت مع تهديد تيسلا بشكل جديّ جداً، حيث تم فتح الصندوق تحت جميع أنواع المراقبة والاحتياط، فلا تعلم ما قد خبّأه تيسلا في هذا الصندوق، في النهاية كان الصندوق فارغاً، إلا من عصا كهربائية على ما يبدو.

وقع في الحب!

تيسلا

نعم ما قرأته في العنوان صحيح، لم يؤمن بالزواج ولا بالحب واعتقد أنها أمور تلهيه عن أمور من الأهم لعقله أن يعمل عليها، لكنه وقع في الحب أخيراً، لكن للأسف مع حمامة!

كانت حمامة جميلة، الأبيض النقي لونها، مع القليل من الرمادي على جناحها، يميزانها عن مثيلاتها. هكذا وصف نيكولا عشيقته وحبيبته الغالية.

الحمامة أيضاً بادلته الحب على حدّ زعمه، فكانت تلحق به في جميع أوقاته، وإن نادى باسمها تحضر فوراً، وعندما مرضت الحمامة، كان العاشق هناك لأيام متتالية يقوم على راحتها ويوفر لها أسباب الشفاء، لكن الحياة القاسية شاءت إلا أن تفرق بين المحبين، فجاء اليوم الذي خاف منه تيسلا على الدوام، حيث أصاب الحمامة ما يحتم عليها أن تموت في نهاية المرض، جاءت وقد وقفت على النافذة، كانت تودعه وتلقي عليه النظرة الأخيرة، ألا يذكرك هذا المشهد بشيء؟ نعم لقد أبدع ليوناردو ديكابريو وكيت وينسلت في تمثيل هذا المشهد بشكل رائع أيضاً.

عُثر على نيكولا تيسلا من قبل عاملة نظافة في أحد الفنادق، وحيداً، لا يريد التحدث مع أحد، بعد هذه الحادثة بأيام.

على ما يبدو، كانت حياة نيكولا تيسلا مليئة بالعلم والتجارب والاختراعات، كما كانت حياته غير عادية بشكل كبير، عاش حياته كما أراد، أو كما أراد عقله. في النهاية لكل شيء في هذه الحياة، الكثير من الجمال وقليل من القبح، تيسلا حاول إظهار هذا القبح في عقله بكل أريحية ومن دون إخفائه كما يحاول الكثير منا.

0

شاركنا رأيك حول "ما وراء جنون تيسلا.. رسائل فضائية وشعاع موت وحبٌّ غريب!"