شارلوك هولمز
0

تبهرنا تلك القصص المفعمة بالحيوية والمغامرة والغموض، وتستهوينا رغبة القراءة بشغف عندما نمسك كتاباً يحكي عن قصة جريمة غير قابلة للحل، وكم نحلم أن نكون نحن ذلك البطل الذي يتصدى لحل خيوط الجريمة الغامضة، فنقبل باهتمام لقراءة كافة التفاصيل الخاصة بهذه الجريمة ونبدأ بالتحليل لكل خطوة في محاولة للتنبؤ بأفعال بطل قصتنا.

هذا ما تفعله بنا قصص شارلوك هولمز عندما نقرأها، أو عندما نشاهدها في الأفلام والمسلسلات الكثيرة التي قدمت قصصه منذ تأليف هذه الشخصية وحتى يومنا هذا.

ولكن هل فكرنا يوماً في التعرّف على مؤلف هذه الشخصية؟ وتاريخ وجودها في عالم الأدب؟

لماذا تجذب شخصية شارلوك هولمز النسبة الأكبر من المراهقين والشباب؟

اقرأ أيضًا: أشهر الروايات البوليسية -الجزء الثاني

ميلاد شخصية شارلوك هولمز

يعود الفضل في ظهور شخصية هولمز إلى الطبيب والكاتب الاسكتلندي آرثر كونان دويل Arthur conan Doyel الذي ولد في العام 1859م، درس الطب وحاول العمل في هذه المهنة، ولكنه لم يستطع النجاح، وخلال سعيه وراء مهنته الأساسية بدأ بالكتابة.

لم تلقَ كتابات دويل الأولى النجاح، حتى استطاع أن يخترع شخصية شارلوك هولمز، والتي استمدها من شخصية أحد أساتذته في كلية الطب واسمه جوزيف بل Joseph Bell، الذي كان شديد الذكاء في تشخيص الأمراض، إضافة إلى قدرته المبهرة في دراسة شخصيات مرضاه، وعاداتهم.

استعار دويل تلك الصفات وخلق شخصية هولمز، وجعل منه ذلك المخبر السري العظيم الذي يهتم بالتفاصيل الدقيقة لكل قضية ويستخلص منها الحلول والحقائق، محاولاً إثبات أن الحقيقة تكمن في التفاصيل، تلك التفاصيل التي لا يعيرها الكثير من الناس اهتماماً ولكنها تكون سبباً لأحداث هائلة.

المدهش في تكوين شخصية هولمز، هو القدرة التي امتلكها دويل في جمع العديد من المتناقضات في شخصية واحدة، وجعلها مقبولة ومحببة، رغم صعوبة التعامل معها، وهذا يدفعنا للتساؤل حول أهم المكونات النفسية لشخصية هولمز؟

المكونات النفسية لشخصية شارلوك هولمز

تتميز شخصية شارلوك هولمز بالذكاء الشديد، فهو شخص يستطيع الانتباه إلى أدق التفاصيل التي لا يهتم بها الأشخاص العاديون، تاركاً ما هو ظاهر للعيان ومحاولاً الغوص في عمقِ التفاصيلِ التي تتصف بالغرابة، وفقَ حبكةٍ منطقيةٍ يبتكرها في كلِ قصةِ من قصص الجرائم التي يحاول حلها.

من ناحية أخرى يفضل شارلوك هولمز العيش وحيداً، أو هذا ما يبدو لنا، وربما يعود السبب إلى درايته بصعوبة التعامل معه، فهو لا يفضل تواجد الأشخاص الذين يتدخلون بتفاصيل حياته، كما يبتعد عن مجالات الثرثرة غير المجدية، والتي يعتبرها سبباً لتشتيت الذهن، وإن كان في بعض الأحيان قادراً للاستماع لساعات بهدف التقاط تفصيل صغير لم ينتبه إليه الآخرون، فالشيطان يكمن بالتفاصيل، أو ربما من الأفضل القول إن الحقيقة تكمن في تفاصيل لا يهتم بها الجمهور.

وعموماً ما يلفت النظر فعلاً، هو القدرة الغريبة لدى مؤلف الشخصية آرثر كونان دويل، في خلق انسجام وتناسق بين مجموعة صفات وضعها في شخصية واحدة، ونتج عنها تكامل في تلك الشخصية، وقد يكون هذا هو السبب الحقيقي وراء التعلق الغريب للناس بشخصية شارلوك.

شارلوك هولمز

ولكي يكون تحليلنا دقيقاً لشخصية شارلوك، سيتوجب علينا الحديث عن المكونات الجسدية لشخصية شارلوك، إذ يظهر شارلوك هولمز في أغلب المسلسلات والأفلام رجلاً طويل القامة نحيلاً، في منتصف الثلاثينيات من العمر، يرتدي بذلة رسمية دائماً، ويحمل معه معداته الخاصة التي تتمثل بمكبرة خاصة به، ومجموعة من الأشياء الغريبة التي قد يحتاجها أحياناً خلال حله للجرائم.

مع ذلك يظهر هولمز في بعض الأفلام بحسب رؤية المخرجين، بديناً ويرتدي نظارات، مع وجه محبب ولطيف، ولكن يبقى المظهر الأول أكثر مناسبة لشخصية هولمز الغامضة، فهي بالإضافة إلى كونها شخصية خلابة إلا أنها أيضاً غريبة.

وتتصف هذه الشخصية من الناحية النفسية بالثقة بالنفس، والفراسة الشديدة، والتقاط التفاصيل، والقدرة على قراءة هذه التفاصيل وربطها بشكل مقنع ومتسلسل، ليتوصل في النتيجة إلى حل اللغز المتعلق بالجريمة، وكأننا ضمن لعبة تركيبية فيها بعض القطع المفقودة، والتي يبدأ هولمز بتركيب هذه القطع مكانها تدريجياً.

اقرأ أيضًا: أفضل 8 ترشيحات لمحبي الرواية البوليسية وأجواء “من فعلها” التشويقية

ما الذي يدفع المراهقين والشباب وحتى البالغين لمحبة هذه الشخصية، والتعلق بها، ومتابعتها سواء بالقراءة أو من خلال الأفلام والمسلسلات؟

يميل الإنسان بشكل عام، والمراهق بشكل خاص إلى حل الألغاز، وحتى إن كان يعرف بشكل يقيني أنه لا يستطيع حل كل المشكلات، فالإنسان يحب أن يكون قادراً على حل الغموض، ولذلك تراه يرغب في قراءة ومتابعة كل ما يكتنفه الغموض بشغف.

وتلبي قصص الجريمة تلك الرغبات المكنونة في داخل المراهق، لأنها تجعله يحيا في عالم من الخيال الذي يقطع الأنفاس، ويكون فيها المنقذ الذي لا يمكن الاستغناء عنه، ولذلك يتابع أغلب المراهقين تلك القصص محاولين استنباط ما سيحدث ليثبتوا أنهم يمتلكون من الذكاء ما يميزهم عن غيرهم.

الجدير بالذكر أن عالم قصص الجريمة عالم واسع جداً، لطالما نال الاهتمام من كافة الشرائح العمرية في المجتمعات كلها، ولم ينجح في كتابة قصصه الكثيرون، واشتهر به عدد قليل من الكتاب والروائيين، إذ تعتبر روايات البريطانية آغاثا كريستي من أكثر الروايات مبيعاً وقراءة في العالم حتى يومنا هذا كرواية (جريمة في قطار الشرق السريع) و (ليلة لا تنتهي) وغيرها والتي كانت مادة هامة لصناع السينما والأفلام، ولا تقلّ أهميتها عن روايات كونان دويل مبتكر شخصية هولمز، وهنا لا يجب أن نغفل أو ننسى غاستون ليروكس الروائي الفرنسي الذي حمل لقب (آرثر كونان دويل الفرنسي) واشتهر برواية (شبح دار الأوبرا) في العام 1910 التي حصلت على اهتمام كبير من الجمهور ورواية (لغز الغرفة الصفراء) التي أُنتج عنها فيلم في وقت لاحق.

في النتيجة، يتميز الإنسان بشكل عام برغبة اكتشاف المجهول، ولذلك فإن كل ما يكتنفه الغموض يبدو محبباً لديه، كما أن الشخصيات الغريبة تبدو خلابة في نظره، ربما لأن تلك الشخصيات تتصرف بحرية يتمنى هو نفسه أن يمتلكها، وفي ذلك رغبة دفينة لدى كل منا لكي نكون ذواتاً حرة غير مقيدة، ونكون في ذات الوقت ملفتين للنظر، ولكننا عندما نحاول ذلك في أرض الواقع، تبدأ الانتقادات تملأ حياتنا، ونصبح غريبين بالنسبة للبيئة والمجتمع الذي نعيش فيه، وربما مرفوضين، وقد يكون هذا السبب الأساسي الذي قد يدفعنا لنتابع ونقرأ قصصاً تحرك في داخلنا رغبة البحث والتقصي وتوسع عالم الخيال الجذاب، والتي فقدناها في حياتنا الواقعية.

اقرأ أيضًا: أجاثا كريستي .. ملكة الجريمة الروائية !

0

شاركنا رأيك حول "سيكولوجيا شارلوك هولمز.. كيف وقعنا في غرام هذه الشخصية! 🕵️‍♀️"