التراث العالمي .. محميات وكنائس وآثار تحميها اليونيسكو بكل قوتها!
0

على الرغم من أنّ عُمر الإنسان ضئيلٌ بالمقارنة مع عُمر كوكبنا، إلّا أنّ التاريخ الإنساني زاخرٌ بالكثير من المعالم المبهرة، التي ما زالت شاهدة على التطور الحضاري البشري، والتي تعتبر التراث الحقيقي للإنسانية. لذلك فقد أولت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو – UNESCO) اهتماماً كبيراً بالحفاظ على كل ما من شأنه توثيق التاريخ الحضاري الإنساني.

ميزات المواقع التي تمثل تراثاً عالمياً

المواقع المصنّفة على أنها من التراث العالمي هي أماكن متفرقة في العالم، تحمل طابعاً ثقافياً أو طبيعياً أو كلاهما. وذات قيمة استثنائية، تجعل منها علامات هامة في الحضارة الإنسانية ومؤثرة في أجيال الحاضر والمستقبل.

يشمل التراث الثقافي ما يلي:

  • الآثار والأعمال المعمارية: كالمنحوتات وأعمال التصوير على المباني والنقوش والكهوف التي تتمتع بقيمة عالية من وجهة النظر التاريخية أو الفنية أو العلمية.
  • المجمعات: كالمباني والمدن الأثرية القديمة التي تحمل قيمة عالمية استثنائية.
  • المواقع: التي تتمثل بالأعمال الإنسانية أو المشتركة بين الإنسان والطبيعة التي تحمل طابعاً مميزاً من وجهة النظر التاريخية أو الجمالية أو الإثنولوجية أو الأنثروبولوجية.

في حين يشمل التراث الطبيعي ما يلي:

  • المعالم الطبيعية المميزة كالتشكلات الفيزيائية والبيولوجية ذات القيمة العالية من وجهة النظر الجمالية والفنية.
  • التشكلات الفيزيائية والفيزيوغرافية، والمناطق التي تشكل موطناً لأحد الأجناس النباتية أو الحيوانية المهددة بالانقراض، لما لها من قيمة علمية استثنائية.
  • المواقع الطبيعية التي يتم تحديدها بشكل دقيق على أن تحمل قيمة استثنائية من وجهة نظر العلم والحفاظ على الثروات وحماية الجمال الطبيعي.

اتفاقية حماية التراث العالمي

يُعتبر بناء السد العالي عام 1959 أول انطلاقة لفكرة حماية التراث العالمي، إذ تقدمت كل من الجمهورية العربية المتحدة (سوريا ومصر حالياً) والسودان بطلبٍ إلى اليونيسكو للمساهمة في حماية آثار النوبة، التي قد تتضرر نتيجة بناء السد والبحيرة التي ستنشأ خلفه. بالفعل استجابت اليونيسكو لنداء المساعدة وتمّ ما يُعتبَر بأنّه أكبر وأهم عملية حماية وإنقاذ أثري في التاريخ.

عُقِد في واشنطن في العام 1965 مؤتمر يدعو إلى إنشاء صندوق التراث العالمي، الذي من شأنه حشد الدعم الدولي لدعم قضايا حماية المناطق الطبيعية والمواقع الأثرية التي تمثل تاريخ وحاضر ومستقبل الجنس البشري. بعد العديد من المحادثات في الأمم المتحدة، تمّ اعتماد اتفاقية حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي في 16 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1972.

تتضمن الاتفاقية اعتراف أي دولة طرف فيها، بواجبها تجاه التراث الثقافي والطبيعي فيها، وحكايته، وصونه بهدف نقله للأجبال القادمة، وبذل كل ما في وسعها لتحقيق ذلك بالاعتماد على مواردها الخاصة، والاستعانة بالمساعدات الدولية إن اقتضت الحاجة، بشكل خاص المساعدة المالية والفنية والعلمية والتقنية الممكنة.

كما تتعهد كل دولة موقعة على الاتفاقية على عدم اتخاذ أي تدابير من شأنها المساس بشكل مباشر أو غير مباشر بالتراث الثقافي أو الطبيعي في أي دولة طرف في هذه الاتفاقية. من أهم ما تنصّ عليه الاتفاقية هو حظر استهداف المعالم الثقافية والتاريخية في حالة نشوب الحروب والصراعات، إلّا أنّه غالباً ما يكون تدميرها غايةً بحد ذاتها بين الجهات المتصارعة.

شهدنا مثل هذه الممارسات الشنيعة من قبل الجيشين اليوغوسلافي والصربي (1992-1995)، اللذان عمدا إلى تدمير الإرث التاريخي البوسني أثناء حملات التطهير العرقي ضد مسلمي البوسنة. كما قامت حركة طالبان الإرهابية بتفجير اثنين من تماثيل بوذا في أفغانستان في عام 2001.

مؤخراً في العام 2015، تزايد الخطر المحدق بالأماكن الأثرية مع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية وتمدد الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). نهب مقاتلو داعش الكثير من الكنوز والآثار في المنطقة وباعوها بهدف دعم عملياتهم العسكرية من جهة، كما قاموا بعمليات تدمير للمواقع التاريخية كعمليات التشويه والتدمير في مدينة نينوى العراقية من جهة أخرى. أمّا أكثر عمليات التدمير قساوةً فقد كانت من نصيب مدينة (تدمر) السورية، إذ قام التنظيم في شهر آب/أغسطس بتفجير معبد بعل شامين ومعبد بل، ما لاقى استهجاناً عالمياً واسعاً، وجاء على لسان المديرة العامة لليونيسكو إيرينا بوكوفا – Irina Bokova بخصوص تدمير التراث السوري:

 يتعيّن علينا الرد على هذه الفوضى الإجرامية التي تدمّر الثقافة بالمزيد من الثقافة.

التراث - مدينة تدمر: قبل وبعد تفجيرات داعش.
مدينة تدمر: قبل وبعد تفجيرات داعش.

تطور قائمة التراث العالمي

لم تدخل اتفاقية التراث العالمي حيز التنفيذ حتى 17 كانون الأول/ ديسمبر من العام 1975. تمّ وضع أول قائمة للمواقع المدرجة على لائحة التراث العالمي في عام 1978، ضمت القائمة اثنا عشر موقعاً فقط أنحاء العالم، وهي:

لانس أو ميدوز – كندا

تضم هذه المنطقة بقايا مستعمرة للفايكنغ تعود إلى القرن الحادي عشر في كندا، مماثلة لمستوطناتهم في أيسلندا وغرينلاند، ما يعطينا دليلاً على الوجود الأوروبي في أمريكا الشمالية قبل وصول كريستوفر كولومبوس – Christopher Columbus إليها.

التراث - لانس أو ميدوز – كندا

محمية المنتزه الوطني ناهاني – كندا

ما يميز هذه المحمية هو أنّها تضم مختلف أنواع الأنهار والجداول والشلالات والأودية العميقة والكهوف الجيرية وقمم الغرانيت. من جهة أخرى فهي تضم حوالي 40 نوعاً من الثدييات و170 نوعاً مختلفاً من الطيور. وبذلك التراث هنا هو القيمة الطبيعية بدون شك.

التراث - محمية المنتزه الوطني ناهاني –كندا

جزر غالاباغوس – الإكوادور

بشكل هذا الأرخبيل موطناً لمجموعة فريدة من الحيوانات والنباتات، بالإضافة إلى كونه منطقة نشاط زلزالي، كان لدراسة هذه البقعة من العالم من قبل تشارلز داروين – Charles Darwin دوراً في وضعه لنظرية التطور.

مدينة كيتو – الإكوادور

بنيت هذه المدينة خلال القرن السادس عشر على أنقاض إحدى مدن حضارة الإنكا التي تعتبر إحدى أعمدة التراث القديم للعالم كله. وعلى الرغم من تعرّض المنطقة للعديد من الزلازل إلّا أن مركز المدينة التاريخي ما زال محفوظاً بشكل جيد. تتميز المدينة بطابعها الذي ينتمي إلى مدرسة الباروك، إلّا أنه بمزج بين الأسلوب الأوروبي وأسلوب السكان الأصليين.

التراث - مدينة كيتو – الإكوادور

منتزه سيمين الوطني – إثيوبيا

يحوي هذا المنتزه على مجموعة من القمم الجبلة والوديان العميقة المذهلة التي تمثل التراث الجيوغرافي للبلاد. وتتميز هذه المنطقة بالتنوع البيولوجي الكبير، تعيش فيها أنواع من الحيوانات لن تراها في أي مكان آخر من العالم؛ كوعل وإليا وبابون جلادا أو ما يُعرف باسم (أبو قلادة) وهما نوعان مهددان بالانقراض، بالإضافة إلى أنواع أخرى من الطيور والحيوانات.

التراث - منتزه سيمين الوطني – إثيوبيا

الكنائس المحفورة في صخر لاليبلا – إثيوبيا

قرر الملك لاليبلا في القرن الثاني عشر بناء (القدس الجديدة) في إحدى المناطق الجبلية في إثيوبيا، نتيجة للتمدد الإسلامي الذي حدّ من قدرة المسيحيين على القيام برحلات الحج إلى الأراضي المقدسة. يتألف هذا الموقع من 11 كنيسة محفورة في الصخور بشكل كامل، بالإضافة إلى الممرات والخنادق والسراديب. حتى يومنا هذا تشكّل هذه المنطقة محجّاً للمؤمنين المسيحيين. وبذلك تم خلق التراث الكنسي بطريقة مختلفة ومميزة.

الكنائس المحفورة في صخر لاليبلا – إثيوبيا

كاتدرائية آخن – ألمانيا

تتميز ببنائها الفريد، أبوابها من البرونز وأعمدتها من الرخام اليوناني والإيطالي. دُفِن فيها الإمبراطور شارلمان Emperor Charlemagne وتُعتبر أول مبنى ذو قبب شمال جبال الألب منذ العصور القديمة.

التراث - كاتدرائية آخن – ألمانيا

وسط كراكوفيا التاريخي – بولندا

يعود بناء مركز المدينة التاريخي إلى القرن الثالث عشر، ويضم أكبر ساحة تسوق في أوروبا، وشبكة من الشوارع المتعامدة بالإضافة إلى القلعة القديمة التي تحولت لاحقاً إلى متحف (أهم معلم من معالم التراث البولندي)، كما يضم الكاتدرائية القوطية التي أُقيمَت فيها أبرز الأحداث الهامة كحفلات التتويج والزفاف والجنازات.

وسط كراكوفيا التاريخي – بولندا

منجم فياليتشك الملحي – بولندا

يُعتبر استخراج الملح من منجم فياليتشك هو أقدم مشروع صناعي في هذا المجال في أوروبا. يتألف الموقع من منجم ملح وقلعة، لا تنبع أهمية هذا المنجم من دوره الصناعي وحسب، بل يزخر هذا المنجم بالأعمال الفنية والمنحوتات والتماثيل المنحوتة في الملح الصخري، ليصبح مقصداً للسياح منذ أوائل القرن التاسع عشر.

التراب - منجم فياليتشك الملحي- بولندا

جزيرة غوريه – السنغال

نالت السنغال استقلالها عام 1960، بعد أن توالى على استعمارها البرتغاليون والهولنديون والإنكليز والفرنسيون. لطالما كانت هذه الجزيرة مركزاً لتجارة الرقيق في إفريقيا منذ القرن الخامس عشر وحتى القرن التاسع عشر. على بعد ميلين من الساحل، ستجد المنازل الفاخرة الخاصة بتجار الرقيق وعلى النقيض من ذلك ستجد أماكن مروعة لاحتجاز الرقيق. لذلك فهي بالمجمل جزء من التراث الشعبي للبلاد.

حديقة ميسا فيردي الوطنية – الولايات المتحدة الأمريكية

تضم مساكن شعب بويبلو التي تعود إلى الفترة الممتدة بين القرنين السادس والثاني عشر، التي تمّ نحتها في الصخور.

التراث - حديقة ميسا فيردي الوطنية – الولايات المتحدة الأمريكية

منتزه يلوستون الوطني – الولايات المتحدة الأمريكية

يضم حوالي أكثر من نصف الظواهر الحرارية الجوفية في العالم، بعدد يفوق 10,000 ظاهرة تتنوع بين الينابيع الحارة والشلالات، كما تحوي على بركان. يُعتبر هذا المنتزه موطناً لبعض الحيوانات البرية كالدببة والذئاب والأيائل، بالإضافة إلى قطيع البيسون البري.

التراث - منتزه يلوستون الوطني – الولايات المتحدة الأمريكية

أما الآن في العام 2020 أصبح عدد المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي 1121 موقعاً (869 موقعاً ثقافياً و213 موقعاً طبيعياً و39 موقعاً يجمع الطابعين الثقافي والطبيعي) منتشرة في 167 دولة في العالم. تضم كل من إيطاليا والصين أكبر عدد من المواقع المسجلة على قائمة اليونيسكو بعدد 55، تليها إسبانيا (48 موقعاً) وألمانيا (46 موقعاً) وفرنسا (45 موقعاً).

0

شاركنا رأيك حول "التراث العالمي.. محميات وكنائس وآثار تحميها اليونيسكو بكل قوتها!"