الحكومة الأمريكية
1

كانت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي بداية لإحدى أكبر الصراعات الحربية التي قادتها القوى الأيدولوجية (ببطولة المخابرات الأمريكية والسوفييتية) والتي قد نسميها: الحرب بين الشيوعية والسوق الحر. نجح الاتحاد السوفييتي ببراعة في نشر الأيدولوجية الشيوعية والاشتراكية، كان يشبّه جورج أورويل هذه العملية في روايته مزرعة الحيوان animal farm بنشر العصافير الصغيرة في المزارع المجاورة للمزرعة الكبرى (الاتحاد السوفييتي) لتخبرهم كيف تعمل تلك المزرعة الجديدة.

وقع تشبيه أورويل في محله تمامًا، فهكذا تمامًا انتشرت الشيوعية في كل أرجاء العالم، وعلى عكس السوق الحر، لم تتدخل قوى الاتحاد السوفييتي إلا قليلًا في كل التجارب الشيوعية خلال القرن الأخير، بل كانت فقط تبعث بالمعونات فيما بعد لتأييد تلك القوى الشيوعية، كيف كانت تنتشر الشيوعية إذًا؟ كان انتشارًا فكريًا، وفي الواقع كان لموسكو دور في ذلك الانتشار الفكري.

مولت موسكو جيدًا عمليات الترجمة والنشر لكتابات لينين وكارل ماركس وأقامت دور عديدة لنشرها، كان من ضمنها دار التقدم التي تخصصت في نشر تلك الترجمات في العالم العربي، كانت هذه الترجمات هي السبب الأساسي في تأسيس الأحزاب الشيوعية العربية§، ولكن لم يقدم الاتحاد السوفيتي الدعم لهذه الأحزاب على الإطلاق، وكذلك الأمر مع القوى الشيوعية في الصين أو كوبا، لم يقدم السوفييت دعمهم لتلك القوى إلا عند وصولها للسلطة أو على شكل معونات.

على الجانب الآخر، كانت الولايات المتحدة الأمريكية قاسية فيما يتعلق بالتحول التي قد تأخذه بلدانٌ أخرى، لماذا؟ لأنه وعلى عكس الاتحاد السوفييتي، اعتمد الاقتصاد الأمريكي على السوق الحر، وفي حال انضمام الدول للكتلة الشيوعية فإن الولايات المتحدة تخسر ذلك السوق. أي: إذا كانت للولايات المتحدة الأمريكية مصانع وشركات في الدولة (أ) أو كانت تبيع في تلك الدولة هواتفها وأجهزتها الإلكترونية، فإنه في حال انضمام تلك الدولة للكتلة الشيوعية ستخسر الولايات المتحدة ذلك السوق، وستخسر كذلك مصانعها وشركاتها التي كانت في تلك الدولة.

 رأفت الهجان

عمليات المخابرات الأمريكية السرية
الحرب الباردة بين المخابرات الأمريكية (الولايات المتحدة) والمخابرات السوفييتية (الاتحاد السوفييتي)

لهذا تحديدًا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعمل جاهدةً لقمع تلك الحركات الشيوعية (والتي كانت حركاتٍ شعبية/ مدنية فقط دون تدخل قوى عسكرية) بشتى الطرق: تمويل ميليشيات وعصابات لقتل تلك الحركات، منع المعونات عنها، تأييد اليمين السياسي وتمويله، أو حتى استبدال النظام الحاكم بنظام ديكتاتوري استبدادي ليقوم بقمع تلك المعارضات والتسبب في حرب أهلية.

كانت تغطي الولايات المتحدة الأمريكية تلك التمويلات تحت غطاء دعم التجارة الحرة، وفيما بعد ستغطيها تحت راية “الحريات وحقوق الإنسان” لتبرر تدخلاتها في تلك البلاد وكما يقول نعوم تشومسكي في مسؤولية المثقف، “إن مسؤولية المثقف هي فضح أكاذيب الحكومات، وتحليل أعمالها وفقًا لأسبابها ودوافعها الحقيقية”.. سنحاول في هذا المقال سرد مجموعة من العمليات السرية التي قامت بها وكالة المخابرات الأمريكية CIA والتي كُشفت السرية عنها فيما بعد.

أمريكا اللاتينية: المخابرات الأمريكية في جمهوريات الموز

ستلعب شركة الفاكهة المتحدة United Fruit Company الدور الأهم بين جميع الشركات الأخرى التي ستشارك في إدخال المخابرات الأمريكية للتدخل في دول أمريكا اللاتينية، والتي ستُعرف فيما بعد باسم “جمهوريات الموز”، ذلك المصطلح الذي ابتكره الأديب الأمريكي أوليفر هنري، والذي يستخدم للإشارة للدول المهمشة وغير المستقرة، والتي عادة ما تستخدمها القوى الكبرى كملهاة تلعب بها.

تأسست شركة الفاكهة المتحدة عام 1899 لتقوم بالاستيلاء على مساحات شاسعة من بلدان أمريكا اللاتينية الفقيرة والتي خرجت حديثًا من احتلال أجنبي لتحتلها الشركة فيما يُعرف بالاستعمار الجديد Neocolonialism: استغلت الشركة الحكومات الضعيفة لتركيز استثماراتها وتوسعها§ دون الالتفات للمطالب الحكومية كالضرائب وما شابه، كانت قوة الشركة واتصالها الوثيق بالحكومة الأمريكية وضعف الحكومات اللاتينية عواملًا جيدة ساهمت في  الاستعمار لجديد.

المخابرات الأمريكية وشركة الفاكهة المتحدة
شعار شركة الفاكهة المتحدة united fruit company التي أثرت على المخابرات الأمريكية في دخول بلدان أمريكا اللاتينية

تمكنت الشركة من السيطرة على معظم الأراضي الزراعية التي امتلكها الفلاحون في دول أمريكيا اللاتينية§، استغلت الشركة علاقتها بالحكومات في التهرب من الضرائب والحقوق العمالية، كما ساعدتهم الحكومات اللاتينية في فرض قبضتهم على العاملين جيدًا، كانت الشركة تصدر كل إنتاجها لأمريكا ودول أوروبا وبدون مشاركة فلسٍ واحد من ناتج التصدير مع الدولة أو العمال§.

المخابرات الأمريكية في غواتيمالا: الاستبداد لأجل الموز

كانت جواتيمالا ودول أمريكا اللاتينية مصدر موارد جيد للولايات المتحدة الأمريكية منذ تاريخها المبكر، حتى أن الولايات المتحدة كانت تحذر قوى الاستعمار الأوروبية من دخول أمريكا اللاتينية بحجة “الحفاظ على السلام والاستقرار” بينما كانت توسع في الجانب الآخر من دائرة نفوذها في الدول اللاتينية عن طريق القيام بتعيين العديد من الطغاة بها ودعم حكوماتهم مقابل حماية المصالح الأمريكية وإعطاء شركاتها جميع الامتيازات الممكنة§.

كانت جواتيمالا إحدى الدول التي عينت فيها الولايات المتحدة الأمريكية وكلاءها من الديكتاتورين وكان على رأسهم مانويل إسترادا كابريرا، والذي ساعد شركة الفاكهة المتحدة في السيطرة على الأراضي الزراعية من الفلاحين بين عامي 1898-1920 بحجة أن هؤلاء الفلاحين (المُلاك الأصليين) لم يمتلكوا “أوراقًا” تثبت ملكيتهم لتلك الأراضي.

خلف كابريرا مُستبد جديد وهو خورخي أوبيكو والذي رفع من امتيازات الشركة لأقصى حد بين عامي 1931-1944§ حصل خورخي في حملاته الانتخابية على دعم كبير من النخبة الثرية الحاكمة والتي كانت متعلقة بتجارة الولايات المتحدة، ليفوز بالانتخابات الديموقراطية لعام 1931 والتي كان المرشح الوحيد “فعليًا” فيها حيث مُنعت الأحزاب من المشاركة§.

المخابرات الأمريكية خورخي أوبيكو
خورخي أوبيكو الديكتاتور الذي دعمته الولايات المتحدة الأمريكية

انصب الدعم الأمريكي على أوبيكو من دعمه لشركة الفاكهة، قام أوبيكو باستبدال قانون تسديد الديون بقانون “الإصلاح الزراعي” وهو قانون يقتضي بأن أي مزارع يعاني من مشاكل في تسديد دينه يجب عليه أن يعمل للشركة لمدة لا تقل عن مائة يوم (بلا مقابلٍ بالطبع)§.

منح خورخي للشركة امتيازات قانونية كثيرة، كحق شرطتها في قتل أي “مُعتدي” على أرضها، كان هذا القانون يُستخدم كثيرًا كحجة لقتل العديد من المعارضين في الحركات اليسارية، وكذلك للتخلص من أي عقباتٍ بشرية قد توقف الشركة§.

بدأت الحركات الشعبية في الانتشار لمقاطعة الحكومة بعد أن ازداد الاستبداد عن الحد، لكن المخابرات الأمريكية رأت أن السبب هو الاتحاد السوفييتي (وهذا لم يكن صحيحًا) وهو الذي مول كل تلك الحركات وأن السبب لا يكمن في الاستبداد مبرئين الحكومة الأمريكية. استمرت الاحتجاجات لمدة شهور حتى إجراء الانتخابات المبكرة والتي انتُخب بها خوان خوسيه أربينز والذي فاز بأغلبية ساحقة للغاية، حتى أنه حصل على أربعة أضعاف أصوات المرشحين الآخرين مجتمعين§.

بعد وصول أربينز للحكم بدأ بإجراءات إصلاحية كبناء المدارس وإصلاح البنى التحتية، إلا أن أهم إجراءٍ اتخذه كان قانون الإصلاح الزراعي عام 1952. كان يقتضي القانون بأن الأراضي غير المزروعة والمملوكة لكبار المُلاك، يجب منحها للفقراء وإعطاء تعويضات مالية لملاك الأراضي§.

عمليات المخابرات الأمريكية في غواتيمالا والرئيس أربينز
الرئيس أربينز في شبابه

على الرغم من رفض البنك الدولي إقراض غواتيمالا بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية عام 1951§ وكذلك قطع المعونة الأمريكية وعدم الاعتراف بالحكومة، كانت البلد تحقق نهضة غير استباقية على يد أربينز. وبحلول يونيو 1954 كان أربينز قد وزع ما يقرب من 1.5 مليون فدان من الأراضي غير المزروعة على الفلاحين، وبالرغم من تحفظ بييرو جيلجيس، أستاذ السياسية بجامعة جونز هوبكنز، على سياسة قانون الإصلاح الزراعي والذي يصفه في كتابه «الأمل المُهشم: الولايات الثورة الغواتيمالية والولايات المتحدة Shattered Hope: The Guatemalan Revolution and the United States» بأنه “قانون تعسفي”§فإنه لا ينكر أنه أدى لإصلاحاتٍ كبرى ولرفع في مستوى المعيشة لم تشهده غواتيمالا من قبل§.

أثرت الإصلاحات بعض الشيء على شركة الفاكهة المتحدة، إذ اضطرت لرفع الأجور ولمعاملة الفلاحين “بإنسانية” كما اضطرت الشركة للتخلي عن بعض الأراضي غير المزروعة للحكومة، وعلى الرغم من أن الحكومة قد دفعت للشركة سعرًا للفدان يعادل ضعف السعر التي اشترته به الشركة§ إلا أن هذا لم ينل إعجاب الشركة كذلك، التي سعت جاهدة للضغط على الكونجرس الأمريكي للتدخل في البلاد، حتى أنها قد أنفقت بحلول عام 1953 ما يقرب من نصف مليون دولار أمريكي للحملات التي شنتها في الولايات المتحدة الأمريكية للتشوية من سمعة حكومة غواتيمالا من خلال الإعلام الأمريكي§

بدأت الحكومة الأمريكية بالانصياع للشركة شيئًا فشيئًا حتى قامت بالتنسيق مع ديكتاتور نيكاراغوا المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية، أناستاسيو سومزا غارسيا، الذي وعد الحكومة الأمريكية أنه في حالة حصوله على السلاح فسيطيح مباشرة بحكم أربينز، أعطى هاري ترومان، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، الإذن لوكالة المخابرات الأمريكية للبدء في تنفيذ الخطة، قامت المخبارات الأمريكية بوضع شحنة ضخمة من الأسلحة في إحدى سفن شحن شركة الفاكهة المتحدة وعندما كانت الخطة على وشك التنفيذ اكتشف العملية وزير الخارجية دين أتشيسونا، والذي أمر بالتراجع عنها فورًا§.

بعد انتخاب دوايت أيزنهاور رئيسًا للولايات المتحدة، كان يعد باتجاهات أكثر حزمًا لمحاربة الشيوعية وقام بتمويل عملية انقلاب غواتيمالا بما يصل إلى 7 ملايين دولار، وبعد مقاومة طويلة تنجح العصابات التي مولتها الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة الديكتاتور كاستيلو أرماس في الوصول للحكم. يُذكر أن محاولة الانقلاب تضمنت قصفًا للمدنيين بالطائرات للضغط على الحكومة، وحاول أربينز التقدم للأمم المتحدة بنداء، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية عطلت ذلك بالقول إن ذلك “شأنٌ داخلي متعلقٌ بغواتيمالا فقط”.

المخابرات الأمريكية انقلاب غواتيمالا
الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور ووزير الخارجية جون فوستر دالاس الذي دافع عن انقلاب غواتيمالا وساعد العديد من الحكومات الديكتاتورية في أمريكا اللاتينية بالوصول إلى الحكم

وبحلول 27 يونيو 1954 يستقيل أربينز ويقدم السلطة للعقيد كارلوس دياز، وبعد أن عُين أرماس رئيسًا لغواتيمالا في انتخابات فاز فيها بنسبة 99%، حيث مُنعت كل الأحزاب من المشاركة، اعترفت الحكومة الأمريكية بحكومة أرماس لأول مرة (وهي التي رفضت الاعتراف بأربينز)، وبدأ أرماس طريقه في القضاء على كل الإصلاحات التي قام بها أربينز.

وستبدأ فيما بعد الحرب الأهلية الغواتيمالية، عندما يبدأ أرماس في قتل كبار الفلاحين الذين زرعوا الأراضي التي منحها إياهم أربينز، ثم تبدأ الحركات اليسارية الريفية في شن هجمات على الشركة ليجابهها أرماس بدكتاتورية عسكرية تُعد الأشد في تاريخ أمريكا اللاتينية، تقدر الإحصائيات أنه حتى عام 1996، قُتل 200 ألف مدني في الحرب الأهلية الغواتيمالية§. وعلى الرغم من أن شركة الفاكهة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية كانت هي السبب الأول في تلك الحرب لكي تحمي مصالحها، فهي لم تستطع النجاة بأي منها في الظروف الوحشية التي خلقتها الحرب في غواتيمالا.

الحرب الأهلية الغواتيمالية
أطفال في غواتيمالا في الحرب الأهلية المصدر: ويكيميديا.

المخابرات الأمريكية بكوستاريكا: حربٌ أهلية للقضاء على الشيوعية

كانت كوستاريكا أقدم دولة ديموقراطية في أمريكا اللاتينية وأكثرها استقرارًا حكمتها حكومة رئاسية لأكثر من خمسين عامًا حتى زيادة التدخل في الشأن الداخلي بها عن طريق الهيمنة التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية والتي كانت تحقق علاقة ودية بين حكومة كوستاريكا والحكومة الأمريكية حتى النصف الأول من القرن العشرين.§

بدأت أولى التدخلات بدعم الولايات المتحدة للوزير العسكري فيديريكو غرانادوس، عندما قام بالانقلاب العسكري على الرئيس ألفريدو فلوريس والذي حاول أن يزيد من الضرائب على الأثرياء وكذلك أن يضع ضرائبًا على عمليات التصدير للشركات الأجنبية وعلى رأسها شركة الفاكهة المتحدة. لم تعترف الحكومة الأمريكية بحكومة فلوريس لأنه كان ضد توجهاتها، ومع أول فرصة للإطاحة به قامت بدعمها. بدأت الولايات المتحدة في دعم الحكومة اليمينة الجديدة واعترفت بها لمدة ثلاثين عامًا على الرغم من ديتكاتوريتها وجرائمها الإنسانية.

بدأت أول العلاقات التبادلية بين كوستاريكا والولايات المتحدة مع بداية الحرب العالمية الثانية، كان البن أحد أهم صادرات كوستاريكا من خلال قناة بنما ومنتجها الرئيسي للتصدير، وكانت أوروبا وبالتحديد ألمانيا سوقًا جيدًا لها. بدأت الولايات المتحدة في فرض ضغوطاتٍ سياسية قاسية داخل كوستاريكا وبقناة بنما حتى عام 1941 حتى تعلن كوستاريكا الحرب على دول المحور وتقوم بحظر صادرتها عن ألمانيا النازية.

في 1948 ستبدأ المشاكل عندما يقرر الحزب الجمهوري اليميني (والذي كان مسيطرًا على كوستاريكا طيلة العقود السابقة) وبدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، البقاء في السلطة لأنه لم يكن مستعدًا لخوض الانتخابات مع المرشح الديموقراطي أوتيلو يوليت. استخدم اليمين نفوذه في الجمعية التشريعية لإلغاء الانتخابات مما أدخل البلاد في حالة من الفوضى (كبداية لحربٍ أهلية) واتُهم كلا الجانبين بالتلاعب في الأصوات وتزوير الانتخابات. يقرر في الأخير خوسيه فيغيريس، والذي كان شخصية سياسية بارزة في كوستاريكا، أن الحل هو التدخل العسكري.

أسس فيغيريس في جنوب كوستاريكا جيش التحرير الوطني والذي استطاع سريعًا أن يستولي على مدن عديدة حتى وصل للعاصمة وسقطت في يده في 12 أبريل 1948 بعد استسلام بيكادو، رئيس كوستاريكا حينئذ. تبقت أمام فيغيريس عقبة غير سهلة: مانويل مورا، أمين حزب الطليعة الشيوعي في كوستاريكا، والذي كان مصرًا على حماية بلده جيدًا وعدم الاستسلام للحظة الأخيرة.

خوسيه فيغيريس
خوسيه فيغيريس المدعوم من المخابرات الأمريكية

كانت الولايات المتحدة الأمريكية داعمة لليمين الكوستاريكي منذ أزله وعندما قرر أن يستولي على السلطة في 1941 أعطته واشنطن ضوءًا أخضر، وعندما علمت الولايات المتحدة أن هناك تهديدًا بأن الشيوعيين قد يستولون على حكم كوستاريكا، قررت أن تدخل لتقضي على هذا التهديد وسُميت هذه الخطة «تدمير الطليعة Destroy the Vanguardia» وبدأت القوات الأمريكية في التأهب لاحتلال البلاد عبر قناة بنما§.

لكن عندما علمت وزارة الخارجية الأمريكية أن الشيوعيين لن يستطيعوا أن يقاوموا كثيرًا، قررت أن تستبدل تدخلها بإمدادات تصل إلى آلاف الأطنان من الأسلحة. لم يكن أمام بيكادو والشيوعيين أي فرصة أمامها، حتى أن بيكادو قد هدد بنقل الأمر إلى الأمم المتحدة إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية تجاهلت التهديد، كان للولايات المتحدة حينئذ حق النقض لتجاهل النداء، كما أنها كانت (ولا زالت بعض الشيء) تسيطر على أغلب الدول الأعضاء في الأمم المتحدة§ لذلك لم تلفت لتهديد بيكادو.

على الرغم أنها لم تستمر طويلًا، وصفت الحرب الأهلية بكوستاريكا بأنها واحدة من أفظع الحروب الأهلية في تاريخ أمريكا اللاتينية§.

تشيلي: جمهورية موزٍ أخرى

لتدخل وكالة المخابرات الأمريكية في تشيلي تاريخ طويل، كان يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تحافظ جيدًا على استقرار الحكومة الديموقراطية المسيحية في تشيلي لضمان الأمان للشركات الأمريكية وعلى رأسها شركة ITT والتي ستمول المخابرات الأمريكية لتتدخل في البلاد.

تبدأ المشاكل في عام 1970 في الانتخابات الرئاسية بين سلفادور ألليندي (مرشح الحزب الوطني) ورادومير توميتش (مرشح الحزب المسيحي)، حصل ألليندي على 36.6% وتوميش على 28.1% وجورج أليساندري 35.3% في هذه الحالة ووفقًا للدستور التشيلي عندما لا يربح أحد الأطراف بغالبية ساحقة يجب على الكونجرس أن يختار بنفسه الرئيس من بين أليساندري وألليندي، وهنا تبدأ تدخلات وكالة المخابرات الأمريكية للضغط على الكونجرس التشيلي لمنع ألليندي من الوصول للحكم (لتوجهاته اليسارية) واختيار أليساندري.

أرادت الولايات المتحدة أن يتحكم أليساندري في البلاد لأنه لم يشكل خطرًا كبيرًا على شركاتها، ولكن أعلن أليساندري أنه إذا تم اختياره فسوف يستقيل، لذلك قرر الكونجرس أن يختار ألليندي لتبدأ وكالة المخابرات الأمريكية وبأمر نصي من الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، بتمويل عملية إسقاط ألليندي بأكثر من 8 مليون دولار§.

سلفادور أليندي المخابرات الأمريكية
الرئيس سلفادور ألليندي يوجه كلمة للشعب

بدأ رجال الأعمال الأمريكيين وغير الأمريكيين المساهمين في تشيلي بتنظيم إضرابات (نظمتها تمويلات وكالة المخابرات الأمريكية وشركة ITT الأمريكية) تتضمن إيقاف استثماراتهم وعدم الدفع لعمالهم لإجبار حكومة ألليندي الجديدة على الانسحاب. أضر ذلك الاقتصاد الوطني التشيلي بشكل كبير وكذلك أعطى دفعة جيدة لليمين العسكري في محاولتهم للانقلاب على ألليندي.

في 29 يونيو 1973 توجه العقيد روبرتو سوبير بدعم من وكالة المخابرات الأمريكية إلى القصر الرئاسي بمجموعة من الدبابات لعزل حكومة ألليندي§ إلا أنه يفشل في العملية وسرعان ما يمسك ألليندي بزمام الأمور مرة أخرى. وفي 22 أغسطس 1973، بدأ الديموقراطيون المسيحيون (المدعومون من الولايات المتحدة كما أخبرنا) حملة لضخ أزمة دستورية أمام حكومة ألليندي، وقاموا بتقديم تقريرٍ لمجلس النواب يدعي بأن ألليندي يخرق الدستور ويفرض مراقبة قاسية على أعضاء الحكومة ويخطط لجعل سلطته “شمولية” على الدولة.

اتهم التقرير ألليندي بأن كل محاولاته للإصلاح تصب في مؤامرة كبرى، فكان يرى أن تطوير الجيش هو دعم لجماعات مسلحة، والتدريبات التي يأمر ألليندي الشرطة بها صنفها التقرير أنها “بغرض تحقيق أهدافٍ حزبية”§.

رد ألليندي باتهام الكونغرس بمحاولته للترويج لانقلابٍ عسكري أو حربٍ أهلية (ويمكننا القول إنه كان صادقًا في اتهامه) فيما بعد. وبحلول صباح 11 سبتمبر 1973، استولت القوات البحرية على العاصمة فالبارايسو ونشرت سفنها الحربية والمشاة في أنحائها، أبلغ حاكم فالبارايسو الرئيس ألليندي والذي توجه على الفور للقصر الرئاسي، حاول ألليندي أن يخاطب شعبه إلا أن الجيش أغلق سريعًا محطات الإذاعة والتلفزيون. حاول الاتصال بجنرال الجيش أوغستو بينوشيه (المدعوم من وكالة المخابرات الأمريكية) والذي كان ألليندي يعتقد بولائه له إلا أنه تجاهل مكالمته.

أدرك ألليندي بحلول الساعة التاسعة صباحًا أنه لا يمتلك أي دعم عسكري سواء من الشرطة أو الجيش، إلا أنه رفض الاستقالة بالرغم من إعلان الجيش أنه سيقصف القصر الرئاسي إذ لم يستسلم ألليندي، حاول الجيش أن يحاور ألليندي أكثر من مرة أثناء تواجده في القصر إلا أنه ظل يرفض§

في النهاية أمر جوستافو لي، جنرال القوات الجوية، بقصف القصر الرئاسي والذي استمر لأربعين دقيقة، استمر ألليندي بالمقاومة من القصر وبضرب الطائرات بسلاح آلي ضعيف، وفي النهاية قُتل على يد إحدى الطائرات، ويقال كذلك أنه انتحر.

سلفادور أليندي
سلفادور ألليندي

وعلى عكس حكاية كوستاريكا، والتي نعمت بعد حربها الدموية بشيء من الاستقرار، خسرت تشيلي كل ما امتلكته من ازدهار بسبب التدخل الأمريكي: في الأشهر الأولى بعد الانقلاب بدأ الجيش في تنظيم مجازر سرية للإطاحة بأي عضوٌ يشتبه به في دعم اليسار، حتى أن الأمر وصل للفنانين والمُغنيين، تقول الإحصائيات أن الجيش خلال 3 سنوات من استلام السلطة اعتقل ما يقرب إلى 130 ألف فرد، ووصلت أعداد القتلى والمختفين للألاف§.

استمرت عمليات القتل والتخريب على يد أوغستو بينوشيه (والذي دعمته الولايات المتحدة حتى اللحظة الأخيرة) لأجلٍ غير مُسمى، توقفت الانتخابات الديموقراطية بمنع الأحزاب من المشاركة. قد يطول بنا الأمر لو تحدثنا عن الانتهاكات الإنسانية التي قام بها بينوشيه (والتي تغاضت الولايات المتحدة الأمريكية عنها لأنها لم تمس شركاتها بسوء) يكفينا القول أن أحد التقارير حول الاختفاء القسري بتشيلي يشير إلى أنه اختفى وعُذب ما يقرب من 28,000 شخصٍ على يد الحكومة العسكرية. كان بينوشيه يجمع المجموعات اليسارية بالمئات في الستاد التشيلي الوطني ليصفيهم معًا هناك§.

أوغستو بينوشيه المخابرات الأمريكية تشيلي
الرئيس الأمريكي جورج بوش يصافح الديكتاتور أوغستو بينوشيه

جمهوريات موزٍ أخرى

حاولت أن أذكر بإيجاز أشهر الحكايات حيال التدخل الأمريكي بوكالة المخابرات الأمريكية، إلا أن هناك العديد من القصص الأخرى التي سيطول ذكرها في أمريكا اللاتينية وخارجها، ولكن لعلنا نجزم أن جميع الحكومات الاستبدادية والعسكرية التي جاءت في الانقلابات العسكرية في دول أمريكا اللاتينية (كالأورغواي وباراغواي والأرجنتين وكذلك البرازيل) كانت المخابرات الأمريكية مسؤولة عنها بشكلٍ ما أو بآخر.

ماذا تعرف عن عرب أمريكا اللاتينية؟

كيف أعرف كل هذا؟

المقال موثق بالمصادر أسفله، ولكن قد يسأل أحدهم: من أين لنا بكل هذه المعلومات المُفصلة؟ في الواقع إن جميع أوراق وكالة المخابرات الأمريكية المتعلقة بالتداخلات السابقة للولايات المتحدة الأمريكية قد رفعت السرية عنها من قبل الحكومة وهي متاحة جميعها على موقع السي آي إيه الرسمي، ويمكنك الاطلاع من هنا على تقرير وكالة المخابرات الرسمي حيال تدخلاتهم في تشيلي وأوامرهم بالإطاحة بالحاكم ألليندي، وهو متاح بصيغة بي دي إف مجانًا.

المخابرات الأمريكية في أمريكا اللاتينية
شعار المخابرات الأمريكية

كذلك قد كشفت العديد من مذكرات المشاركين في تلك العمليات بعد وفاتهم عن تفاصيل هامة، وحتى الآن نحن نكتشف المزيد والمزيد مع رفع السرية عن العديد من الأوراق، أما حيال العلاقات الحالية لتلك الدول مع الولايات المتحدة الأمريكية، فنحن لا يسعنا الوقت ولا المكان الكافي لنشرحها بالتفصيل، يمكننا فقط القول أن بعضها قد تمكن من استرداد حقه ولو نسبيًا، كنيكاراغوا التي رفعت قضيتها لمحكمة العدل الدولية عام 1986 التي اتهمت فيها الولايات المتحدة الأمريكية بتمويل المعارضة المسلحة ضد الحكومة وتفخيخ الموانئ (وهذا حدث بالفعل على يد المخابرات الأمريكية).

بالطبع ترفعت الحكومة الأمريكية عن الدعوى ورفضتها، إلا أن المحكمة أقرت بأن الولايات المتحدة كانت السبب الأساسي في تدمير نيكاراغوا في حرب ريغان، والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وفي النهاية ربحت نيكارغوا الحكم وحصلت على تعويض رفضت الولايات المتحدة دفعه كاملًا إلا مؤخرًا. وعلى الرغم أنه مبلغٌ بسيط للغاية مقابل تدميرها لدولة آمنة كنيكاراغوا، رضيت الحكومة به. لم تتمكن العديد من الدول، أو معظم الدول، من استرجاع ما دمرته التدخلات الأمريكية بها.

حتى الآن نكتشف يومًا بعد يوم ما يطلق عليه نعوم تشومسكي “الإرهاب الأمريكي المُنظم” في عام 2010 اعتذرت الولايات المتحدة لجواتيمالا للقيام بجرائم حربية ضد مدينيين غواتيماليين قامت بحقنهم عمدًا في تجارب طبية بفيروسات اصطناعية تسبب أمراضًا كالزهري كعناصر للتجربة الطبية، عامل الأطباء الأمريكيون هؤلاء المواطنين كفئران تجارب بعامي 1946، 1948.

ختامًا، أحب أن أرشح للقارئ كتابًا نادرًا من نوعه عثرت عليه حديثًا بعنوان «قتل الأمل: تدخلات الجيش الأمريكي ووكالة المخابرات المركزية منذ الحرب العالمية الثانية Killing Hope – US Military and CIA Interventions Since World War II by William Blum» للصحفي الأمريكي وناقد السياسة الخارجية الأمريكية: ويليام هنري بول. كتب هنري العديد من الكتب حيال الإرهاب المنظم التي قادته وكالة المخابرات الأمريكية، إلا أن ما يميز هذا الكتاب عن غيره أنه بالرغم من صُغر حجمه (300 صفحة تقريبًا) فهو يحكي بشكلٍ موجزٍ للغاية التدخلات الأمريكية في أكثر من 30 دولة عالمية من بينها دول عربية.

 دونالد ترامب.. هل سينجح حقًا في إعادة العظمة لأمريكا؟!

1

شاركنا رأيك حول "مطلب الحرية: كيف خلقت المخابرات الأمريكية والولايات المتحدة أسوأ الأنظمة الاستبدادية في العالم؟"