كتاب المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية
0

للمستشرق هنري لامنس، صدر الكتاب في عام 1911 وأعادت مؤسسة هنداوي نشره في عام 2020، وكان في الأصل مجموعة من المحاضرات التي ألقاها في الكليّة اليسوعية في بيروت، ولم تكتمل قبل أن يسافر إلى مصر، فتولّت المطبعة الكاثوليكية طباعتها ونشرها لما لها من فائدة في معرفة أحوال سوريا وما كتبه العرب عنها، علمًا أنّه كان يقصد بسوريا ما ندعوه اليوم بسوريا الكبرى أي بلاد الشام.

ينقسم الكتاب إلى قسمين رئيسين، الأوّل بعنوان “تمهيد” تحدّث فيه عن سوريا التاريخية منذ وطأتها الحضارة وحتى العضر الحديث، والقسم الثاني عمّا كتبه الجغرافيّون العرب عنها وبدأ بذكرٍ سريع لهذا الأمر ثمّ انتقى روايتي المقدسي وابن جبير واستعرضهما بالتفصيل.

في البداية يعدّد لامنس ميّزات الموقع الجغرافي الفريد لسوريا في شرق المتوسّط وووقوعها في نهاية طريق الحرير البرّي، ومفترق الطرق إلى أوروبا وأفريقيا وشبه الجزيرة العربية، حيث جلب لها هذا الموقع الطامعين من كلّ حدب وصوب، وكانت بالنسبة لكثير من الامبراطوريّات التي قامت في المنطقة، بيضة القبّان، حيث تمركزت الإمبراطوريّات في منطقتي وادي النيل وما بين النهرين، وفيما بعد في آسيا الصغرى، أي على الدوام كانت سوريا تمثّل العربة الأخيرة في القطار لهذه الإمبراطوريّات، باستثناء عصر الفينيقيين الذي يركّز عليه لامنس بشكلٍ كبير.

سورية ومهد الجنس البشري

يقتبس لامنس عن إيتان لامي قوله “لستَ تجد حيثما نظرت بلدًا أصغر من هذا في مساحته قد اختلطت فيه وتزاحمت أممٌ أكثر، ودياناتٌ أعظم، وآثارٌ أخطر”.

ويعقّب بالقول “إنّ الإنسان منذ ألوف السنين قد طُبع في ذهنه ذِكر الفردوس، فأين يا ترى جنّة عدنٍ؟ أفي العراق ما بين النهرين أم في غوطة دمشق؟”.

وهنا يورد رأي القديس أغناطيوس الذي يؤيّد هذا الاتّجاه حيث يعزّز موقفه بأنّ الفرات يمرّ في بعض جهات سوريا.

لكن يعود لامنس ليبيّن أنّ بيروت وما حولها من جبال وغابات وبحر هي “جنة عدن” حيث يستحيل أن تجتمع كلّ هذه المناظر المتباينة والرؤى الفاتنة في دائرة أضيق من هذه.

وقبل الخوض في الفكرة التالية نذكّر بالعصر الذي كُتب فيه هذا الكتاب وهو بداية القرن العشرين، وقتئذ لم تكن قد اكتُشفت أكثر المستحاثات البشرية وأشباه البشر وأسلافهم، ولم يكن الحمض النووي والجينوم قد عُرف بعد. في تلك الفترة كان معروفًا أنّ أرقى السلالات البشرية هي السامية والهندوآرية، حيث إنّ منشأ الأولى كان شبه الجزيرة العربية التي تحتلّ سوريا ركنها الغربي، أمّا الثانية فمنشأها إلى الشرق قليلًا قرب بلاد ما بين النهرين، ويربط لامنس بين النقطتين وبين سوريا بالقول “سوريا كانت في مركز دائرة كبيرة من البلاد التي ألّفت العالم القديم، حيث كانت نشأة التمدّن الأوّل، فكفاها فخرًا أنّها كانت مهد تاريخ البشر”.

موقع سوريا الجغرافيّ

قد قلَّد الله كل شعبٍ دعوةً يفيد بها الهيئة الاجتماعية، أما خاصّة الفينيقيين وأهل سورية فإنّ دعوتهم إنما كانت نشر التمدُّن. فقد بلغ التمدّن في بابل وآشور مبلغًا أعظم منه في أنحاء الشام، لكنّهم لم يُعطَوْا هبةً نالها السوريون فامتازوا بها في كل أجيّالهم؛ نريد الإقدامَ على نشر المشروعات؛ لأن الآشوريين لم يجدوا بقُرْبهم بابًا بحريًّا يخرجون منه إلى بقية أنحاء العالم، أمّا السوريون الذين عاشوا بين بلاد متوغّلة في التمدن، وبلادٍ جديدة كانت تنتظر نعمة المدنيَّة، فقد توّلوا هذا الأمر وازدادوا ثراءً ونفوذًا بفضل موقع بلادهم.

ويعلّل لامنس براعة الفينيقيين في أحوال البحر بعدّة أسبابٍ هي: وفرة الأخشاب اللازمة لتجهيز السفن في غابات لبنان، إضافة لكثرة الرؤوس والخلجان في شواطئهم، إضافةً لبراعتهم في تصميم السفن حيث كانت سفنهم مميّزة بقعرها المسطّح وبذلك كانت تتمكّن من الإبحار في المياه الضحلة وتصل إلى البرّ بسهولة دون تعرّضها لخطر الاصطدام بالصخور، بل إنّ لامنس لا ينسب إلى السوريين فضل نشر المدنيّة إلى الغرب فحسب، بل يُرجع إليهم الفضل في تطوّر الملاحة وصولًا لاكتشاف الأمريكيّتين بفضل الملاحة البحرية التي اكتسبها الأوروبيّون.

السوريّون حملة التمدّن القديم

يقتبس لامنس عن لونرمان في تاريخ الشرق القديم “كان ينبغي للشعب المدعو لتنظيم الكتابة البشرية وتكميلها ونشرها، أن يكون شعبًا تجاريًّا عاملًا، لا يستغني عن مسك الدفاتر وضبط الحسابات التجارية، ويكون مع هذا متاخمًا لمصر موسومًا بسمة التمدن المنتشر على ضفاف النيل”.

في إشارة إلى أعظم اختراع قدّمه السوريّون للبشرية وهو “الأبجدية“، كما ينسب لامنس للفينيقيين الفضل في إثارة قريحة اليونانيين الفنية لأنّهم نقلوا عبر تجارتهم حول المتوسّط فنون الشرق وثقافته حتّى التماثيل التي كان المصريّون ينحتونها، والمصنوعات اليدوية التي صنعها الشاميّون من أحجارٍ كريمة ونقوشٍ وصولًا للأدب والفن.

وقد حفظ أهل فينيقية السيادة على البحار حتى في عهد اليونان بعد فتوحات الإسكندر، وقلما تجد في تواريخ اليونان كاتبًا يذكر سفينة لا يكون ربانها سوريًّا.

ويستغرق لامنس في المديح للسوريين فيعزو اختلاف طوائفهم المستمرّ عبر التاريخ لتضاريس بلادهم الفريدة، فهي من جهة تملك حدودًا طبيعية تفصلهم عن الشعوب حولهم، ومن جهة ثانية فإنّ سلسلتي الجبال اللتان تمتدّان من الشمال للجنوب بموازاة الساحل جعلت سكان كلّ منطقة منعزلين عن إخوتهم بحواجز طبيعية عبر خطوط الطول، بينما تمنع درجات الحرارة المتغيّرة بين الشمال والجنوب الامتزاج عبر خطوط العرض، وبذا تقلّ نسبة امتزاج الشعوب السورية.

المقدسي وجغرافية سورية في القرن العاشر الميلادي

يتحدّث في البداية بإعجاب شديد عن كتاب المقدسي ودقّته وفائدته ومواصفاته وأسلوبه، ثمّ يأتي باقتباساتٍ كثيرة عن أوصاف المقدسي لبعض مدن سوريا مثل تدمر ودمشق وحلب وصولًا للقدس مسقط رأسه، وسأكتفي باقتباسٍ عن دمشق وآخر عن حلب.

دمشق هي مصر الشام ودار المُلك أيام بني أمية وثَمَّ قصورهم وآثارهم، بنيانهم خشب وطين، وعليها حصنٌ من طين، أكثر أسواقها مغطاة، ولهم سوق على طول البلد مكشوف حسن، وهو بلد قد خرقته الأنهار، وأحدقت به الأشجار، وكثرت به الثمار، مع رخص أسعار، وثلج وأضداد، لا ترى أحسن من حماماتها، ولا أعجب من فواراتها، ولا أحزم من أهلها.

وأما حلب، فبلدٌ نفيسٌ خفيفٌ حصينٌ، وفي أهلها ظُرفٌ ولهم يسارٌ وعقولٌ، مبنيٌ بالحجارة عامر، في وسط البلد قلعة حصينة واسعة فيها ماء وخزائن السلطان، والجامع في البلد، شربهم من نهر قُوَيق يدخل إلى البلد إلى دار سيف الدولة في شباك حديد”.

بلاد سورية في القرن الثاني عشر وفقًا لرواية ابن الجبير

يقارن في البداية بين المقدسي وابن جبير، حيث إنّ أهمّ ما يميّزهما أنّ المقدسي يُعدّ ابن البلد العارف بشؤونها، بينما ابن الجبير رحّالة غريب، يلفت نظره أمورًا يراها ابن البلد طبيعيّة، فكان المقدسي يقصد من كتابته الإفادةَ والتعليمَ، أما ابن جبير فإنه يتوخى من كتابته بهجة القراء وترويح ألبابهم، وكذلك تجد الأوّل كثير التدقيق محبًّا للضبط والإيجاز، على خلاف الثاني الذي يطلق العنان لقلمه، فتراه يمزج تفاصيل رحلته بما يعاينه ويسمعه، وربما أدمج وصفه بالأخبار والماجريات التي جرت إبّان رحلته أو نقلها عن الرواة.

فينقل لامنس عن ابن الجبير في وصف احتفاء أهل الشام بالضيف وحُسن معالتهم للغريب “فالغريب المحتاج هنا إذا كان على طريقة مصون محفوظ غير مُرِيق ماء الوجه، وسائر الغرباء ممن ليس على هذه الحال ممن عهد الخدمة والمهنة، يُسبَّب له أيضًا أسباب غريبة من الخدمة، إما بستان يكون ناطورًا فيه، أو حمام يكون عينًا على خدمته وحافظًا لأثواب داخلية، أو طاحونة يكون أمينًا عليها، أو كفالة صبيان يؤديهم إلى محاضرهم ويصرفهم إلى منازلهم، إلى غير ذلك من الوجوه الواسعة”.

0

شاركنا رأيك حول "كتاب المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية لهنري لامنس: سوريا تاريخيًّا وبأعين الجغرافيين العرب"