كفاح طيبة
0

للحضارة الفرعونية سحرٌ خاص؛ كلما تعمّقت أكثر كلما انبهرت أكثر. وأظن أن هذا المبدأ هو الذي اتّجه له نجيب محفوظ لكتابة الثلاثية التاريخية: عبث الأقدار (1939)، رادوبيس (1943)، كفاح طيبة (1944)، التي تتحدث عن الملك أحمس طارد الهكسوس.

فمكونات الحياة المصرية في عصر الفراعنة تمثِّل مادة دسمة للأدب؛ أسر فرعونية، تقلبات في الحياة الاقتصادية، تنوعات دينية، حياة نيلية، وقوة عسكرية.. كل ما يحتاجه الأدب من مواضيع وأشكال ليتكوَّن. ولكن، ما الميزة في الأدب؟ 

كفاح طيبة: الفراعنة بين الأدب والتاريخ

رواية كفاح طيبة للكاتب العالمي نجيب محفوظ طبعة مكتبة مصر. أحمس طارد الهكسوس
رواية كفاح طيبة لنجيب محفوظ، طبعة مكتبة مصر.

الأدب والسينما هما أفضل الطرق التي تنقل الإنسان إلى أجواء تلك العصور القديمة جدًّا، فكتب التاريخ تعتمد بالأساس على أن تقدِّم لك تلك الحضارة على أنها سنوات من التاريخ والمباني والصعود والهبوط واختلاف الديانات؛ أما الأدب -والسينما أيضًا- يكون اهتمامها الأساسي: الإنسان الذي أحدث تلك الحضارة وأنتجها، مشاعره وحياته وأفكاره.

وهو ما فعله نجيب محفوظ هنا في رواية كفاح طيبة؛ فقد حوَّل محفوظ شخصية أحمس، ذلك القائد الأسطوري المعروف في التاريخ بتحريره لوطنه، إلى إنسان بشحم ولحم؛ له مشاعر وأفكار وحياة يومية؛ وأنزله من عزلته كأسطورة تاريخية -قد يراها البعض خيالية- إلى شخص يمكنك أن تقترب منه وتجد فيه ما يمكن أن يكون فيك، أن تشعر يقيمة ما فعله إنسان عادي اسمه تخلّد في التاريخ حارب لأجل أسرته ووطنه، تتعاطف معه أحيانًا وترفض تصرفاته في مواقف ما، فتشعر بقربك منه وكأنّك انتقلت لعصره وعشت معه.

نرشح لك قراءة: الكتب الأكثر استدعاءً في الأعمال الفنية.. ما علاقة نجيب محفوظ؟

خطف القارئ: كيف تنقل القارئ إلى قلب عصر آخر؟

نجيب محفوظ
أحمس كما رآه نجيب محفوظ في رواية كفاح طيبة: الفراعنة بين الأدب والتاريخ.

اعتمد نجيب محفوظ في بداية رواية كفاح طيبة على أسلوب معتاد منه: ضع القارئ مباشرة في الحدث. وهو أسلوب على قدر نجاحه في إدخال القارئ إلى أجواء الرواية بسرعة إلا أنه كان مخاطرة هذه المرة؛ فنقل القارئ إلى قلب عصر قديم مثل العصر الفرعوني قد يحتاج إلى تمهيد كبير يتم فيه رسم الشخصيات والأجواء ومراعاة الزمان ومكونات المشاهد وطبيعة التفكير وهكذا.

إلا أن مخاطرة محفوظ كانت في منطقة آمنة، فقد اختار بذكائه أن ينقل القارئ مباشرة إلى حدث مهم معتمدًا في رسم المشهد على أشياء معروفة بشكل مسبق لأي شخص درس التاريخ الفرعوني في المدرسة؛ السفن التي تنتقل عبر النيل، الرسل المبعوثين من حاكم لآخر، الاعتزاز الديني لكل إقليم بالإله الخاص به، والأهم قضية احتلال الهكسوس لمصر ومحاولة إذلال المصريين. 

مثّلت هذه العوامل المعروفة مسبقًا في نقل القارئ إلى أجواء الرواية مباشرة؛ بلغة قوية مشوقة وتعبيرات جعلتني شخصيًا أظن أنني أسمع صوت الهواء النيلي وطرقعة الأحذية على أرضية القصر الفرعوني. فكان الفصل الأول، والذي يعتبر واحد من أجمل الفصول التي كتبها محفوظ، مشوقًا والأحداث في متسارعة ومتصاعدة مما ينقلك إلى الأحداث مباشرة ولا تهدأ قبل أن تكون قد توغلت في الحكاية وانتقلت إلى العصر الفرعوني

نرشح لك قراءة: في رواية عصر الحُبّ يقول الراوي: الكثير من الحُبّ ولا عائد!

أحمس: كما لم تعرفه من قبل

كفاح طيبة - أحمس طارد الهكسوس
الفراعنة بين الأدب والتاريخ.

لا يخفى عن أي دارس للتاريخ المصري أهمية اسم الملك أحمس ابن كاموس، وحفيد سيكننرع؛ الذي طرد الهكسوس من مصر وحرر وطنه وحفظ ماء وجه أسرته. ولكن ما جاء عن أحمس كان أغلبه ينصب في جزئية الحرب والتحرير والعجلات الحربية، فتشعر بقوته ولكنك لا تشعر بقربه منك، أسطورة معزولة عن المصري الحديث. وهنا أتى دور الأدب، وهو ما فعلته الرواية؛ فقد قرّبت القارئ الحديث من تلك الأسطورة وحولتها لشخص تعيش معه همومه وحبه وتخطيطه ورغبته في التحرير وإنقاذ بلاده وأسرته. 

ظهر أحمس في الفصل الأول في أجزاء بسيطة تشير إليه وتمهد لما هو قادم، ثم ظهر بطل الحكاية من الفصل الثاني وظهرت معه كل ما لم ندرسه في كتب التاريخ المدرسية؛ المشاعر والخوف والقلق والحب.. وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين الأدب والتاريخ.

أحمس طارد الهكسوس: كما لم تعرفه من قبل في رواية كفاح طيبة
قصة الملك أحمس طارد الهكسوس في رواية كفاح طيبة للعالمي نجيب محفوظ.

تابعت رواية كفاح طيبة تطور شخصية أحمس من الشاب الذي أُرسل لمصر للاستكشاف وحماسه وتهوره في مرحلة الشباب إلى القائد الذي يتحمل مسؤولية التحرير، بين الشاب الأسمر كعامة المصريين الذي نشأ في بيئة خشنة بعد هجرة الأسرة الحاكمة للنوبة القاحلة وبين الإنسان الذي وقع قلبه في الحب من امرأة غير زوجته، من الشاب المتحمس المتمسك بهدفه مهما كان إلى القائد الحكيم الذي ضحى بشخص عزيز على قلبه لإنقاذ وطنه. 

كل هذه الأشياء وتطورها وظهورها ساعد في تقريب الشخصية التاريخية الأسطورية الملك أحمس؛ ليصبح أحمس الوطني مثلنا والذي يرفض الإذلال ويعمل على تحرير وطنه؛ خاصة وأن الرواية صدرت عام 1944 أثناء الاحتلال الإنجليزي لمصر، والذي يفتح الباب للتساؤل: هل كان محفوظ يقصد فقط كتابة ملحمة تاريخية عن قصة كفاح طيبة، أم أنه كان يذكِّر المصريين بتاريخهم مع المحتلين وكيف تغلبوا عليهم؟ 

لماذا توقف نجيب محفوظ عن كتابة الرواية التاريخية؟

بعد انتهائي من قراءة رواية كفاح طيبة من الطبعة الصادرة عن دار الشروق المصرية؛ لفت انتباهي أن نجيب محفوظ بعد كفاح طيبة توقف تمامًا عن كتابة الرواية التاريخية، فما الذي جعل محفوظ يتوقف عن كتابة الرواية التاريخية؟

رواية كفاح طيبة للكاتب العالمي نجيب محفوظ طبعة دار الشروق - أحمس طارد الهكسوس
رواية كفاح طيبة لنجيب محفوظ طبعة دار الشروق.

وبسؤال الأستاذ إيهاب الملاح الكاتب والصحفي القدير عن توقف محفوظ عن الكتابة في الرواية التاريخية، أجاب علينا بأن محفوظ ذكر أكثر من مرة أنه كان يريد أن يكتب حوالي 40 رواية تاريخية، مشابهة لثلاثية: (عبث الأقدار – رادوبيس – كفاح طيبة)، على غرار الروايات التاريخية الكلاسيكية للسير والتر سكوتس، ولكنه توقف عنها وبدأ كتابة الرواية الواقعية؛ لاستشعاره أن الأعمال الثلاثة قد أدت ما كان يريده، وأن عليه أن يبدأ نوع جديد من الكتابة يواجه به مشكلات الواقع والتغيّرات التي تحدث به. 

الكاتب الصحفي إيهاب الملاح.

واستكمل الملاح حديثه بأن محفوظ، وكعادة الكتاب الكبار، كان يرى أنه يتوجب عليه تغيير أسلوبه ونوع الكتابة الذي يتبعه ليواكب التطور الزمني والشكل الذي يتطلبه كل عصر، مثلما حدث بعد الانتهاء من الثلاثية؛ ليبرهن على ذكائه وأنه سخّر ذكائه وقدرته للتعبير والكتابة. 

نرشح لك قراءة: نظرة على المجتمع المصري في أدب نجيب محفوظ: التفاوت الطبقي نموذجًا!

تنتهي الرواية بنفس نهاية الحكاية المعروفة مسبقًا في كتب التاريخ؛ انتصار أحمس في معركته ضد الرعاة الهكسوس وطردهم من مصر بعد احتلالهم لها قرابة القرن من الزمان.. وقد عُثر على الخطة الحربية التي اتبعها الملك أحمس على جدران مقبرة أحد قادته واسمه أحمس ابن إبانا؛ الذي ستظهر أهميته في الرواية، والذي يدل على دراسة محفوظ للحكاية التاريخية بشكل مفصّل قبل كتابة الرواية.

تكللت خطة أحمس بالنجاح تقريبًا في عام 1550 ق.م بطرد الهكسوس وتحرير مصر، وإعادة السيطرة لأبناء طيبة مرة أخرى على مصر، أما قصته ستظل خالدة في التاريخ.

0

شاركنا رأيك حول "أحمس طارد الهكسوس كما رآه نجيب محفوظ في رواية كفاح طيبة"