بشأن تحدي الانطباع الأول وإغراق الميديا بالزيف: هل أينشتاين هنا أبله كما يبدو؟
0

على المستوى المهني، قبل أن تذهب لمقابلة العمل الأولى، ستجد أحدهم ينصحك بإبداء أفضل ما لديك وإظهار أحسن صورة لك، فكما يقولون: الانطباع الأول يدوم. وعلى المستوى الشخصي، يُنصح بالحرص على أن يكون التعامل الأول بينك وبين أحدهم جيدًا إلى حد كبير، لتترك انطباعًا حسنًا في نفس الطرف الآخر. لكن في بعض الأوقات لا تسعفنا الظروف المحيطة لتقديم أفضل صفاتنا، وبنسبة كبيرة لا نترك انطباعات جيدة للآخرين عنا. 

مع ذلك، ما صحة قوة الانطباع الأول فعلًا؟ هل يمكن للانطباع الثاني أن يؤثر على الأول؟ أعطاني أحدهم نصيحة ذات يوم بألا أحكم على البشر إلا بعد مرور الوقت ولا أعتمد على الانطباع الأول بشكلٍ كامل. لكن إنها النفس البشرية التي تنقاد وراء الرأي الأول، وهذا طبيعي، فنحن البشر نميل إلى أن نحكم على الكتب من خلال الأغلفة!

الانطباع الأول - رجلان يتصافحان

تشير معظم الأبحاث إلى أنّ البشر يصدرون أحكامهم على الآخرين سريعًا خلال بضع ثوانٍ من المقابلة الأولى، حيث أنّ 80% من الانطباعات الأولية تقوم على سؤالين مهمين ألا وهما: هل يمكنني الوثوق في هذا الشخص؟ هل هذا الشخص مؤهل؟ ففي الوقت الذي يكوّن فيه الطرف الآخر انطباعًا عنك، أنت أيضًا تقوم بنفس الأمر تلقائيًا. 

قوة الانطباع الأول

يعتقد الكثير من الناس بأنّ الانطباع الأول له تأثير قوي، مما يدفعهم لاستخدام هذا التأثير القوي للسيطرة على الموقف. لنبسط الأمر من خلال مثال، أحد المعلمين يذهب إلى المدرسة في اليوم الدراسي الأول بملابس رسمية ويتحدث مع التلاميذ بشكلٍ رسمي، ثم تجده يأتي للمدرسة في الأيام التالية بملابس عادية. يعتقد المدرس أنه قد نجح في إعداد الطلاب لاحترامه من خلال انطباعهم الإيجابي عنه في اليوم الأول. 

قد يكون تأثير الهالة

الانطباع الأول - رجل ملاك

في كثير من الأحيان يبالغ المرء في وصف شخص ما، استنادًا إلى الانطباع الأول بالطبع. وهذا يرتبط بظاهرة تسمى تأثير الهالة – Halo Effect، وهي ظاهرة فيها يؤدي إدراك الصفات الإيجابية إلى الاعتقاد بوجود صفات إيجابية مشابهة لدى ذلك الشخص. 

يمكننا طرح مثال لتوضيح الأمر، تخيل أنك في حفلة ما، وقابلت شخصًا لطيفًا يتحدث بتودد، في نفس الوقت أنت بحاجة لتمويل مشروع أو أمر ما، ستجد نفسك تلح عليك بأن تتصل بهذا الشخص لطلب التمويل أو المساعدة منه. بالرغم من أنّ اللطف صفة والكرم صفة أخرى، إلا أنك انقدت إلى افتراض أنّ هذا الغريب يحمل صفة الكرم دون مبرر منطقي، فهذا ما هو إلا تأثير الهالة الذي جعلك تربط بين صفتين مختلفتين لمجرد إدراكك لصفةٍ إيجابية منهما. 

من الواضح أنّ تأثير الهالة قوي جدًا، لكن مع ذلك، فهو ليس بهذا القدر من التأثير في العلاقات طويلة المدى. عودة إلى مثال المدرس والطلاب. ماذا إذا رأى التلاميذ معلمهم يتصرف تصرفًا سيئًا، هل سيُكنون له نفس الاحترام؟ الإجابة لا، يتضاءل تأثير الهالة شيئًا فشيئًا بمرور الوقت مع كل تصرف غير جيد من المعلم. 

بشأن صورة آينشتاين

الانطباعات الأولية مهمة، لكن يبقى للجوهر الكلمة الأخيرة.

ربما إذا كانت هذه المرة الأولى التي ترى فيها صورة ألبرت آينشتاين تلك، سيكون الانطباع الأول سيئًا للغاية وتستبعد أي صفة جيدة له، لكن إذا أخبرتك أنّ صاحب هذه الصورة تُرفع له القبعة كلما مرّ اسمه في مجالس العلماء لِما أبداه من عبقرية منقطعة النظير، سيُصيبك الذهول غالبًا. وستَربط هذه الصورة بالعبقرية لا الجنون. 

الانطباع الأول - أينشتاين يخرج لسانه

وهنا تكمن المشكلة، فهناك العديد من الناس هم آينشتاين من حيث الانطباع الأول يا رفاق، وفرص تحسين هذا الانطباع الأول السلبي ليست كثيرة. إذا كان الأمر هامًا، فيجب الانتباه إلى كيفية تأثير الانطباع الأول عنك للآخرين. فربما لا تسنح الفرصة لك أن تصحح الانطباع إذا كان سيئًا. إضافة إلى ذلك، نجد أنّ الانطباعات الأولى الإيجابية تزيد التماسك الاجتماعي، بعكس السلبية التي تخلق التعصب والتحيز الاجتماعي. 

لكن الانطباع الأول فخ خطير

هناك رأي يزعم بأنّ مصطلح الانطباع الأول يجعل المرء مرتديًا لثياب التكلف، ويتخلى عن طباعه الشخصية لمجرد إرضاء الآخرين؛ أي أنه يتخلى عن الأصالة الكامنة داخله. وهذا بحد ذاته قد يخلق شيئًا من الخداع للآخرين. إضافة إلى أنه يجعلنا نسعى للحصول على رضا الآخرين، بدلًا من البحث عن طرق نستطيع من خلالها أن نجد الرضا الذاتي. 

فما الفائدة من الحصول على وظيفة والعمل بها بينما تترك روحك وطباعك في المنزل؟ لمَ تجعل شخصًا ما يقع في حبك لأنه رأى شخصًا آخر غيرك فيك؟ ما الذي يجبرك على ارتداء عدة وجوه لترضي الآخرين وتنسى نفسك؟ فهذا يدفعك للبحث عن التقدير الخارجي، وتُسحق أصالتك الداخلية دون أن تدري.

السعي للكمال

الانطباع الأول - قص الحشائش

من منا لا يرغب في الحياة المثالية الخالية من المشاكل وكل أنواع الفشل، لكن قد تصل هذه الفكرة لدرجة السمية في بعض الأحيان. غالبًا ما يصل الإنسان إلى هذه الحالة نتيجة للضغوط التي يتعرض لها، مثل: تجنب الفشل أو المقارنة مع الآخرين. وقد يترتب على ذلك نتائج غير مرغوبة، مثل: التسويف وتجنب التحديات والتفكير داخل الصندوق دائمًا والاستغناء عن الإبداع وقلة احترام الذات. عادةً ما يصاحب ذلك كله القلق والاكتئاب واضطرابات الأكل، بل إنّ دوافع الانتحار تنمو. 

الكمال بمثابة تجريد من الواقع، فالواقع غير كامل، ولا بد من وجود صراعات ومشاكل في الحياة، فلو لم تكن هناك مشاكل في الحياة لصار هذا الأمر مشكلة بحد ذاته. قد يرتبط الكمال بفكرة الانطباع الأول عندما يبالغ الشخص ويتخلى عن ذاته وطباعهِ ويتقمص شخصية أخرى، شخصية كاملة، في الواقع هي غير موجودة. لأنّ الكمال ليس موجودًا، أي أنّ صاحبنا الساعي وراء الكمال، هو في الحقيقة يسعى خلف وهم. 

نعم، الحياة تعطي فرصًا أخرى

الانطباع الأول - السعي نحو الأحلام

  • لم يكن والت ديزني مبدعًا بما يكفي لذلك فقد عمله أيضًا. 
  • فُصل جيري ساينفيلد (ممثل أمريكي كوميدي) بعدما قدم عرضًا، فقد رأى المنتجون أنه شخصية غير مؤثرة. 
  • طُردت أوبرا وينفري من عملها في بداية حياتها المهنية، لأنها لم تكن مؤهلة للعمل في مجال الأخبار التلفزيونية. 
  • المخترع العبقري أديسون، الذي فُصل من المدرسة لافتراض المدرسين أنه غبي. توفي عام 1931، لكن أثره ما زال ممتدًا إلى اليوم، فقط تأمل أي مصباح بالقرب منك وستدرك القيمة التي قدمها هذا الرجل للبشرية. 

كل هذه الأمثلة السابقة لأشخاص ناجحين، فشلوا في المرة الأولى، وأصبح الانطباع الأول عنهم سيئًا للغاية، ولكنهم لم يتخلوا عن الأصالة التي بداخلهم، وأطلقوا العنان لإبداعاتهم، ووضعوا لمساتهم الشخصية. لم ييأسوا ولم يتخذوا الانطباع الأول عنهم حجة لتبرير فشلهم، واستمروا في المحاولة، وسعوا لتقديم أفضل ما لديهم كل يوم، دون التخلي عن الأصالة الكامنة بداخل كل واحد منهم، حتى أصبحوا من أكثر الشخصيات إلهامًا في العالم. 

كن أنت تزدد جمالًا

الانطباع الأول - تحقيق النجاح

إنّ الانطباع الأول مهم، لكن التكلف والمبالغة فيه والتعامل مع أي فرصة وكأنها حياة أو موت ليس مفيدًا على الإطلاق، بل إنه يحد من إمكاناتك. فالعفوية الشخصية سواء في العمل أو التعامل مع الناس تضيف لمسة من الإبداع، وتكسر الجمود، وتظهر الجانب الجميل في الشخصية. 

نسيت أن أخبرك، هناك الكثير من الناس يكرهون التكلف الواضح، والذي يظهر عندما يبالغ الشخص في الظهور في أبهى صورة له حتى أنه يترك شخصيته على جانب ويرتدي شخصية أخرى ثم ينطلق؛ أي أنك لن تستطيع إرضاء الجميع مهما فعلت يا صديقي، وتأكد من أنك إذا زيفت شخصيتك، حتمًا سيدركها الناس قريبًا. حتى إنّ التكلف سيؤدي إلى زيادة الضغط على حياتك الشخصية.

لا تترك ذاتك خلفك وتنقاد وراء وهم الكمال، اصطحبها معك، صدقني ستكسر الجمود وتعطي حيوية في الأرجاء بدلًا من جوّ التكلف عديم القيمة. الانطباع الأول لا يدوم كما يقولون، فإن كان كذلك ما كنت ستُكن الاحترام لشخصية مثل آينشتاين. إذا تركت ذاتك خلفك فمن الذي سيعتني بها؟ أي لا تظلم ذاتك لترضي الآخرين. وإن تكلف جميع الناس وتركوا شخصياتهم الحقيقية في المنزل، أظن أن جميعنا سندخل في عالم السينما والتمثيل بكل جدارة، وستكون المنافسة شرسة.

0

شاركنا رأيك حول "بشأن تحدي الانطباع الأول وإغراق الميديا بالزيف: هل أينشتاين هنا أبله كما يبدو؟"