عن كوفيد-19: تحور الفيروس والاندماج مع الإنفلونزا القادمة.. هل يستحق القلق حقًا؟
0

هل كوفيد-19 قادرٌ حقًا على الاندماج مع فيروسٍ آخر ليشكل لنا تهديدًا جديدًا؟ كيف يحدث ذلك الاندماج وما الفرق بينه وبين ما سمعنا به كثيرًا تحت مسمى: التحور..؟ هل الاندماج أخطر أم التحور وأيهما ذو احتمالية حدوث أكبر؟ في هذا المقال سنحاول أن نقدم إجابة مُبسطة لكل هذه الأسئلة.

كوفيد-19 مصدره الاندماج أم التحور؟

التكوين الفيروسي

كي نستنتج السلوك الذي سيسلكه الفيروس، يجب علينا أولًا أن ندرس كيفية تكونه ونوعه وسلوكه الحالي ومن ثم نحاول أن نتنبأ بسلوكه فيما بعد. غالبًا ما تتكون الأمراض الفيروسية نتيجة تحولات جينية عندما ينتقل الفيروس من النوع الذي يعمل عليه (كفيروس خاص بالطيور مثلًا) إلى نوعٍ جديد (يتحور ليصيب البشر)، عند انتقال الفيروس للجسم الجديد سيبدأ في محاولة استنساخ نفسه ونشرها في خلايا الجسم، وهنا تكمن المشكلة الأولى التي سيواجهها الفيروس، وهي أنه لن يكون قادرًا على الارتباط بالمستقبلات الموجودة على سطح الخلايا الجسدية§، فمستقبلات الفيروس تكون مصممة لمهاجمة نوع واحد فقط من الخلايا.

التحور في الفيروسات والنهاية المسدودة dead-end hosts
مستقبلات الفيروس تكون مصممة فقط لمهاجمة نوع واحد فقط من الخلايا.

عندما يفقد الفيروس قدرته على التكاثر في خلايا الجسم المختلفة يصل إلى ما يُعرف بالنهاية المسدودة Dead-End Hosts: وهي الحالة التي يتكاثر فيها الفيروس في نوعٍ من الخلايا لكنه لا يستطيع الانتقال منها لخلايا أخرى، فيموت في نهاية المطاف. وبالرغم من أن هذا غالبًا ما يكون مصير الفيروسات التي تدخل أجسادنا، إلا أن العديد منها قد تخطى هذه العقبة، كفيروس نقص المناعة (والذي جاء من الشمبانزي) أو إنفلونزا الطيور (من الطيور) والإنفلونزا الإسبانية§، والآن كوفيد-19 فلماذا هذه الفيروسات دون غيرها؟

يعتمد الأمر بشكلٍ كبير على الطفرات الجينية وآلية الانتقاء الطبيعي عند الفيروس، يستغل الفيروس الطفرات التي تحدث في مادته الوراثية بالانتقاء الطبيعي ليتخير الطفرات التي تسمح له باستخدام أفضل للآليات الخلوية – Cellular Machinery أو تعزيز مقاومته للمناعة الجسدية، وقد يفسر لنا هذا لماذا نجد الفيروسات التي تتكون من الحمض النووي الريبوزي RNA (بدلًا عن DNA) هي التي يكون لها فرصة أكبر في خلق مسببات مرضية جديدة، لأن الحمض النووي الريبوزي يحدث به معدل طفرات أكبر بكثير من معدل طفرات الحمض النووي دي إن آيه§.

قد يبدو هذا غير مفيد للفيروس، لأن الطفرات بطبيعتها تكون ضارة وغير مفيدة، إلا أن الطفرات التي تحدث للفيروسات تسلك سلوكًا مغايرًا لانتقاء الطفرات واستغلالها، وقد أُثبت هذا في إحدى الدراسات لعام 2011§ على فيروس نباتي، حيث وُجد أنه عند انتقاله من نوع لنوعٍ جديد كان معدل الطفرات الضارة قد انخفض بشكلٍ كبير.

كما ذكرنا يستخدم الفيروس هذه الطفرات في تعزيز بقائه في الجسم، ولكن من أهم التغييرات التي تولدها للفيروس هو تغيير في موقع ارتباط المستقبلات التي تربطه بخلايا الجسم الجديد، وبالتالي يرفع الفيروس إمكانية انتشاره بفعالية أكبر ويصبح قادرًا على التكاثر في أغلب خلايا الجسم، أحد أشهر الأمثلة على ذلك هو فيروس البارفو، الذي انتقل من القطط إلى الكلاب، يُعد السبب الرئيسي لهذا الانتقال هما طفرتين في الـ Viral Capsid Gene سمحتا للفيروس بالارتباط بمستقبل الترانسفيرين عند الكلاب – Canine Transferrin Receptor§، وجود تلك المستقبلات عند فيروسات مثل كوفيد-19 هو ما يجعلها قابلة لإصابة البشر.

التحور و الاندماج في الفيروسات
من أهم التغييرات التي تولدها الطفرات للفيروس هو تغيير في موقع ارتباط المستقبلات التي تربطه بخلايا الجسم الجديد وهذا ما حدث في حالة كورونا- كوفيد-19.

هل جاء كوفيد-19 من التحور في خفاش أم الاندماج مع بنغول؟

والآن، ماذا عن كوفيد-19؟ حسنًا، إن الأمر أكثر إبهامًا في هذه الحالة، وحتى الآن نحن نقف أمام نظريتين، الأولى هي النظرية التحليلية الأولية والتي رأت أن أقرب فيروس من كوفيد-19 الذي يصيب البشر موجود عند أحد أنواع الخفافيش§ إلا أن هذا الفيروس يُظهر فقط سلفًا مشتركًا بين فيروس البشر، فمن الواضح أن هناك حلقة مفقودة في تحور هذا الفيروس من الخفاش إلى أنواعٍ أُخرى [أي أن الفيروس لا يمكنه أن ينتقل من الخفاش للإنسان ويجب أن يمر بمرحلة تحور أخرى] وحتى الآن يشير العلماء إلى آكل النمل الحرشفي أو المعروف بالبنغول بأن عملية التحور حدثت به، وعلى الرغم من أن نسبة تشابه فيروس البنغول بكوفيد-19 تصل إلى 99% (والـ 1% في التشابه الجيني هي نسبة ليست ضئيلة) إلا أن التسليم به كمصدر لكوفيد-19 يظل مسألة مشكوك بها§.

أما النظرية الأخرى: فهي تبدأ من ديسمبر 2019 عندما فُحض 27 من أصل 41 مصابًا بفيروس كورونا في مدينة ووهان تحديدًا بمقاطعة هوبي. مرت الحالات الأولى المصابة بالفيروس كلها بسوق الحيوانات البرية والتي تُعد بيئة خصبة للفيروسات، حتى تصل إلى المستشفى من هُنا تثار الشكوك حول نشوء كوفيد-19 من اتحاد أكثر من فيروس قد التقطهم هؤلاء المرضى أثناء رحلتهم إلى المستشفى.

أظهر التحليل الجيني للفيروس لكوفيد-19 (سارس-كوف-2) أنه يتشابه للغاية مع سارس-كوف الفيروس الذي ظهر في الصين عام 2002 ثم انتشر في العديد من الدول العالم، من المثير للاهتمام أن الخفافيش كان لها دورٌ كذلك في انتشار ذلك الوباء§ ما يُثير الشك مرة أخرى حيال الخفافيش.

كان الشك قد انزاح عن البنغول، بعد أن وجد أن فيروس البنغول الماليزي يتشابه فقط بنسبة 90% مع كوفيد-19، ولكن كان هناك أمرٌ مثير: وهو أن التشابه بين فيروس البنغول التاجي وكوفيد-19 البشري يتمركز جزءٌ منه في البروتين إس – S Protein: وهذا البروتين يتطابق مكونه مع 74 من تشكيل الأحماض الأمينية الخاصة بارتباط مستقبل الأنجيوتنسين البشرية – Angiotensin Converting Enzyme 2 Receptor وهذا ما يسمح للفيروس بالانتقال من البنغول للبشر بسهولة [حيث أن المستقبلات متشابهة]، وهذه الميزة غير موجودة في فيروس الخفاش، لذلك يرى بعض الباحثون أن الكوفيد-19 كان ناتجًا من اتحاد الفيروسين؛ الخفاشي: وهو المسؤول عن سلوك الفيروس بشكل عام، والبنغولي: وهو المسؤول عن انتقال الفيروس للإنسان.

حيوان البنغول الذي يعتقد انه ساعد في التحول أو الادنماج الذي حدث لفيروس كورونا- كوفيد 19
البنغول.

ماذا سيحدث في حالة التحور أو الاندماج في كوفيد-19

حتى الآن كما نرى قد يسلك الفيروس الاتجاهيين: التحور والاندماج. ولكن ماذا سيحدث في الحالتين؟ هل حقًا سيقل خطره في حالة التحور وهل سينتج فيروسًا خطيرًا عند الاندماج؟

التحور في كوفيد-19 §

على الرغم من أن التحور يحدث بوضوح في كوفيد-19؛ إلا أنه حتى الآن لا يُثير مخاوف كبيرة عند العلماء. بدأ ديفيد مونتيفيوري، عالم الفيروسات، دراسة الطفرات التي تحصل لكوفيد-19 مع عالم المعلوماتية الحيوية ببيت كوربر، وجد كوربر في بداية أبحاثه أنه على الرغم من أن كوفيد-19 يتحور قليلًا مقارنة بالفيروسات الأخرى (الإنفلونزا مثلًا) إلا أنه يُظهر خطأً جينيًا واحدًا يحدث بانتظام أثناء عملية النسخ يؤدي لتغيير نوكليوتيد في شفرة RNA الفيروسية، أُطلق عليها فيما بعد طفرة D614G.

نشر كوربر ومونتيفيوري في أبريل ورقة تحذر من أن هذه الطفرة قد يزداد معدلها في السلالة التي انتشرت في أرجاء أوروبا ووصفتها بأنها قد تصبح منتجًا جيدًا للانتقاء الطبيعي، على الرغم من أن تحذيرات كوربر -حتى الآن- لم تكن في محلها (فلم يحدث تحور مُثير للاهتمام غير شيء في آلية عمل الفيروس) ولكن كان من الغريب أن معدل زيادة هذه الطفرة قد تضاعف عدة مرات كما يبين الشكل:

معدل انتشار طفرة d614g التي تحدث لفيروس كورونا- كوفيد-19 والتي قد تسبب التحور او الاندماج
انتشار الطفرة

أظهرت النتائج النهائية حتى الآن أن أحد الإنزيمات الموجودة في الفيروس تتسبب في تراكم طفرتين على الأقل في جينومه شهريًا، أي ما يقترب من نصف معدل تغير الإنفلونزا وربع معدل فيروس نقص المناعة البشرية. لكن الخبر الجيد أن هذه الطفرات في حالة كورونا غالبًا لن يكون لها أي تأثير في انتشار المرض (خصوصًا بعد أن رصد العلماء 12000 طفرة حتى الآن)، والأفضل من هذا أن هذه الطفرات قد تسبب مشاكل جينية تخفض من معدل انتشار الفيروس§ وهذا خبرٌ رائع.

هل الاندماج في كوفيد-19 مع الإنفلونزا مُقلقٌ حقًا؟

القلق الأول عند العلماء من موسم الإنفلونزا القادم ليس الاندماج الكيميائي أو الفيروسي كما يتوقع الجميع، بل الاندماج الموجه ضد البنية الصحية. لا تكفي القاعدة الصحية في أغلب البلدان لمكافحة الإنفلونزا وحدها، في موسم 2017-2018 للإنفلونزا في أمريكا، احتاجت المستشفيات لطلب ممرضات عن طريق استخدام المروحيات، ونُصبت الخيام في الشوارع لعلاج المرضى، وبالرغم من ذلك توفي ما يصل إلى 95000 مريض§، فماذا لو كان كوفيد-19 لجانب هذا؟

حسنًا سيتغير الكثير، نحن الآن نستخدم كشف الحرارة للكشف عن المصابين، في حالة الإنفلونزا لن يصلح هذا على الإطلاق وسيؤدي لخلق عبءٍ جديد وهو التفريق بين مصابي كورونا ومصابي الإنفلونزا، وسيتم التخلي عن اختبار الحرارة واستخدام المسح الطبي مباشرةً، مما سيرفع الضغط على البنية الصحية.

اسعاف الولايات المتحدة الأمريكية لمجابهة كوفيد-19 والإنفلونزا
عربات الإسعاف في الولايات المتحدة الأمريكية.

لا تزال توقعات موسم الإنفلونزا غير أكيدة، فقد يكون التباعد الاجتماعي والالتزام الذي اتبعته الدول سببًا للحد من انتشار الإنفلونزا عن الحد المُعتاد مما قد يُلغي الضغط الزائد (المُحتمل) على البنية الصحية كما يرى بعض العلماء.

يرى علماء آخرون أن الإنفلونزا ستكون بمثابة الدفعة القادمة لكوفيد-19 خصوصًا بعد أن نُشرت دراسة§ على 1200 مريض كوفيد-19 من كاليفورنيا وجدت أن 20% من المصابين ارتبط الفيروس عندهم بفيروس تنفسي آخر كانوا قد أُصيبوا به من قبل، إذًا قد يرفع هذا من نسبة مصابي كورونا طردًا مع مصابي الإنفلونزا.

أما بالنسبة للاندماج الفيروسي، فلا يقلق منه أغلب العلماء منه، يقول علماء الأوبئة إن تفاعل الفيروسات وتداخلها معًا سيقلل من ضررها العام§ أما الدراسة الوحيدة التي كانت مُثيرة للقلق نسبيًا فهي دراسة معهد ماكس بلانك الألماني ومعهد باستير الفرنسي، وهي تحاول أن تؤيد الطرح الذي ذكرناه منذ قليل: أن مريض الإنفلونزا ستزيد احتمالية إصابته بكوفيد-19 وكذلك سيزيد من نشره بالوسائل المعروفة: العطس (والذي سيزيد لمصاحبة الإنفلونزا) والملامسة وما إلى ذلك، ولكن لم يذكر الباحثون شيئًا حيال اندماج الفيروسين في فيروسٍ جديد.

0

شاركنا رأيك حول "عن كوفيد-19: تحور الفيروس والاندماج مع الإنفلونزا القادمة.. هل يستحق القلق حقًا؟"