الروايات
0

هل قراءة الروايات مضيعة للوقت حقًا؟ قد لا يعلم الكثير هذا، ولكن الرواية كانت الفن الأكثر تأثيرًا في التاريخ الإنساني، لست أقصد بذلك الروايات التي غيرت مجرى تاريخ البشرية، كرواية كوخ العم توم للكاتب هارييت ستو والتي لعبت دورًا أساسيًا في إلغاء عقوبة الإعدام في شمال الولايات المتحدة والتمهيد للحرب الأهلية§، ولا رواية 1984 للكاتب جورج أورويل التي أوقفت الأنظمة الشمولية عند حدها، ولكن أقصد بذلك بداية تاريخ الإنسانية المبكر، لا ليس منذ ثلاثة آلاف عام، بل إلى ما يتخطى المئة ألف عام§.

هل قراءة الروايات مضيعة للوقت حقًا؟

القراءة والوقت
هل قراءة الروايات مضيعة للوقت حقًا؟ نظرة على الفَنّ الأكثر تأثيرًا في التاريخ الإنساني.

كانت الرواية (القصة) هي الوسيلة الأساسية التي استخدمها الإنسان البدائي ليصف لقومه المخاطر، كانت هذه هي الغاية الأساسية للرسم في الكهوف، توضيح قصصٍ عن الذي يحدث للشخص الذي تلمسه النار، يصاب بالأذى الشديد وتحل عليه اللعنة. وفيما بعد استخدم الإنسان القصة لنشر الحكمة، وجاء ذلك متمثلًا في القصص الدينية.

تمركزت الأديان فيما بعد على القصص الدينية وهكذا جاءت الأديان الثلاث: يمكنك أن تعامل العهد القديم والجديد على أنه رواية طويلة مليئة بالحكم التي نُفسرها لنستخلص منها أحكام الحياة، كذلك القرآن لا يخلو من القصص التي تُختزل منها الحكمة والإرشاد.. إذًا هل كانت كل تلك الروايات مضيعة للوقت حقًا؟

رسم ميثولوجي من كهف قديم في العصر البرونزي. مصدر الصورة: ويكيميديا.
رسم ميثولوجي من كهف قديم في العصر البرونزي. مصدر الصورة: ويكيميديا.

هل تساءلت يومًا لماذا يعيش الأدباء والمفكرون أكثر من غيرهم؟ ميلان كونديرا، نجيب محفوظ أو برنارد شو، تخطى كلهم التسعين عامًا دون أن يصبحوا شيوخًا خرفين، بل إن منهم من استمر في انتاجه الفكري حتى بعد هذه السن، ما السر في هذا؟

باختصار شديد: المخ. يحتاج هذا الجهاز للعمل بشكلٍ مستمر كي يستطيع التكيف مع العمل لفترات بعيدة الأمد مستقبلًا، الأشخاص الذين لا يستثمرون وقتهم في المجهود العقلي (كالقراءة) غالبًا ما سيصابون بشيخوخة مبكرة، وستقل قدرتهم على الاستيعاب والتفكير شيئًا فشيئًا حتى يفقدون القدرة على الاعتناء بنفسهم وغالبًا ما يؤدي هذا لإصابة الفئة التي لا تقرأ (ولا تبذل أي مجهودٍ عقلي لتدرب به أدمغتها) بالوفاة المبكرة أكثر من غيرهم كما وجدت دراسة المركز الطبي بجامعة راش عام 2013§.

وفي الواقع ينطبق الأمر على أي نشاط فكري آخر§ ولكن الرواية والأدب يأخذان مكانًا خاصًا بين تلك النشاطات، أثناء قراءتك للرواية لست تكتسب فقط التمرين العقلي والوظائف الأخرى التي سنذكرها، ولكنك كذلك تخوض تجارب جديدة، تحل مشاكل وتُفكر من نواحي جديدة، تتعلم عن ثقافات جديدة وقد تكتشف تاريخًا جديدًا، كل ذلك فضلًا عن متعة القراءة.

الأدب كنشاطٍ عقلي

إذًا كيف تؤثر القراءة على عقولنا؟ دعونا نبدأ من مرحلة الطفولة مع دراسة جامعة كارنيجي ميلون§لعام 2009 والتي تدرس العلاقة بين القراءة والمادة البيضاء (المادة البيضاء: مادة في المخ تتحكم أنسجتها في وظائف المخ الأساسية مثل التعلم وتنسيق الاتصالات بين المناطق الدماغية§ وتشكل مع المادة الرمادية المكونات الأساسية للجهاز العصبي) قام الباحثون بفحص أدمغة 72 طفلًا لمدة 6 أشهر، مع تقسيمهم لمجموعتين: مجموعة منهما كانت ذات قراءة منتظمة وأخرى لا، أظهرت نتائج الدراسة أن 100 ساعة من القراءة للأطفال والبالغين تحسن بشكل كبير من معدلات المادة البيضاء وعالجت المناطق الدماغية التي كانت معرضة للخطر بسبب مشاكل المادة البيضاء.

نتائج الدراسة - هل قراءة الروايات مضيعة للوقت
نتائج الدراسة: تأثير القراءة الصحي على أدمغتنا.

عندما يقول لك أحد قراء الأدب: أنا أعيش في تلك الرواية. فهو يعني ذلك بكل ما تحمله تلك الجملة من معنى، إن قارئ الأحداث لا يعيش معها فقط بوجدانه، بل يتفاعل عقله معها تفاعلًا مُتتامًا، لست أقصد مع مجرى الأحداث (فهذا أمرٌ ثابت نحن نعيش مع بطل الرواية ونمر معه بالتجربة كاملةً) ولكن “الأحداث نفسها”. وفق دراسة§ نشرت عام 2006 بمجلة Neuroimage فإن المخ يتفاعل مع الكلمات التي يستمع لها، فعندما أقول “بستان الريحان” أو “العطر الجميل” فإن المناطق المسؤولة عن نظام الشم Olfactory system بالدماغ تعمل وتستجيب عند قراءة الكلمة، هذه العملية لا تساعد القارئ على الاندماج في الرواية فحسب بل هي كذلك عملية تنشيط رائعة لأنظمة المخ ستجعلها أقوى وأكثر تحملًا على المدى البعيد.

التجارب الجديدة التي يعيشها القارئ كما ذكرنا تعلمه الكثير، ليس فقط عن الثقافات الأخرى، بل عن الناس والمجتمع، كيف يفكرون وكيف يتواصل معهم بشكل أفضل وكيف يتوقع ردات فعلهم ويفهم مشاعرهم جيدًا في مواقع أخرى، في بحث طويل نُشر على مجلة ساينس§ عام 2013 قام مجموعة من الباحثين بإجراء خمس تجارب بتعيين 1000 مشارك عشوائي لقراءة إما مقتطفات من روايات شعبية مثل دانييل ستيل، أو نصوص أدبية كأعمال أنطون تشيخوف.

هل القراءة مضيعةَ للوقت حقًا فيما يخص فن الرواية؟
إذًا كيف تؤثر القراءة على عقولنا؟

ثم استخدم الباحثون تقنيات نظرية العقل Theory of Mind لقياس مدى قدرة المشاركين على فهم مشاعر الآخرين، وجد الباحثون أن المشاركين الذين قرأوا النصوص الأدبية كنصوص تشيخوف (لا الخيالية كدانييل ستيل) كانوا أكثر فهمًا وإدراكًا للمشاعر التي وُجهت لهم، “إن الرواية ليست مجرد محاكاة لتجربة اجتماعية، إنها تجربة اجتماعية” يقول أحد الباحثين.

نشر باحثون آخرون من جامعة إيموري بأتلانتا، جورجيا، في عام 2013 دراسة مثيرة للاهتمام في مجلة Brain Connectivity عن تجربة قاموا فيها بدراسة 21 طالبًا جامعيًا من جامعة إيموري أمرهم الباحثون بقراءة رواية للكاتب روبرت هاريس بعنوان “بومبي” تحكي عن بطل موجود خارج مدينة بومبي والتي تشتعل في إيطاليا بسبب بركان فيزوف، ويحاول البطل في قصة مثيرة إنقاذ حبيبته من داخل المدينة.

لمدة 19 يومًا قام الباحثون بدراسة المشاركين أثناء قراءتهم للرواية، وُجه الطلاب بعد ذلك لقراءة أجزاء معينة من الرواية في المساء، ثم يعود الطلاب للباحثين في الصباح ليتأكدوا من خلال اختباراتهم أن الطلاب قاموا بقراءة الرواية فعلًا، وبعد 5 أيام من التوقف عن قراءة الرواية تفاجأ الباحثون في فحص الرنين: بنشاط واضح في اتصال القشرة الصدغية اليسرى left temporal cortex وكذلك التلم المركزي central sulcus وهذه المنطقة مسؤولة عن الحركات الإرادية والحسية في الجسم، الجديد في هذه الدراسة عن دراسة Neuroimage هو أننا بتنا نعلم أن القراءة ليست فقط تجعلنا نتفاعل مع بطل الرواية (فقد رأينا أن أجهزتنا الحسية المرتبطة بالتلم المركزي تُنشط أثناء قراءتها) بل أيضًا تُنشط أجهزتنا العقلية على المدى البعيد وتجعلها في حالة حيوية دائمة.

الأدب كمدخل معرفي

“تمتلك الرواية ملَكة استثنائية على الاستيعاب: ففي حين أن الشعر والفلسفة لا يستطيعان استيعاب الرواية، تستطيع الرواية استيعاب الشعر والفلسفة دون فقد شيء من هويتها، وتقدر على هضم كل المعارف الفلسفية والعلمية”
– ميلان كونديرا، فن الرواية§.

نرشح لك قراءة: سلطة الكتب: تطبيق عملي مع كونديرا والعلاج النفسي الوجودي!

من المفترض الآن أن نُسلم أن هناك فائدة لقراءة الأدب غير موجودةٍ في الكتب المعرفية، ولكن قد يعترض أحدهم: أيًا تكن تلك الفوائد، فلن تحصل على المعرفة العلمية من قراءة الأدب!

بدأت الرواية كما ذكرنا في البداية كفن معرفي، لتوريث النصيحة والأخبار والتاريخ فيما بعد (كالإغريق في القصص الشعري) ورغم مرور آلاف السنين ظلت الرواية تحتفظ بهذا الغرض حتى وإن كان من غير قصد، الجانب المعرفي في الرواية أساسٌ لها ويمكنني القول إنه لا يوجد هناك رواية تخلو من ذلك الجانب.

سواء أكنت تقرأ رحلات رفعت إسماعيل في البلدان المختلفة وتجاربه العلمية، أو روائع الأدب الروسي والثقافة الشرق-روسية أو حتى إنتاجات الأدب الفرنسي الفلسفي الحديث كسارتر وألبير كامو، فأنت تنهل جانبًا معرفيًا، ثقافيًا أو فلسفيًا دون أن تشعر. استوعبت الرواية كل الأشكال الأدبية الأخرى كما قال كونديرا، وصرنا نراها لاحقًا أداةً قد تحل محل الكتاب في نشر المعرفة، كما حدث مع ألبير كامو وفلسفته العبثية في رواية الغريب، وكذلك كما حاول سارتر في “عصر المنطق” ونيتشه في زرادشت إذ أخذنا بتصنيفه كرواية، بل حتى قد ظهر “الأدب الماركسي” في الدعاية السوفييتية للحملات الشيوعية، وكان من أعلامه الروسي ماكسيم جوركي.

هل قراءة الروايات مضيعة للوقت
هل قراءة الروايات مضيعة للوقت حقًا؟

قد يكون مُفاجئًا للبعض أن يعلموا أن الرواية في أحيانٍ أخرى قد استوعبت بعضًا من المناهج العلمية وقدمت لها، كرواية التطور لستيفن باكستر والتي شرح فيها بتفصيل جيد منهجية الانتقاء الطبيعي الذي تقوم عليه نظرية التطور في رحلةٍ تتخطى ملايين السنين، أو كرواية اتصال لعالم الكونيات كارل ساجان، والتي يدرس فيها علميًا احتمالية خروج البشر من الأرض.

وختامًا نقول.. لم يسعنا المكان هنا لنحصر شتى الدراسات العلمية التي درست تأثير القراءة الصحي على أدمغتنا، ولا لنناقش موضوع “لذة الرواية” وهو الذي يضعها بالنسبة لي كمتاعٍ أساسي مثله كمثل الأكل والشراب. أحب فقط في النهاية أن أذكر القارئ بمقولتي المفضلة للفيلسوف البريطاني برتراند راسل.. “الوقت الضائع الذي تستمتع في إضاعته ليس وقتًا ضائعًا“.

 

0

شاركنا رأيك حول "هل قراءة الروايات مضيعة للوقت حقًا؟ نظرة على الفَنّ الأكثر تأثيرًا في التاريخ الإنساني"