غرفة المسافرين
0

“من لم يسافر ولو عبر قصة في كتاب، لم يعش سوى حياة واحدة قصيرة” يفتتح الكاتب عزت القمحاوي بتلك التوطئة كتابه “غرفة المسافرين“، حيث يتأمل السفر باعتباره حياة فوق الحياة.

يظل السفر حلمًا جوهريًا في حياة كل إنسان منا، حتى أننا لا نتخيل إنسانًا واحدًا لم يتمنّ السفر حتى ليوم واحد فقط ثم يعود إلى موطنه الأصلي. ومع توغل شبكات التواصل الاجتماعي على حيواتنا، زادت الرغبة في السفر والحديث عنه بشكل هستيري، بدءًا من منشورات وصور كل الناس تقريبًا حول السفر والتغزل به، وانتهاءً بالقنوات والصفحات المتخصصة في السفر ومتطلباته، وحتى فيديوهات “الفلوجات” على اليوتيوب للرحالة العرب والأجانب الذي يطوفون العالم مسلطين كاميرات هواتفهم على كل شيء، حتى بات السفر حالة عامة لا تخفت أبدًا، أكثر منها أمنية قد تتحقق أو لا.

غرفة المسافرين احتفاءً بالسفر والترحال 

غلاف كتاب غرفة المسافرين للكاتب عزت القمحاوي - السفر
غلاف كتاب غرفة المسافرين للكاتب عزت القمحاوي

غرفة المسافرين هو أحدث إصدارات الكاتب المصري “عزت القمحاوي”، أحد أهم الكتاب المصريين المعاصرين، والحاصل على جائزة نجيب محفوظ عن روايته الأشهر بيت الديب. تتميز كتابات عزت القمحاوي باعتمادها على التأمل والمتعة السردية كأساس لها، فتصبح الكتابة عندئذ خارج التصنيف وعصية عليه، لا فارق في ذلك بين الكتب المصنفة بأنها روايات أو قصص أو التي لم تصنف من الأساس، كذلك في غرفة المسافرين، يتابع عزت القمحاوي لعبته المفضلة من التأمل وخلط سيرته الذاتيه وخيالاته القصصية، وملتقطًا أدق التفاصيل والأحاسيس حول موضوع الكتاب “السفر”، ليكوّن من كل ذلك لوحة فسيفاء كبيرة مليئة بالمتعة والصدق.

يقدم القمحاوي كتابه غرفة المسافرين في أربعة أقسام رئيسية. القسم الأول تحت عنوان: “في المعنى”، لا يعتمد الكاتب على السفر بمفهومه العادي فقط، وإنما يؤسس للسفر بكل معانيه وحالاته بما في ذلك السفر داخل الكتب، مفندًا عدة كتب مؤسسة في الفكر العالمي كله، ككتاب ألف ليلة وليلة، ورواية الموت في فينسيا لـ “توماس مان”، ورواية الأمير الصغير لـ “أنطوان دوسانت إكزوبيري”. حتى يصل القمحاوي إلى حقيقة بديهية، ومدهشة في نفس الوقت، أن السفر هو ولع يوحد البشرية.

نرشح لك قراءة: غذاء للقبطي: ورقة وقلم يا ست الكل – كتاب يعطي تشريحًا مجتمعيًا للأقباط من المطبخ!

أما القسم الثاني من الكتاب بعنوان “عبرة الحقيبة” ينتقل الكاتب من المعاني المجردة، إلى التجهيزات المادية والمحسوسة للسفر، وخاصة تجهيز الحقيبة. ينطلق من نقطة الحقيبة وإعدادها إلى تفنيد العلاقة بين الكائن وممتلكاته، في ظل طغيان الحياة الرأسمالية وتصاعد هيستيريا شراء وتكديس الأشياء، حتى لو لم يكن لها أي فائدة أو أهمية. يتابع القمحاوي في هذا القسم مسار الحقيبة من لحظة الانطلاق وحتى لحظة الإعداد النهائي قبل العودة، متتبعًا في كل ذلك مراحل السفر من شراء التذاكر والتفتيش وحجوزات الفنادق وحتى شراء الهدايا التذكارية، لنعرف في النهاية أن الانسان لا يحتاج إلى مزيد من الممتلكات، بل إلى تعميق علاقته بما لديه بالفعل.

جاء القسم الثالث تحت عنوان: “مكتوب على جدار القلب”، وفيه ينتقل القمحاوي من سرد تأملاته حول معاني السفر المحسوسة والمجردة، ليقدم لنا شذرات من أدب الرحلات عن المدن التي زارها في فترات مختلفة من حياته. يسرد علينا من ذاكرته ما يتيسر له من تلك المدن، ما بين دمشق وصنعاء وروما ومدريد وتورينو، حتى يحط رحاله في مرسى مطروح المصرية، مخترقًا فضاءات تلك المدن ليركز أكثر ما يركز على الأشكال المعمارية لكل مدينة، فالمدن لا تتشابه في تعاملها مع زوارها، لأن بعضها يفرض على البشر زهوًا مصطنعًا، وبعضها الآخر يفرض على البشر ألفة محببة للنفس، والبعض الآخر يسترجع لهم ذكرياتهم بسهولة ويتيح لهم صنع ذكريات أكثر ألفة وحنانًا.

أما القسم الرابع والختامي لكتاب غرفة المسافرين جاء بعنوان “زفرة السائح الأخير”، يداعب القمحاوي الدهشة التي لا بد أن تصاحب أي سائح في سفره، حتى يقدر على الاستمتاع بسياحته تلك، بدءًا من السياحة داخل أروقة الكتب والقصص، حتى السياحة في أزقة مدن وشوارع العالم. ثم يأخذ جولة سريعة في كواليس صناعة السياحة، وكيف يتم تعليبها من أرباب الرأسمالية، حتى أنه يتوقع في يوم ما أن تنتهي الدهشة من نفوس البشر، فتنتهي معها الرغبة في السفر.

نرشح لك قراءة: نساء الكرنتينا: بين الماضي والحاضر والمستقل عالم فاسد، عالم سافل!

خفة الإنسان هربًا من الموت 

يطارد القمحاوي عبر صفحات كتاب غرفة المسافرين فكرتين أساسيتين، الأولى هي خفة الكائن الإنساني، والثانية هي رغبة نفس الكائن في الهرب من الموت. تتوالى تلك المطاردة عبر أعمال القمحاوي المختلفة، حتى لتصنع صورة طويلة عبر أعمال عدة، كتأملاته في كتاب “الأيك في المباهج والأحزان”، وكتاب “كتاب اللذة”، أو حتى أفكار أبطال رواياته “بيت الديب“، و “يكفي أننا معًا“، وما “رآه سامي يعقوب“، وتترابط الفكرتان كأنهما ولدتا متلازمتين، فخفة الكائن تقتضي هربه من الموت، وهربه من الموت يقتضي خفته.

في لحظة السفر تقضتي الظروف أن يتخفف الإنسان من ممتلكاته في حدود المسموح له، هنا بالذات تبرز فكرة التخفف بكل معانيه، ليعيد الإنسان ترتيب أولوياته، والنظر من جديد في علاقته بالأشياء من حوله، تلك العلاقة التي تصبح معقدة أحيانًا حيث تحكمها الرغبة في الشراء والتكديس بلا هدف معين. الخفة في السفر ليس خفة الممتلكات فقط، بل خفة في الزمان والمكان، عندما يدرك الإنسان أنه لا يمكنه تكديس الزمن والأماكن حوله في حقيبة واحدة أو حتى كم هائل من الصور والفيديوهات، عندها عليه أن يترك نفسه لنسمة الحرية تحمله حيثما تريد. يقول عزت القمحاوي “لكن الهوس بالخفة يحملني على ضغط حاجاتي إلى أقصى حد”. وكأنها -الخفة- أحد غايات الوجود.

خفة السفر تفرض على الإنسان تحديًا كبيرًا للزمان والمكان، لأن السفر في ذاته هرب من الموت، أو محاولة للتغلب عليه، كما هي كل محاولات الإنسان في الجري بعيدًا عن طريق الموت بمحاولة التغلب على الزمن عدونا الخفي. لكن السفر يحمل النقيض أيضًا، لأنه نوع من الموت اللذيذ، نعود منه لنكتشف أن الحياة لم تتوقف علينا أو تعبأ بغيابنا أصلًا، ولحظتها ندرك الحقيقة الوحيدة وهي أن الهرب من الموت ليس إلا وهمًا لا يمكن تحققه، أو كما يقول القمحاوي “إن الفرار من الموت سعي خائي، مع ذلك لا نتخلى أبدًا عن المحاولة”.

0

شاركنا رأيك حول "في كتاب غرفة المسافرين: خفة الإنسان في مواجهة الموت والحياة معًا"