غلاف رواية "جزيرة الكنز" للكاتب "روبرت لويس ستيفنسون".
0

نقف اليوم مع رواية Treasure Island – جزيرة الكنز التي تعد رائدة أدب البحار والقراصنة وربما المغامرة، والتي تُرجمت إلى العربية عدة مرات ونقلت للسينما أكثر مما نحصي. كاتبها هو الشاعر والروائي الإسكتلندي Robert Louis Stevenson – روبرت لويس ستيفنسون المشهور بهذه الرواية أساسًا، وإن لم يمنعه ذلك من إنتاج عمل أيقوني آخر هو دكتور جيكل ومستر هايد. هذه المقالة ليست تحليلًا للرواية فلا تنتظر سردًا لأحداثها أو تلخيصًا لأفكارها أو حكمًا على شخصياتها والعبرة منها.

إنما نحوم حول النص ونتتبع خواطر عشوائية على جنباته عن الأدب الكلاسيكي وإعادة إنتاجه وتقييمه واستئناسه ونحو ذلك، وهو شيء لا أفعله عادة فيما أراجع، لكن الحق أنني نادرًا ما أقيم الرواية ذاتها وغالبًا ما أتخذها سبيلًا لعرض أفكار عن مجملات كالكتابة والخيال وما شابه.

نرشح لك قراءة: كُتاب لمجلة أراجيك: روايات لم تفقد مكانتها بعد تحويلها إلى أفلام كارتون

جزيرة الكنز وبناء الشخصيات

غلاف رواية "جزيرة الكنز" للكاتب "روبرت لويس ستيفنسون".
غلاف رواية “جزيرة الكنز” للكاتب “روبرت لويس ستيفنسون”.

أكتب عن هذه الرواية لأني أتممت حديثًا المواسم الأربعة التي هي قوام مسلسل Black Sails، وهو لمن لا يعلم مسلسل قراصنة تاريخي يتلو حكاية السنوات التي سبقت أحداث رواية جزيرة الكنز. وعليه فإن قراءتي لأحداث الرواية جاءت مدعومة بتراكم ليس روبرت لويس ستيفنسون بمسؤول عنه، وهو تراكم يسهل أن يراه البعض خيانة للرواية وكاتبها، ليس فقط لوجوده ولكن لانعكاسه على النص الخالد المقدس القائم بذاته والمرتبط بسياق زمني لا يجوز تعديله.

وهذا مفهوم، بل إنني أتفق مع بعضه. لكني ما سقت هذا للدفاع عنه بل لتبيين أن الشخصيات التي احتوتها صفحات لم تبلغ المائة (في ترجمة مؤسسة هنداوي) كان لها عندي من الثقل ما دعمها وخدمها. ولعل هذا البناء لا يعبر عما كان في خلد روبرت لويس ستيفنسون وهو ينسج هذه الشخصيات، لكنه بالتأكيد يعطي صورة عما وراءها فيفصل مجملها ويبين مبهمها. فعندما يعرض الكاتب شخصيته قائلًا إنها لاقت الكثير فأنا أملك فكرة مصقولة عن شيء من هذا الكثير، أو على الأقل صورة موازية تجعل تخمين الأصل دانيًا. وعندما يصف أفعال الشخصيات وترابطاتها فإن في رأسي مشاهد عما جمع بينها وثبت علاقاتها على هذا النحو النهائي.

لا أكذب إن قلت إنها تجربة فريدة، فإنه لا يتيسر للمرء كثيرًا أن يقرأ شيئًا يعرف عنه هذا القدر الكبير من المعلومات (بغض النظر عن موثوقيتها). تخيل مثلًا أن تلقى إنسانًا وأنت محمل تجاهه بمقدار عظيم من المعلومات المفضية حتمًا إلى تحيز، هي بلا شك مغايرة للِّقاء الأعمى المعتاد بغض النظر عن نتيجتها.

لكني لست أكتب هنا عن المسلسل، إنما أعبِّد الطريق الذي يؤدي إلى الحديث عن رواية جزيرة الكنز نفسها. والواقع أنه ليس وفيًّا للرواية تمامًا، على الأقل ليس بقدر وفائه لأجندته الأيديولوجية المدفوعة؛ والتي تجسدت في لعبة الليبرالية الكريهة التي هي إعادة كتابة الأمس لتدعيم اليوم، ثم بلغت ذروة كادت تفسد علي النهاية.

نرشح لك قراءة: الروايات المصورة التاريخية: عندما تمتزج الكلمات بالخطوط لسرد التاريخ الإنساني

الأيديولوجية المسيطرة

من مسلسل "Black Sails" المأخوذ عن شخصيات رواية "جزيرة الكنز" للكاتب "روبرت لويس ستيفنسون".
من مسلسل “Black Sails” المأخوذ عن شخصيات رواية “جزيرة الكنز” للكاتب “روبرت لويس ستيفنسون”.

لكني أتوقف في هذه النقطة لدقيقة إضافية طارحًا سؤالًا أراه مهمًّا هو: هل من صالحنا إعادة كتابة الأدب الكلاسيكي، أو على الأقل إعادة تزيين ما يحيط به من الخلف والأمام؟ أنت تعرف رأيي مما قرأت طبعًا، لكنك ترى علة واحدة هي التي عرضت، وهي مشكلة الأيديولوجية مفرودة الأجنحة المتعطشة تعطشًّا مزريًا لفرض سيطرتها على كل شيء وعرض كل حدث -مهما يكن مكانه أو زمانه- بعدستها طبقًا لقيمها (أو بالأحرى غياب قيمها)، والحرص على حقن كل ركن من أركان الإبداع العالمي القديم بأفكار اليوم المنسوبة لأعلام الإنسانية والحداثة والتحضر؛ حرصًا يتخطى درجة محاصرة أحداث الأصل بما يلفت النظر لحزم الأفكار العصرية، إلى التدخل فيه والتعالي عليه ورفض حقه في الاكتفاء بذاته والثبات على حاله وقد مرت قرون على رحيل أصحابه.

كل هذا جميل، لكن المهم -ولا أجده خارج سياق استغلال الرواية للحديث عن الأدب الكلاسيكي عمومًا- أني أتساءل عازلًا هذه النقطة: هل من حقنا إعادة إنتاج الكلاسيكيات أو حتى تعديل ظاهرها وتنميقه بما يناسب عالمنا المعطر لدرجة خانقة؟ دعك مما هو حقنا، فإن الواقع خارج عن السيطرة ونصف سطر في مقال لن يشفي ولن يصلح، ولنتساءل عن النتيجة: هل من النافع للأدب -الأدب فحسب- هذا التطفل على منجَزات الأمس، بعيدًا عن دوافع الأيديولوجية المسيطرة؟

نرشح لك قراءة: هل قراءة الروايات مضيعة للوقت حقًا؟ نظرة على الفَنّ الأكثر تأثيرًا في التاريخ الإنساني

تحدثني من جديد عن رغبة الإنسان عامة في فهم الماضي، والذي لا يجري أحيانًا إلا بدخوله والالتصاق بتفاصيله ورفع أجرامه جرمًا جرمًا لفحصها وتشممها، وفعل كهذا مهما خفَّ وتخفى سيخلف أثرًا. وتحدثني عن خطئنا الأبدي بنزع الحدث عن سياقه التاريخي ومطالبته بملاءمة حاضرنا المتطلب المستبد وفير القيود والقواعد. تحدثني أيضًا عن عجزنا الجزئي عن فهم التاريخ قليل الإمكانيات كثير الفوضى والتحديات ذي الطابع المناقض بل المحارب لكل ما نعرف، ثم عن كفرنا بالتوثيق وجحدنا إمكانية نقل ما لم نشهده على نحو قاطع ينفي التكذيب ولا يبقى بعده مجال لتشكيك. أما أنا فأعيدك للسؤال المجرد لأنك يا سيدي لا تنفك تسحبني بعيدًا عنه، هذه المرة أطرحه بتحيز أكبر وإملاء ليس فيه خفاء: لماذا يتأثر الأدب القديم بالسلب إن نحن أعدنا كتابته؟ هذا يقودنا إلى النقطة التالية.

نرشح لك قراءة: أليس في بلاد العجائب: ليست مجرد رواية بل متلازمة مرضية أيضًا!

منطقة حرة

الكاتب "روبرت لويس ستيفنسون" صاحب رواية "جزيرة الكنز".
الكاتب “روبرت لويس ستيفنسون” صاحب رواية “جزيرة الكنز”.

قرأت كلام من ينقل عن متذكرٍ لآخر سنوات القرن التاسع عشر قائلًا إنه كان من البديع بلا شك أن يكون الإنسان قارئًا في تلك الأيام، فلم يكونوا فقط ينتجون كلاسيكيات لم يعلموا أنها ستبقى للزمن وتتصدر القوائم لعشرات السنين، بل كانوا في الواقع يخترعون أنواعًا أدبية جديدة (شيرلوك هولمز، دراكولا، هربرت جورج ويلز، دوريان جراي). هذا مناسب لسياقات التبجيل طبعًا لكنه أثار في ذهني فكرة مفادها الآتي: إذا كنت مخترع نوع أدبي معين والسابق إليه، ألا يعني هذا أنك واضع قواعده أيضًا؟ كيف أحاكمك -أو أبدي نقدًا من أي نوع- إذا كنت لم أر الفلاة التي أثرتَها وعمَرتَها إلا مزروعة مأهولة؟

من جهة ما، ليس ثم قواعد أصلًا لمعاملة الكلاسيكيات، وإن وُجدت فهي موضوعة بعدها حين استقرت التصنيفات وتكاثرت الأمثال وأثمرت مناقشات الأعوام اتفاقات واختلافات عامة وقورن الحديث المستوي بالقديم النِيِّء. لذا تنفصل ردود الأفعال نحوها بين معظِّم متعصب لا يقبل فكرة النقاش ذاتها، وكاره يلخص رأيه عادة في إجمالات كالشعور بالملل ونحوه. بالطبع تبقى القواعد الأساسية للرواية وقبلها قواعد الحكي المفهومة بالبديهة، لكن ما أقوله هو أن الكلاسيكيات لا تقبع فحسب في منطقة مقيدة غير خاضعة لآرائنا وقوانين مدنيتنا، بل هي في منطقة حرة لا تخضع لأي قواعد.

أحد أغلفة رواية جزيرة الكنز
أحد أغلفة رواية “جزيرة الكنز” للكاتب “روبرت لويس ستيفنسون”.

وبناء عليه فإن اجتذابها لأرض الإبداع العصري وإعادة كتابتها لا تختلف كثيرًا في نظري عن استخدام حيوان في غير ما خلقه الله له (اقبل مني شطحة عابرة رجاء). إذن فتفاعلنا مع الكلاسيكيات تفاعلٌ مع فكرة الريادة الأدبية المستعلية على النقد والقواعد لا مع مغامرة عن القراصنة، وآراؤنا في مثلها تعبر عن أذواقنا ولا تمس جانب الموضوعية إلا لمامًا، وتحدد فهمنا لموضع سقفهم وظروف إبداعهم أكثر مما تحدد شيئًا مذكورًا عن الروايات وحبكاتها.

لعلك تأخذ كلامي بغير اعتبار (وهو ما أفضله فأنا نفسي لا آخذ غالب كلامي بجِد)، لكن افهم أنني أسترسل مع الأفكار محتفظًا في منطقة من عقلي بالتزام بعدم الحجر على رأي أو اطلاع. المسألة كلها أن تعبيري عن رأيي يتوسع فيشمل مناطق لم أنتوِ شملها ابتداء. وحتى إن كانت مزية السبق لا تكفي أحيانًا لخلع ألقاب التقديس التي لا مساومة فيها على أمثال رواية جزيرة الكنز للكاتب روبرت لويس ستيفنسون، فإن الهالة المهيبة التي تحيطها حقها الاحترام؛ إذ إنها اكتسبت بمزية هذا السبق خانة فوق ما تبعها وعلوًّا على التقييم بل التصنيف ذاته.

 

0

شاركنا رأيك حول "عن الأرض التي أثاروها وعمروها: خواطر حول الرواية الكلاسيكية جزيرة الكنز"