الشاعرة الأمريكية لويز غليك
2

يوم الخميس الثامن من أكتوبر عام 2020، أعلنت الأكاديمية السويدية منحها جائزة نوبل في مجال الأدب إلى الشاعرة الأمريكية لويز غلوك – Louise Glück، معللة استحقاقها بقولها: “من أجل صوتها الشعري تام الجلاء، وما فيه من جمال قاسٍ يسبغ على الوجود الفردي عالمية”. هذا هو نص الخبر الرسمي، والآن إذ أزحناه عن الطريق يسعنا النظر إلى جوانبه وما وراءه وإعمال النظر فيه وطرح تأملاتنا العشوائية حوله.

جائزة نوبل والشاعرة لويز غلوك

فوز الشاعرة الأمريكية لويز غليك بجائزة نوبل في الأدب لعام 2020.
فوز الشاعرة الأمريكية لويز غلوك بجائزة نوبل في الأدب لعام 2020.

جائزة نوبل عرس سنوي في مجالات شتى، وفي الأدب تحديدًا هي مجال واسع للتخمينات والآراء والترشيحات والمناقشات والتفضيلات والمقارنات. الشعر خاصة من بين أنواع الأدب شخصي جدًّا، لذا يُنصح الشعراء عادة بإخراجه قدر الإمكان من السياق الشخصي إلى العالمي السامح باندماج القارئ فيه واتصاله بأحاسيسه، وهو شيء نرى أن لويز غلوك قد حققته بشهادة قرائها جميعًا، سواء بعد الجائزة التي ستبتدئ سلسلة طويلة من الاهتمام بالمرأة وحياتها وأدبها، أو قبل ذلك حتى. مع أنه من الصعب تخيلها مغمورة منبوذة خارج بقعة الضوء أصلًا. لماذا؟

السبب في ذلك أن جائزة نوبل ليست مفاجأة بالضبط بالنسبة إلى شاعرة ذائعة الصيت يتمحور حولها قدر عظيم من الاهتمام من أوساط مختلفة، وهي حائزة على جائزة بوليتزر وجائزة الكتاب الوطنية كلتيهما، ولها اثنا عشر ديوان قصائد شعرية وكتب مقالات عديدة عن الشعر يسهل تصور قدر التركيز العالمي الذي سينصب عليها. أذكر أنه يقع لي أحيانًا أن أعيد قراءة ما أكتب بعد حصوله على تفاعل إيجابي من قارئ أو قراء؛ لِما ينتج عن ذلك من منظور جديد يجعل القراءة المكررة طازجة. فما بالك بتفاعل إيجابي بقدر أهم جائزة أدبية يعرفها بنو البشر؟ بالتأكيد ستُقرأ بسبب الدعاية الإعلامية، غير أن الأهم أنها سوف تعاد وتعاد ثم تعاد، وسوف تحظى بالتدقيق الذي هو حق الأدب المميز متعدد الطبقات.

من قرؤوا لويز غلوك يعرفون أنها واقفة على الخط الفاصل بين التبسيط والتعقيد، وأنها -ككثير من العظماء- متمكنة إلى الحد الذي يسمح لها بتقسيم إبداعها إلى درجات تناسب القراء المختلفين والقراءات المختلفة للقارئ الواحد. فإن شئت أخذت السطح ورضيت، وإن شئت اخترت ما تحته وأعملت فكرك، وإن شئت غُصت عميقًا حتى تلمس قلبها ذاته. هذا التقسيم يجعلها أسهل من كثير من الشعراء الذين تبدو قصائدهم ألغازًا مكتوبة بلغة قديمة مهجورة.

نرشح لك قراءة:

في كتابتي عيب ولا شك

من دواوين الشاعرةالفائزة بجائزة نوبل في الأدب 2020
من دواوين الشاعرة لويز غلوك الفائزة بجائزة نوبل في الأدب.

طيب، دعني أرتب أفكاري فلا يغمرني هذا السيل من المعلومات التي أبغي ذكرها. كم عمر السيدة التي افتتحت يومها على الأرجح بخبر بلوغها ذروة سنام الإنجاز؟ إنها في السابعة والسبعين، فقد ولدت في نيويورك عام 1943. لو كنا نعدها سطرًا في خبر لما سألنا هذا السؤال: ما الذي يشعر به من في عمرها إذا استقبل هذا النجاح الهائل؟ بالطبع -كما قلنا- جهَّزها حصولها على الجائزتين الكبيرتين المذكورتين، مع جوائز أخرى منها الوسام الوطني للعلوم الإنسانية (سلمه لها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما) وجائزة بولينغن وجائزة ملك الشعراء الأمريكيين التي تعني كونها بمثابة الشاعرة الرسمية للولايات المتحدة (2003).

يذكرنا هذا بما قاله الكاتب الكندي الأمريكي Saul Bellow – سول بيلو حين فاز بجائزة نوبل: “الطفل الذي بداخي مسرور، أما الرجل البالغ فمرتاب”. هل هذا ما شعرت به لويز غلوك اليوم؟ بالنظر إلى المنقول عنها نعرف أنها وصفت الجائزة بالتشريف العظيم، وإن أعلنت أنها أحبت بعض متلقيها السابقين ولم تحبب منهم آخرين. كما أضافت أن الشعور جديد عليها تمامًا حتى كأنها لا تكاد تفهمه.

لكننا نذكر مقالها في لقاء جرى عام 2009، حيث قالت: “حين يخبرونني بأن جمهوري واسع أفكر في نفسي قائلة: عجبي، سأصبح مثل Henry Longfellow [شاعر أمريكي] إذًا: كاتبة يسهل أن تفهمها وتحبها؛ تجربة مخففة متاحة لكل أحد. لا أريد أن أصبح مثل Longfellow، اعذرني يا هنري فلا أريد. إلى حد أنني أتلقى المديح فأفكر أن في كتابتي عيب ولا شك!”. من خلال هذا يمكن أن نفهم جزئيًّا شعورها اليوم حيال هذه الصورة الهائلة والاستثنائية من المديح.

تكتبه وتكتب عنه

الشاعرة صاحبة نوبل لويز غلوك مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما
الشاعرة صاحبة نوبل لويز غلوك مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

أحد مظاهر العظمة المميزة لشعر لويز غلوك أنه رغم امتلائه بالقيود العاطفية فليس فيه خوف من القسوة والاشتداد، بل إنها لتواجه شياطينها وشياطين الناس بقوة وعلى نحو مباشر، ولا تفعل ذلك بطريق علاجي استسلامي كما قد تتوقع، بل بضربات خاطفات هي إلى ضربات السكين القاتلة أقرب.

وبرغم السهولة النسبية التي عبرنا عنها قبل قليل، فإن بلوغ قعرها مطلب بعيد بل لعله محال. وفي شعرها فسحة لتأمل بعد تأمل، واختبار لمشاعر ذاتية وعالمية لا تدرى من أين اكتسبت سلاستها وقدرتها على الانتقال.

الممتع أنها تكتب الشعر وتكتب عنه، فكأن مقالاتها شرح مبهم لما تكتبه بالذات، وشرح واضح لنظرتها للشعر والشعراء. هذا الوجود الموازي كفل لذاتيها المنفصلتين (الكاتبة والناقدة أو النتاج النهائي والكواليس) شمولًا آسرًا لمجال نظر القارئ وإحاطته. وأما براعتها وانقياد الكلام لها وحسن تشكيلها الفكرة ثم التعبير عنها فأشياء تجعلها قابلة للتشعب كما يتشعب في التربة الماء، من خلال قراءة تتلوها قراءات تكشف كل واحدة منها عن خبايا مذهلة. ثم أصواتها الشعرية العديدة وما تحكم من زوايا تفكر أدت في النهاية إلى هذا الوصف الذي تلقته من لجنة نوبل وابتدأنا به المقال: العالمية.

ما تتحدث عنه

صورة قديمة للشاعرة لويز غلوك
صورة قديمة للشاعرة لويز غلوك الفائزة بجائزة نوبل في الأدب عام 2020.

هل تكتب شاعرتنا المتوجة بجائزة نوبل عن شيء محدد؟ بالطبع، فترى في شعرها تركيزًا واضحًا على مأساة العيش وما يعنيه كونك إنسانًا. أيضًا تبدو منشغلة كثيرًا بالكتابة عن الطفولة إلى حد ملحوظ. إذا نظرنا إلى ماضيها الشخصي نرى أنها عانت من فقدان الشهية العصابي Anorexia nervosa في مراهقتها واستعانت بإعادة التأهيل على علاجه، وهي تجربة كانت مؤثرة في تشكلها إذ فيها أدركت شيئين: الأول دنوها من الموت والثاني رغبتها الشديدة عنه. هذه التجربة المؤثرة لم تظهر مع ذلك في شعرها بعبارات مباشرة، ولم تتحدث هي عنها بتفصيل خارج حقل الشعر، لكن تعقبها بين السطور ليس بالأمر العسير؛ وهو أمر فيه من التطفل ما فيه لكنه مقبول لأن الشاعر -والكاتب عامة- معروض بإرادته طالب للتفسير.

كذا تحب غلوك الحديث عن الأساطير اليونانية والرومانية وما فيها من مآسٍ، وتعبر عنها بأسلوبها الذي يعرف القارئ يقينًا أنه ضامن لمنظور فريد، وهو أحد الأشياء التي خصتها الأكاديمية -أو رئيس اللجنة المانحة Anders Olsson- بالذكر والثناء، معبرة عن معالجتها للأساطير بأنها صريحة وقاطعة، ثم ظريفة مترعة بخفة ظل لاذعة. لم تنسَ اللجنة بالمناسبة مقارنتها بالشاعرة الأمريكية الكبيرة إميلي ديكنسون.

أشهر ديوان لويز غلوك

أهم كتب الشاعرة الأمريكية
أهم كتب الشاعرة الأمريكية لويز غلوك الحاصلة على جائزة نوبل 2020.

أشهر دواوين لويز غلوك هو The Wild Iris الصادر في 1992 في ثلاث وستين صفحة، وهو تحفة فنية تراها على قائمة الدواوين الشعرية المفضلة لدى كثيرين. يليه Averno الصادر عام 2006 في ثمانين صفحة تقريبًا. أما ديوانها الأول فعنوانه Firstborn، وقد خرج إلى دنيانا عام 1968 قاصًّا شريط هذه الرحلة الثرية التي خلدتها اليوم أكاديمية نوبل. لا ننسى طبعًا ديوان Faithful and Virtuous Night الذي يراه البعض أحسن أعمالها، والذي حاز جائزة الكتاب الوطنية الأمريكية في عام 2014.

نختم بأن نقول إن لويز غلوك هي السادسة عشرة في ترتيب النساء الفائزات بجائزة نوبل في الأدب منذ بدايتها عام 1901، وهي الرابعة في ترتيب الحاصلات عليها في الفئة منذ 2010. وهي أول أمريكية تقتنص الجائزة منذ فاز بها بوب ديلان في 2016، وكانت آخر فائزة قبله الروائية توني موريسون الحاصلة على تكريمها في 1993. إذا كنت تتساءل عما تنوي الكاتبة فعله بالمال المرفق بالجائزة (والبالغ 1.1 مليون دولار تقريبًا)، فقد قالت إنها تفكر في ابتياع منزل في ولاية فيرمونت.

2

شاركنا رأيك حول "بعد نوبل والبوليتزر وجائزة الكتاب الوطنية، من هي الشاعرة الأمريكية لويز غلوك؟"