رحلة الموسيقي البوهيمي أنطونين دفورجاك من القاع للقمة!
0

أنطونين دفورجاك البوهيمي، أحد عباقرة الموسيقى الكلاسيكية الذي افتتح عالمًا جديدًا من هذا الفن استمر إبداعه لليوم، احتفل العالم مؤخرًا بذكرى ميلاده الـ 180، وبمناسبة هذه الذكرى السعيدة، نقدم لكم لمحة بسيطة عن تاريخ الفنان البوهيمي وتأثيره على الموسيقى العالمية، مع لائحة قصيرة بأفضل ما أبدعه.

دفورجاك – الحياة المبكرة

ولد أنطونين دفورجاك لعائلة نمساوية ببوهيميا عام 1841م وكان والده من محبي العزف على أوكتاف آلة (القانون) الموسيقية، وهي إحدى الآلات الشرقية البسيطة، وحتى شبابه لم يُبدِ دفورجاك اهتمامًا موسيقيًا كبيرًا عدى عزفه على الكمان في حانة والده، وفي رحلته الأولى خارج بلدته تعلم الألمانية ليقع في حبه الأكبر، الموسيقى.

التحق دفورجاك في سن السادسة عشر لمدرسة دينية ليتعلم الموسيقى، وكان تلميذًا نجيبًا لأنطونين ليمان، أستاذه في الألمانية وعازف الأرغن بكنيسة البلدة، وعليه أجاد تعلم البيانو والكمان والهارمونيكا وأجاد تأليف مقطوعاتٍ موسيقية جيدة كذلك. غادر دفورجاك بلدته مرة أخرى لبراغ، عاصمة التشيك، في سبتمبر 1857م وكان قد بلغ السادسة عشر من عمره ليلتحق بمدرسة الأورغ التشيكية ويدرس على يد مجموعة من أعلام الموسيقى في التشيك قديمًا، وهم جوزيف زفوناي، الناقد الموسيقي الكبير، وجوزيف فورستر، أستاذ الموسيقى في معهد براغ للموسيقى.

أنطونين دفورجاك

وعلى الرغم من معارضة والد دفورجاك لتعلم الموسيقى، حيث أراده جزارًا مثل جده، إلا أن دعم فرانز هانك، أستاذ دفورجاك الأسبق، وكذلك عمه الذي آمن بموهبته، لجانب ولع دفورجاك بالموسيقى وكرهه لمهنة الجزارة، جعل والده يرضخ لآمال ابنه على أن يصبح ملحنًا مشهورًا، وكان له هذا مبكرًا بالفعل، فما أن مرت سنوات على التحاقه بمدرسة الموسيقى إلا أن أصبح فردًا شبه أساسي في حفلات الفرق الموسيقية والأوركسترا بالتشيك.

لم يكن والد دفورجاك هو العقبة الوحيدة له في تعلم الموسيقى، لم يكن دفورجاك يمتلك المال الكافي ليحضر حفلات هانز فون بولوف (قائد أوركسترا ألماني شهير) التعليمية كأصحابه، بل أنه لم يكن يمتلك بيانو في منزله ليتدرب عليه، ولكن هذا لم يمنعه من التخرج عام 1859 ليكون الثاني على مدرسته.

سطوع الضوء

بدأ أنطونين العمل في كنيسة كاريل كومزاك التشيكية عام 1859م كعازف أورغ وتركها في عام 1862 ليبدأ العمل في أوركسترا مسرحية مع فريق صغير وهناك تدرب على كلاسيكيات أوركسترات الموسيقى العالمية، فقد عزف لفاجنر، بيرلويز، ومونوسزكو، إلا أن العمل في الأوركسترا لم يجعله يصل للوظيفة المربحة التي كان يأمل بها والده، فكان أنطونين يعمل بالعديد من الوظائف بدوامٍ جزئي، في مطعم أو في تعليم دروس موسيقية خاصة، حتى أنه عمل مساعدًا في أحد المستشفيات للأمراض العقلية.

قصة حياة أنطونين دفورجاك

لم يبدأ دفورجاك إبداع الموسيقى فعليًا حتى بلوغه سن الـ 31 عندما وافقت الأوبرا على عرض معزوفته الوطنية بعنوان (ورثة الجبل الأبيض) عام 1873، تم رُفضت معزوفته (الملك ومشعل الفحم) بعد فترة من ذلك، إلا أن ذلك لم يوقفه بل جعله يخطو نحو تحسين ذاته الموسيقية أكثر فأكثر وبحلول عام 1879 كانت عروض دفورجاك اتجهت لتصبح جزءًا من الثقافة الشعبية في التشيك، وبعد قليل، في أوروبا بأكملها.

دفورجاك ونهضة العالم الجديد

عندما دُعي دفورجاك في أول مرة لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية، رفض مباشرةٌ، لأنه لم يرغب في السفر والابتعاد عن عائلته، وفي مرة حينما جاءته برقية دعوة لرئاسة المعهد الوطني للموسيقى بنيويورك رفض مرة أخرى، إلا أن المؤسسة الأمريكية أرسلت مرة أخرى وأخرى إلى أن التفت دفورجاك للجانب المالي في الرسالة (والذي بلغ 15000 دولار)، لم تكن مصروفات تعليم الأطفال وحسب هي السبب وراء موافقة دفورجاك، ولكن كذلك رغبته في التأمين لشيخوخته كما كتب في مذكراته، لذلك ودع عائلته وفي 1 أكتوبر من عام 1892م، تولى منصبه في العالم الجديد.

لم يكن المطلوب من دفورجاك فقط أن يكون أستاذًا موسيقيًا في المعهد الناشئ حديثًا وتعليم طلابه، ولكن أيضًا الإسهام في خلق ثقافة موسيقية وطنية جديدة للولايات المتحدة الأمريكية. أجاد دفورجاك التعليم كما قد عمل به مُسبقًا في موطنه، كما أن الطلاب كانوا مساعدين في ذلك، ولكنه كان مرتبكًا حيال خلق الموسيقى الوطنية بالنكهة الأمريكية الوطنية، لذلك فقد طلب من الطلاب الهنود والسود أن يغنوا له أغاني شعبية حتى يدرك أسس أشكال الموسيقى الوطنية، ومن الطريف أن هذا قد أثار ضجة في الصحف الأمريكية التي رفضت أن تكون موسيقاهم الوطنية أساسها موسيقى ما وصفتهم بالعبيد السود.

أنطونين دفورجاك وزوجته

في 16 ديسمبر عام 1893م عُرضت لأول مرة في كارنيجي، واشنطن وحققت نجاحًا باهرًا أزال قلق دفورجاك حول انتهاء مسيرته الأمريكية بفشل، وأصبحت سيمفونية العالم الجديد، وهي سيمفونيته التاسعة، أحد معالم الموسيقى الأمريكية الوطنية الكلاسيكية التي تُقارن بأعمال بيتهوفين وشوبرت ومندلوس وبرامز.

يتضح لنا من مذكرات دفورجاك انجذابه للموسيقى الروحانية الأفرواميريكة وأغاني المزارعين في الجنوب الأمريكي، وقد نصح بالفعل طلابه بدراستها، حلل بعض النقاد أن سيمفونية العالم الجديد كانت مبنية -ولو جُزئيًا- على هذا النوع من الموسيقى، فيرى النقاد أن الحركة الأولى من سيمفونية العالم الجديد يتشابه إلى حد كبير مع أغنية Swing Low, Sweet Chariot وهي إحدى أغاني الريف الأمريكي الروحانية وكذلك الحركة الثانية تبدو كنسخة أوركسترالية من اغنية Goin ‘Home.

اعترف دفورجاك فيما بعد بأن أجزاء من السيمفونية مستوحاة من أغنية هياواثا Hiawatha وهي قصيدة لهنري وادزورث لونجفيلو، لم تخل سيمفونية العالم الجديد بالطبع من أسلوب “العالم القديم” الذي كان دفورجاك أهم رواده، فنرى أن السيمفونية تتبع في مواضع كثيرة المصادر البوهيمية، الألمانية، الفرنسية والاسكتلندية، وغيرها من مصادر العالم القديم، حتى نرى أن الحركة الثالثة من المقطوعة تتشابه إلى حدٍ كبير مع مقطوعتي Slavonic Dances واللتين أنتجهما دفورجاك بين عامي 1878 و1886.

ترك أنطونين دفورجاك إرثًا موسيقيًا فريدًا في التاريخ الحديث، كان يكتب عملًا تلو الآخر ويشتكي من أن يديه لا تستطيع تسجيل كل هذه الأعمال، اعتمدت إبداعات دفورجاك على الإيقاع الشعبي للموسيقى التشيكية، وكذلك المصادر الكلاسيكية الرومانية الرومانسية، ومع التنوع الإيقاعي في أعماله تميزت أعمال دفورجاك في عالم الموسيقى الكلاسيكية ليصبح لها مكانها الخاص.

لدفورجاك نشاط غير نمطي في تاريخ الموسيقيين، فكانت له أعمال سيمفونية كورالية وغنائية وكانت كلها أعمالًا بارزة ومؤثرة، لذا فقد نعده أكثر المسهمين في تاريخ الموسيقى العالمية، فإلى جانب (العالم الجديد) والتي تُعد من أهم الأوركسترات الموسيقية في العالم، ألف دفورجاك العديد من الأعمال الأخرى، كأوبرا “ميرميد” والتي تُعد من تُحف إنتاجات الأوبرا الأوروبية، ذلك بالإضافة لقصائده الكثيرة وإسهاماته في البيانو والموسيقى الشعبية والكمان.

أجمل ما أبدعه أنطونين دفورجاك

1. سيمفونية العالم الجديد

وهي أشهر أعمال دفورجاك، يتناول دفورجاك في هذه السيمفونية مشاعره المتشابكة حول وطنه، العالم الجديد، الولايات المتحدة الأمريكية وانغماسه في حياة المدينة من جهة، واشتياقه لحياته في التشيك مع وطنه وأسرته، لذا نجد أن السيمفونية رغم مسحتها القومية، فإنها حزينة من الجانب الآخر.

2. السيمفونية الثامنة

ها هو الإعجاز العددي الحق، هذه ليست السيمفونية الثامنة فقط لأنطونين دفورجاك، بل هي تحتل رقم 88 في ترتيب أعماله، وقد أُخرجت للنور في ثمانينيات القرن الثامن عشر بعد عام من 1888! تحتوي هذه السيمفونية على ألوان كثرة من الموسيقى التي تبعث التفاؤل والسلام الداخلي في النفس.

3. كونشيرتو التشيلو والأوركسترا

نُشر هذا العمل الفريد في فترة إقامته في الولايات المتحدة كذلك، لذا نجده غالبة عليه نغمة الحنين لوطنه البوهيمي كما يسيطر على المقطوعة المصادر الشعبية التشيكية.

4. رباعية دفورجاك

نُشرت هذه الرباعية عام 1879 وحققت نجاحًا باهرًا له فور نشرها.

0

شاركنا رأيك حول "رحلة الموسيقي البوهيمي أنطونين دفورجاك من القاع للقمة!"