0

يُحكي أنّ هناك مدينة قوية، جيشها جسور، يستدعي الذكاء والحكمة في كل هجوم تتعرض إليه مدينته، وسرعان ما يحول الهزيمة إلى نصر، وليس أي نصر، إنه يجبر عدوه على تغيير تكنيكات الحرب، فكلما ذهب العدو ليُطور من إمكاناته وعاد من جديد بأسلحته، بدأ جيش المدينة في التعرف على هذه الأسلحة، ودراستها جيدًا، ثم يستدعي الجنود بالأسلحة المضادة. إنه جيش قوي، أليس كذلك؟ 

تقنية كريسبر

ربما يثيرك الفضول حول هذه المدينة وهذا الجيش القوي. حسنًا، هذه المدينة هي جسدك يا صديقي، وعن جيشها فهو الجهاز المناعي، أما الأسلحة فهي الأجسام المضادة التي يصنعها جهازك المناعي للدفاع عنك. ولا شك في أنك قد أدركت من هو العدو، أجل إنه الأجسام الغريبة التي تغزو جسدك. 

حتى اليوم، ما زال الجهاز المناعي للإنسان معقدًا للغاية، ويبذل العلماء والباحثون جهودًا عظيمة لفك شفراته المعقدة والعظيمة في آنٍ واحدٍ. والجهاز المناعي ليس حِكرًا على البشر- كما يظن البعض- إذا أخبرتك أنّ الحيوانات تمتلكه ربما لن تندهش، في النهاية الحيوانات ثدييات، ولن يكون الأمر غريبًا. لكن قد تُصيبك الدهشة عندما أحدثك على المستوى المجهري، هل لك أن تتصور امتلاك كائن صغير لا يُرى بالعين المجردة استجابات مناعية، مثل تلك التي يطلقها جهازك المناعي يا بشري؟ 

ربما لن تكون هذه الاستجابات المناعية لهذه الكائنات الدقيقة متطورة مثل تلك الخاصة بالبشر، لكن ما يجعلها تتربع على مائدة نوبل 2020 يستدعي الالتفات إليها ودراستها جيدًا. بالمناسبة هذا الكائن الدقيق هو البكتيريا. 

البداية 

عام 1987 لاحظ العالم الياباني يوشي زومي إيشينو وفريقه البحثي أثناء تحليل الجين المسؤول عن إنتاج إنزيم الفوسفاتاز القلوي “alkaline phosphatase” في بكتيريا الإشريكية القولونية “E.coli“، أنهم استنسخوا تسلسلات مختلفة عن التسلسلات المتكررة للبكتيريا، فقد كان يتخللها فواصل غريبة. كان الأمر لغزًا بالنسبة إليهم في ذلك الوقت، ربما لضعف الإمكانات أو عدم وجود بيانات كافية حول تسلسل الحمض النووي. 

تقنية كريسبر
بكتيريا E.coli

عام 1993، اكتشف فريق بحثي في هولندا وجود سلالات مختلفة من بكتيريا المُتطفرة السلية “Mycobacterium tuberculosis“، لها تسلسلات متباعدة مختلفة عن التسلسلات المتكررة للحمض النووي للبكتيريا، مثلما لاحظ يوشي زومي إيشينو وفريقه. وبناءً على تسلسلات هذه الفواصل، قام الفريق الهولندي بتقسيم سلالات بكتيريا المُتطفرة السلية باستخدام ما يسمى بالتنميط. 

بمرور الوقت، لُوحظت هذه التسلسلات في العديد من أنواع البكتيريا والعَتائق (البكتيريا القديمة)، وأطلق عليها الباحثان فرانسيسكو موجيكا ورود يانسن اسم كريسبر “CRISPR”، اختصار “Clustered Regularly Interspaced Short Palindromic Repeats” وهي تعني التكرارات العنقودية المتناظرة القصيرة منتظمة التباعد.

 الجينات والإنسان.. رحلة ثوريّة لا تخلو من المخاطر

أنظمة كريسبر – كاس 9 كاستجابة مناعية مُكتسبة 

عندما اكتُشفت أنظمة كريسبر في البداية، اعتقد العلماء أنها آلية جديدة لإصلاح الحمض النووي في البكتيريا القديمة المحبة للحرارة والبكتيريا الحقيقية. وفي بداية القرن الحادي والعشرين، سُلط الضوء على كريسبر، واهتم الكثير من الباحثين بدراسة هذه التقنية، وقد لاحظ فريق بحثي أنّ تسلسلات الفواصل مشابهة لتلك الموجودة في البكتيريوفاج والفيروسات والبلازميد. هذا يعطي دليلًا على مرور هذه الكائنات داخل البكتيريا في وقتٍ ما، أليس كذلك؟ 

حسنًا، هذا حقيقي، لقد مرت هذه الكائنات داخل البكتيريا بالفعل، وتركت أثرها، وها هي البكتيريا تستخدم ضربة العدو هذه في الدفاع عن نفسها، فقد وجد العلماء أنّ الفيروسات لا تستطيع مهاجمة البكتيريا التي تحتوي على سلاسل من الفواصل. هذا يدفعنا للتساؤل عن سر هذه القوة التي اكتسبتها البكتيريا. ربما يكمن السر في الفواصل، سنرى الآن. 

تقنية كريسبر
صورة توضح هجوم الفيروسات على البكتيريا

تخيل معي شجارًا يحدث بين كائنين، أحدهما فيروس والآخر كائن بدائي النواة مثل البكتيريا، لنفترض أنّ الطرف الشرير هو الفيروس، الذي يهاجم بكتيريا لم تسبب له ضررًا. يبدأ الفيروس باستخدام أسلحة الهجوم الأولى لديه، وهي حقن حمضه النووي داخل البكتيريا، بغرض التكاثر وزيادة أعداد الحمض النووي خاصته بالداخل، هذا بدوره قد يتسبب في موت الخلايا البكتيرية. 

ثم ماذا؟ هل ستقف البكتيريا مكتوفة الأيدي؟ بالطبع لا، ستُظهر البكتيريا مقاومتها وتبدأ باستخدام آليات الدفاع، إذ أنها سرعان ما تطلق إنزيمات لتجميع بعض من أجزاء الحمض النووي للفيروس، وتخزين شفراته في منطقة كريسبر وذلك عن طريق الإضافة والحذف (قص ولصق) لأجزاء من الحمض النووي الفاصل في منطقة كريسبر. 

عندما تتعرض البكتيريا لفيروس مشابه في وقتٍ لاحق، تستطيع البكتيريا القضاء عليه بسرعة أكبر، باستخدام نظام كريسبر كاس 9، كما في الخطوات التالية:

  1. تنسخ البكتيريا الحمض النووي المُخزن لديها فى منطقة كريسبر والذي يتخذ شكل RNA، ويُسمى crRNA.
  2. يُضاف crRNA لإنزيم كاس 9 (cas9) وهو متخصص في القطع. 
  3. عندما يجد الإنزيم وcrRNA الفيروس داخل الخلية البكتيرية، يبحثان عن المنطقة المكملة بين الحمض النووي للفيروس وcrRNA.
  4. بمجرد العثور على المنطقة المكملة تنفك خيوط الحمض النووي للفيروس، في نفس الوقت، يقف إنزيم كاس 9 متربصًا، ينتظر فرصة انفصال الخيوط عن بعضها فيُقطعها عند مناطق محددة، متسببًا في هلاك الفيروس.

هناك بعض الفروق بين الفيروسات وعلى أساسها تُصنف الفيروسات، من بينها نوع الحمض النووي، فهناك بعض الفيروسات تملك الحمض النووي DNA، وتلك التي تملك الحمض النووي RNA، وبناءً على ذلك، فإنه ليس فقط cas9 هو المسؤول عن قطع الحمض النووي للفيروسات، وإنما هو متخصص لـ DNA، بينما يوجد نوع آخر cas13، وهو متخصص لـ RNA. 

قد يتراود للبعض أسئلة مثل؛ ماذا إن أخطأ إنزيم cas9 وقطع مناطق من كريسبر بدلًا من تسلسلات الحمض النووي للفيروس؟ حسنًا، ببساطة هناك مُكوّنات مثل: PAMs تعمل عمل الدليل؛ أي أنّ وجودها يؤكد لإنزيم cas9 على أنّ هذا الحمض النووي خاص بالفيروسات وليس مناطق كريسبر، وبالتالي يتجنب cas9 ذلك الخلط الذي قد يودي بحياة البكتيريا. 

هل يكون فيروس كورونا أحد أشكال الأسلحة البيولوجية المستخدمة في حرب يُراد لها أن تكون بالأوبئة؟

كريسبر كأداة تحرير للجينات

كريسبر

بدأ العلماء في تصويب أبحاثهم نحو CRISPR-Cas9، والنظر في كيفية استغلال خاصية القص واللصق هذه، وتطلع الكثيرون إلى تحرير الجينوم عن طريق تغيير التسلسلات، وبالتالي تغيير الشفرة الوراثية ومن ثم التحكم في التعبير الجيني، حيث يمكنك إدخال أجزاء جديدة في الحمض النووي وخداع العمليات الطبيعية للخلية. الأمر يشبه عملية تصنيع العصائر، إذ يمكنك تغيير النكهة كما تشاء بينما بقية المكونات والخطوات ثابتة، فقط تغيير بسيط يعطي ناتجًا مختلفًا تمامًا. 

في عام 2012، نُشرت أبحاث تفيد بإمكانية تغيير تسلسلات النيوكليوتيدات للـ crRNA الذي يرتبط بالتسلسلات المكملة له من الحمض النووي المستهدف، كما يمكن توجيه إنزيم Cas9 لقطع أي منطقة من الحمض النووي. في عام 2020، حصلت العالمة الفرنسية إيمانويل شاربنتييه والأمريكية جنيفر دودنا على جائزة نوبل في الكيمياء، تقديرًا للجهود التي قامتا بها من أجل تطوير تقنية كريسبر. حيث اكتشفت إيمانويل جزيء tracrRNA، الذي تستخدمه البكتيريا لحماية نفسها ضد الفيروسات، ثم تعاونت مع جنيفر في تطوير التقنية، وقد كان. 

الجينوم..ما بين التحرير والتخريب

بعدما التفت البشر لتقنية كريسبر، ارتفع سقف طموحهم، فقد كانت أفضل أدوات تحرير الجينات على الإطلاق. وبدأ تطبيقها في الصناعات الغذائية مثل صناعة الزبادي، إذ تستخدم في حماية الوسط الغذائي للكائنات الدقيقة المستخدمة في عمليات التصنيع هذه ضد الفيروسات، كما استُخدمت كريسبر في الزراعة، لتحسين سلالات المحاصيل الزراعية. 

يقول دكتور نيفيل سانجانا، من مركز الجينوم بمدينة نيويورك:

“أعتقد أنّ التصور العام لتقنية كريسبر يركز على فكرة استخدام تحرير الجينات سريريًا لعلاج الأمراض”

استخدم بعض العلماء تقنية كريسبر في تحرير بعض الجينات البشرية في ظل بيئة تجريبية باستخدام حيوانات التجارب، وكانت النتيجة فعّالة، مما شجعهم على التصريح بأنّ هذه التقنية ستُفيد كثيرًا في تصحيح العيوب الوراثية. وعلاج بعض الأمراض مثل: التليف الكيسي واعتام عدسة العين وفقر الدم. ومن المنتظر أن تُوظّف كريسبر أيضًا في تعديل بعض السمات في البشر لتنتقل هذه السمات للأجيال التالية. 

تكمن قيود كريسبر في احتمالية فشلها، إذ أنّ نسبة نجاحها قد تصل إلى 80%، لكن لا يمكننا غض الطرف عن أضرارها المحتملة، والتي قد تتسبب في إدخال طفرات غير مرغوبة. إضافة إلى أنّ استخدامها على مستوى الأجنة يشكل العديد من المخاوف الأخلاقية. وعند الحصول على هذه الطفرات أو المشاكل غير المرغوبة، تكون النتيجة ليست تحرير الجينوم، وإنما تخريب الجينوم. 

الحذر لا يعني الحظر

كريسبر

هذه المخاطر دفعت الكثيرين لعدم تَقبُّل هذه التقنية، بسبب العديد من الأسئلة التي دارت في أذهانهم حولها، خاصةً عند استخدامها للتحكم في تعديل الخط الجرثومي، فهل من حقنا إدخال تعديلات وراثية على أجسام البشر؟ وهل ينبغي لنا إجراء تغييرات يمكن أن تؤثر على الأجيال القادمة دون الحصول على موافقتهم؟ أسئلة كثيرة راودت الناس في هذا الصدد، حتى خرجت الأكاديميات الوطنية للطب والهندسة بتقرير يفيد بأنّ هذه التعديلات الوراثية سوف تُجرى فقط على الأمراض الخطيرة، وأكدوا على أنّ الحذر لا يعني الحظر. 

جائزة نوبل في الكيمياء 2020 تذهب لتطوير التعديل الجيني بدقة

0

شاركنا رأيك حول "تقنية كريسبر على مائدة نوبل 2020..ماذا لو استطعنا القضاء على كافة الأمراض الوراثية؟"