الكاتبات والوحدة .. نساء جمعت صرخاتهن نورا ناجي عبر التاريخ 
1

ما المثير في الوحدة؟ ما السبب الذي يجعل كاتبة تكرس وقتها لجمع قصص نساء موهوبات وحيدات؟ هذا هو أول ما قد يطرأ في بالك عندما تقرأ عنوان هذا الكتاب “الكاتبات والوحدة” للروائية المصرية الشابة “نورا ناجي”، ولكن في ذات الوقت، ستتفهم الأمر ما أن تنهي أول فصوله، عندما تتذكر فجأة كل مرة كنت وحيدًا بشكل ما حتى وسط الآخرين.

لا يقدم كتاب الكاتبات والوحدة للروائية نورا ناجي قصة حياة أو بيوجرافي لمجموعة من أشهر الكاتبات في العصر الحديث، فهذا الأمر ممكن أن تجده بسهولة حتى في موقع الويكيبيديا، ولكن نورا ناجي أخذتنا إلى زاوية ضيقة للغاية، حتى نتأمل حال هؤلاء النساء الموهوبات، اللواتي يجمع بينهن كل من حب الكتابة والوحدة المسيطرة، وعلى الرغم من قدر اختلاف هؤلاء النسوة، إلا إنك ستجد صلة بينك وبينهن بشكل ما كما وجدت الكاتبة في نهاية كل فصل.

نرشح لك قراءة: الجميلات هُنّ القويات: نساء انتصرن على مرض السرطان

لماذا نورا ناجي؟

نورا ناجي كتاب الكاتبات والوحدة
الروائية نورا ناجي صاحبة كتاب الكاتبات والوحدة.

الكاتبات والوحدة من الكتب التي تمنيت أن يزيد عدد صفحاتها عشر مرات، تحمست لمعرفة قصص الكاتبات، ولكن تحمست أكثر لقراءتها من وجهة نظر نورا ناجي، كما قلت، يمكن معرفة قصة حياة أي منهن عن طريق مواقع الإنترنت، ولكن الأمر يختلف هنا، لقد جعلت الكاتبات أقرب، أكثر إنسانية وجمالًا.

قرأت هذا الكتاب في ذات الوقت الذي أقرأ فيه كتاب المخرج فدريكو فلليني “أنا فلليني”، والذي تحدث فيه عن فيلمه “الحياة حلوة” وشخصية المثقف الذي يغبطه بطل الفيلم مارشيللو لأنه يمتلك كل شيء، ولكن شعوره هذا يتحطم عندما يكتشف مدى بؤس هذا الصديق الواعي المتحقق في حياته العملية والاجتماعية، وقيامه بقتل أولاده في لحظة يأس وانتحاره.

فلليني قدم هذه الشخصية خلال الفيلم بصورة تجعلك تشعر بمأساتها ولكن في سطور كتابه ظهر واضحًا إنه يحتقرها، ويحتقر أمثاله من المثقفين ويرى أنه شخصية مدمرة، وهذا ظهر مرة أخرى في تعامله مع الشخصية الرئيسية في فيلم “المحتالون” الذي كتب عنها أنه لم يستطع تقديم فكرته بشكل كوميدي لأن شخصياته سيئة وماكرة، ولكن في الفيلم نجدنا متعاطفين مع مأساة الشخصية التي بالفعل سيئة ولكن في ذات الوقت تستحق الشفقة.

هنا نجد أننا أمام شخصيتين لفلليني، أحدهما المبدع خلال صناعة أفلامه، الذي يتعاطف مع شخصياته مهما كانت سيئة، ويجعلنا بالتبعية نشعر بالمثل، والأخرى شخصية أكثر عقلانية، وربما حكمًا على البشر تجعله يفقد هذا التعاطف.

ولكن نورا ناجي لا تقوم بالمثل، في رواياتها نجدها تتعاطف مع كل شخصياتها، السيئة منها والطيبة، لا توجد شخصية تستحق الاحتقار الكلي مهما نظرت لمساوئها، وفي الحقيقة هي تفعل المثل بذات الاتساق مع الذات، فعلى سبيل المثال فعل مرعب مثل قيام عنايات الزيات بالانتحار تاركةً وراءها طفلًا ذا سبعة أعوام، في العرف العام سنحكم عليه حكمًا أخلاقيًا حادًا بأنها تخلت عن مسؤوليتها وتركت في قلب طفلها تروما لا تنسى، ولكن في كتاب نورا ناجي لا نقف معها موقف القاضي أو المحكم، بل نضع أنفسنا في ثوب الشخصية، نتفهم دوافعها، وآلامها، ونشعر بأنه حتى المثقف الواعي بشر، وربما أكثر حساسية من غيره، ما يجعل ردود أفعاله أكثر حدة، وربما تكسبها لا معقولية تدفعنا للحكم عليها.

نرشح لك قراءة: طبيخ الوحدة: قصة امرأة وحيدة دخلت المطبخ، وخرجت بأعذب الحكايات!

لماذا الكاتبات والوحدة؟ 

مي زيادة رواية الكاتبات والوحدة
قصة مي زيادة ضمن كتاب نورا ناجي.

لم أطرح السؤال عليها، ولكن لدي إجابة افتراضية، وهي ترتبط بالنقطة السابقة، أي حساسية المثقف ووعيه الزائد تجاه أمور الحياة العادية واليومية، الأمر الذي يتضاعف عندما نتحدث هنا بصدد السيدات أو الكاتبات.

لا يمكن أن تضع تجربة كاتب وكاتبة في ذات الزمن في نفس الميزان، حتى لو تكافآ في الموهبة والقدرات العقلية واللغوية، هناك اختلاف جذري في كل شيء، بداية من تعامل المجتمع والنقاد والناشرين معه، إلى الضغوط النفسية والاجتماعية والبيولوجية المختلفة على المرأة.

يمكن بسهولة أن تضع أي أديب في ثوب الكاتب فقط، وتتناسى أدواره الأخرى، كتّاب قلة وجدنا أن أدبهم تأثر بمرورهم بتجربة الأبوة على سبيل المثال، الأبوة هنا حدث جانبي، ليس ذا صلة كبيرة بعملهم الأدبي، ولكن لدى الكاتبة الأمر مختلفة، الأمومة لا يمكن أن تكون حدثًا جانبيًا حتى للموهوبة فائقة الذكاء، تتماس وتتداخل وتضغط.

تجربة أديبة مثل إيلينا فيرانتي على سبيل المثال لا يمكن فصل الكاتبة هنا عن الأم، ما يضفي على شخصية رواية الابنة الغامضة على سبيل المثال ثقلًا غير عادي، هذه شخصية حقيقية، هذه أم لا تستطيع فصل ذاتها كباحثة وكاتبة عن أمومتها، لا تقبل تشويش الأخيرة على الأولى، وتفشل في تعريف الأولى دون الثانية.

إيلينا فيرانتي كاتبة قررت أن تنبذ توق الأدباء في التحقق عبر علاقتهم مع جمهورهم، وقررت الاختفاء تحت اسم مستعار وصورة امرأة مجهولة، وفي تفسيري لقيامها بذلك أنها رغبت في البوح بحقيقة شعورها الملتبس اتجاه أمومتها ولكن خافت من الوصمة الاجتماعية لأي أم لا تضحي بذاتها على مذبح أمومتها.

أطلقت صرخة امرأة مرعوبة من ذوبانها في وعاء الأمومة وفقدانها لذاتها وهي متخفية، وتعلم تمام العلم أن نصها لا يمكن تفسيره بمعزل عنها شخصيًا، فواحدة من أبرز المصاعب التي تعاني منها الكاتبات أن القراء والنقاد لا يستطيعون فصل شخصيات أعمالهم الأدبية عن حياتهم الحقيقية، كما لو أنهم لا يصدقون أن الأدبيات لديهن الموهبة الكافية لخلق شخصيات روائية لا تمثلهن، وأن دورهن هو نقل شخصياتهن وتجاربهن في صورة أعمال أدبية.

لا يمكن أن تقول أقرأوا عملي هذا، اقرأوا كيف هي الأمومة من وجهة نظري، ولكن تلك ليست أمومتي، ولست أنا بطلة الحكاية!

الأمر الذي لا يتعرض له الكتاب الرجال مهما كانت الشخصيات التي يكتبونها، في كيل واضح بمكيالين تبعًا للجنس ما يعيدنا إلى بداية السؤال لماذا اختارت نورا ناجي حكي قصص الكاتبات؟

نرشح لك قراءة: أطياف كاميليا: رواية تخاطب روح التمرّد بداخل كل أنثى

لماذا الكتابة؟ 

الكاتبات والوحدة - نورا ناجي
الكاتبات والوحدة للروائية نورا ناجي.

هل الإجابة لأن صاحبة الكتاب امرأة وأديبة؟ أعتقد تلك إجابة سطحية للغاية.

ما هي الكتابة؟ هل هي مجرد فعل عقلي، هل أي شخص يمتلك كيبورد أو ورقة وقلم أصبح كاتبًا؟ إذًا ماذا يميز الأديب الرائع عن الآخر المتواضع؟

الكتابة موهبة، الكتابة جمال، الكتابة سطوع من نوع خاص، إعمال للعقل والمشاعر والقدرات اللغوية، قدرة خارقة، تشبه قدرات الأبطال الخارقين في القصص المصورة.

والعالم الذي عاشته بطلات هذا الكتاب لم يكن مستعدًا لتقبل كل أنواع الجمال، خاصةً من النساء، لذلك أنكر على عنايات الزيات حقها في نشر رواياتها، وسخر من صرخات فاليري سولانس ضد عالم ذكوري حتى النخاع، وصنع صورة وهمية للكاتبة نوال السعداوي ليسخر منها الجمهور العادي ويخفي إسهاماتها التي لا يمكن إغفالها في حقوق المرأة، وجعل اسم مي زيادة يقترن بأسماء عشاقها، لا أعمالها الأدبية، فقلما نجد قراءة لهذه الأعمال، ولكن الشائع فقط من أحب مي ومن أحبت مي!

نرشح لك قراءة: ليالي إيزيس كوبيا: رواية عن ميّ زيادة ومَأْساة أديبة خذلها الحُب!

العالم لا يقبل من النساء سوى نوع محدد من الجمال، جمال الملامح والوجه والجسد، الجمال الجنسي الذي يمكن استغلاله وقولبته وتفهمه، وينكر عليهن أن يحظين بجمال آخر، ما يضع عليهن عبئًا مضاعفًا، ليس فقط إثبات موهبتهن الأدبية، ولكن إثبات قدرة النساء على امتلاك مثل هذه الموهبة من الأساس، ما جعل من تجربة كل من الكاتبات العشر في هذا الكتاب رحلة خاصة للغاية.

نرشح لك قراءة: هل تعاني الكاتبات في العالم العربي من قيود مجتمعية؟

الكاتبات والوحدة 115 صفحة من الجمال البهي، جمال محزن وبائس للغاية، وقصص بالتأكيد لن تسعد قلبك، ولكنها قراءة خاصة للغاية لكاتبات يستحقونها.

1

شاركنا رأيك حول "الكاتبات والوحدة.. نساء جمعت صرخاتهن الروائية نورا ناجي عبر التاريخ الأدبي"