نجيب محفوظ
0

نجيب محفوظ؛ الكاتب الذي تعطش لكلماته سواء في كتبه أو لقاءاته أو حتى كلمات محبيه، فكلما سمعت اسمه يتردد من حولك؛ تقفز شخصياته الروائية بذهنك، بداية من محجوب عبد الدايم، وأحمد عبد الجواد (سي السيد)، وسعيد مهران، وأحمد عاكف، والجبلاوي، والدكتور إسماعيل عبد الوهاب وغيرها من الشخصيات التي سطر بها نجيب محفوظ تاريخ الرواية العربية المعاصرة. عالم نجيب محفوظ المتسع الذي يحوي قوة إبداعية متفردة أثرى بها تاريخ الأدب العربي، من تجسيد لأحداث وشخصيات في المجتمع المصري بقلمه المدفوع بالفلسفة والواقعية وخياله الحالم؛ جعله يرصد كل هذا ليكونّ أيقونة جديدة للأدب الروائي العربي، ويحصد جائزة نوبل العالمية.

نرشح لك قراءة: بعد نوبل والبوليتزر وجائزة الكتاب الوطنية، من هي الشاعرة الأمريكية لويز غلوك؟

تحقيق ولكن!

القاهرة الجديدة - الرواية العربية
الرواية العربية القاهرة الجديدة لمحفوظ.

مر نجيب محفوظ بالعديد من الأزمات؛ منها التي تجاوزها ومنها التي كادت بأن تودي بحياته، بل وأغلبها كانت بسبب رواياته التي كانت تمس بعض الرموز الدينية أو رموز السلطة بشكل عام. فكانت أول أزمة مر بها بعد أن كتب رواياته التاريخية الثلاث؛ أزمة رواية “القاهرة 30 أو القاهرة الجديدة“.

صدرت الرواية عام 1946م وفي ذلك الوقت كان الجو مشحوناً بالأزمات الاقتصادية والسياسية بسبب الحرب العالمية والاحتلال الإنجليزي لمصر وبين الصراع على الحكم والاستقلال. وكان محفوظ موظفاً حكومياً في الأوقاف. رصد محفوظ تلك الأوضاع بالإضافة لرصده للموظفين وسرد الواقع مع خياله الأدبي. وكانت لعنة الواقع على نجيب محفوظ؛ فقد أثارت الرواية جدلاً واسعاً بين الموظفين وأحدثت شكوكاً في رجولة بعضهم وتساؤلات أخرى حول من هو الشخص الذي تخونه زوجته، فمحجوب عبد الدايم ربما موجود بينهم في الوزارة الآن ولا يعرفوا من هو.!

تحول نجيب للتحقيق بسبب ما كتبه والشكوك التي أثارها حول الموظفين ورئيسهم، وكاد أن يفقد وظيفته بسبب تلك الرواية ولكن في نهاية التحقيق الذي كان من حسن حظه تم مع أخ طه حسين، فلم يقع عليه أي عقوبة وظل يعمل ويكتب في رواياته الاجتماعية على الرغم من نصيحته في نهاية التحقيق بأن يتجه للكتابة في لون آخر حتى يبعد الأنظار عنه.

أما عن تحويل الرواية لفيلم سينمائي، فقد رفضت الرقابة أول مرة عندما قدمها المخرج صلاح أبو سيف؛ لأنها كانت تكشف عن مدى انحدار الوضع الاجتماعي وكانت تنذر بانهياره، بل وتم رفضها أربع مرات من قبل الرقابة ولكن تم قبولها في المرة الخامسة عام 1964 لضرورتها فنياً. أي بعد حوالي عشرين عاماً من إصدار الرواية.

نرشح لك قراءة: رواية القاهرة الجديدة، واقعية نجيب محفوظ التي أوصلته للعالمية

عندما توقف نجيب محفوظ عن الكتابة

الكاتب نجيب محفوظ بمكتبه - جائزة نوبل
الكاتب نجيب محفوظ خالس في مكتبه.

” أنا كأديب انتهيت”.

هكذا عبر محفوظ في لقاءٍ له مع رجاء النقاش عن شعوره خلال فترة توقفه عن الكتابة. فبعد قيام ثورة 23 يوليو وانتهاءه من الثلاثية؛ توقف قلم محفوظ عن الكتابة لحوالي خمس سنوات. فكأن من شدة تأثره بكتابته للروايات الواقعية في تلك الفترة، جعلته يتوقف عن الكتابة؛ لأن الواقع قد تغير الآن.

وفي لقاءٍ له كان يتحدث نجيب محفوظ حول أسباب توقفه عن الكتابة، فقال بأنه يعتقد أن الكتابة أصبحت بلا جدوى مادامت الأحلام أصبحت تتحقق على أرض الواقع بعد قيام الثورة، وآخرون من أصدقاءه قالوا بأنه ربما تكون كتابته للثلاثية قد أرهقته، وأنهى كلامه بنبره يأس غريبة كأنه يندم على تلك السنوات التي ترك بها الكتابة “إنما أنا اعتقد إني معرفش السبب الحقيقي”.

لكن سرعان ما عاد نجيب محفوظ لقلمه الذي يقص ويحكي عن الشارع المصري، ولكن هذه المرة كانت رواية لها طابع خاص، طابع فلسفي-ديني أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية بمصر -خصوصاً بين الجماعات الإسلامية المتعصبة- والتي كانت سوف تؤدي لوفاته… رواية أولاد حارتنا.

نرشح لك قراءة: نظرة على المجتمع المصري في أدب نجيب محفوظ: التفاوت الطبقي نموذجًا!

أزمة أولاد حارتنا

أولاد حارتنا - الرواية العربية - جائزة نوبل
أزمة نجيب محفوظ مع الرواية العربية الأشهر أولاد حارتنا ومحاولة اغتياله.

كُتبت الرواية في البداية لتنشر في جريدة الأهرام كحلقات متسلسلة أسبوعياً، فمرت الأحداث في الأسابيع الأولى بسلام ولم يعلق عليها أحد. حتى نشرت الصفحة الأدبية بجريدة الجمهورية خبراً، يلفت فيه كاتبه بأن رواية أولاد حارتنا فيها تعرض للأنبياء. ولم يمضِ كثيراً من الوقت حتى تقدم البعض -وبينهم أدباء للأسف- في إرسال شكاوى إلى النيابة العامة ومشيخة الأزهر بل ووصل الأمر للرئيس جمال عبد الناصر. فكانت الشكاوى تطالب بوقف نشر الرواية وتقديم نجيب محفوظ إلى المحكمة.

ولكن انتهى الأمر باتفاق بين محمد حسنين هيكل -رئيس تحرير مجلة الأهرام والتي كان يعمل لديها محفوظ- وعبد الناصر وقتها وأمر بأن تنشر تلك الرواية خارج مصر ويستكمل نشرها بجريدة الأهرام يومياً حتى تتم الانتهاء منها تماماً، وتم نشرها بالفعل في لبنان عام 1959.

استقرت الأوضاع لدى محفوظ بخصوص الرواية ولكن لم تستمر طويلاً. فلم يكن يعلم النجيب بأن حصوله على نوبل سوف يسبب له متاعب فيما بعد؛ وصلت نهايتها إلى اغتياله! فبعد حصوله على نوبل بفترة كتب أنور الجندي -أديب ومفكّر إسلامي- مقالاً في مجلة يهاجم فيها بعنف شديد كتابات محفوظ وأنها تدعو للفسق والفجور.

وأيام قليلة حتى جاءت الفتوى التي كادت أن تنهي حياة الأستاذ، فتوى الشيخ عمر عبد الرحمن الذي قال في حديث صحفي له “إننا لو كنا قتلنا نجيب محفوظ عندما نشر أولاد حارتنا ما ظهر إلى الوجود سلمان رشدي” ومن بعدها صدرت العديد من الأقاويل التي اتهمت محفوظ بالكفر، فأصدر الشيخ كشك كتابه “كلمتنا في الرد على أولاد حارتنا” بالإضافة للاتهامات التي كان يُصرح بها في خُطبة يوم الجمعة والتي كانت تطعن في إسلام نجيب محفوظ وتشكك في إيمانه.

كل هذا كان بسبب رواية رمزية لها أبعاد دينية وفلسفية وسياسية أيضاً -إن جاز التعبير- في ذلك الوقت. فبعد انتشار تلك الفتاوى وتكفير محفوظ حاول شخصان قتل نجيب، أحدهما يركب دراجة نارية والآخر يحمل سكيناً طعن بها محفوظ أثناء ذهابه إلى ندوته الثقافية بكازينو قصر النيل. لكن لم تكن الضربة هي القاضية -كما أراد صاحبها- أخذه صديقه د/ فتحي هاشم الذي كان يرافقه داخل السيارة إلى مستشفى الشرطة بالعجوزة، حتى أتم علاجه فيها.

نرشح لك قراءة: في رواية عصر الحُبّ يقول الراوي: الكثير من الحُبّ ولا عائد!

نجيب محفوظ والاصطدام مع السلطة 

أولاد حارتنا - نجيب محفوظ - جائزة نوبل
في ذكرى جائزة نوبل نرصد لكم عثرات في حياة أستاذ الرواية العربية الأول.

على الرغم من أن الأعمال التي كتبها محفوظ تحوي العديد من الرموز والمعاني إلا أنها لم تخلُ من مفهوم السلطة في ذلك الوقت أو بمعني آخر السلطة التي أقصد الإشارة لها هنا النظام السياسي القائم وقتها. أولى المرات كانت بسبب قصة قصيرة كتبها في جريدة الأهرام بعنوان “سائق القطار” والتي كانت تدور حول سائق قطار يفقد صوابه، بل ويتسبب في حادث مروع. تلقي بعض المُثقفين والقارئين للقصة بأن سائق القطار هو عبد الناصر يقود مصر وسوف ينتهي به الأمر بكارثة كبيرة.

ووصل الأمر بأن تنبأ البعض باعتقال نجيب محفوظ بسبب تلك القصة، ولكن سرعان ما نُشر مقال آخر لمحمد فريد أبو حديد -رئيس تحرير مجلة الثقافة- مقالاً يوضح فيه بأن الكاتب يرمز للصراع بين الشرق والغرب، وكيف أن هذا الصراع قد يتسبب في تدمير الكرة الأرضية، والكرة الأرضية ترمز إليها القصة بالقطار.

بعدها كتب نجيب محفوظ رواية ثرثرة فوق النيل والتي انتقد فيها المجتمع بعد ثورة يوليو وأنذر بكارثة سوف تحدث. صور محفوظ المجتمع الذي مر بمحنة الضياع والفقد، فقد المعنى والذات والانتماء بل وفقد القيم والمبادئ خاصة بين أوساط المُثقفين. حالة من اللامبالاة والضياع قدمها محفوظ في روايته، ولكنه لم يعرف ما الذي كان ينتظره بسبب تلك الرواية.

ثرثرة فوق النيل - الرواية العربية
الرواية العربية ثرثرة فوق النيل لصاحب جائزة نوبل نجيب محفوظ.

“نجيب محفوظ زودها قوي ويجيب تأديبه ووقفه عند حده”.

بغضب شديد قالها المشير/ عبد الحكيم عامر وأصدر قراراً باعتقاله، لكن استطاع ثروت عكاشة وزير الثقافة في ذلك الوقت بإقناع عبد الناصر بأن الرواية تُسلط الضوء فقط على السلبيات وليست هجوماً على النظام؛ فأصدر عبد الناصر قراراً بمنع اعتقال نجيب. ويُقال بأن الدورية التي كانت في طريقها إلى منزله تراجعت بعد قراره.

“بما كانت أصعب المتاعب التي واجهتها في علاقتي مع السلطة هو ما حدث في بدايات عصر السادات”. نجيب محفوظ في حواره مع رجاء النقاش.

وقع عدد من الأدباء والكُتاب -ومن بينهم محفوظ- على وثيقة ترفض حالة “اللاحرب واللاسلم” التي كانت تعاني منها مصر أثناء فترة ما قبل الحرب وما بعد النكسة. وكان ذلك في أوائل سنة 1973، بعدها أصدر السادات قراراً بعزلهم من الصُّحف ومنعهم من الكتابة. والذي وصل الحال بنجيب بأن تم منعه من اللقاءات في الإذاعة والتلفزيون ومنع عرض أفلامه علي التلفزيون سواء كانت هذه الأفلام مأخوذة عن رواياته، أو التي شارك في كتابة السيناريو لها. واستمرت أزمة البيان حتي أعلن السادات العفو عنهم في 28 سبتمبر 1973 بذكرى وفاة عبد الناصر.

نرشح لك قراءة: الكتب الأكثر استدعاءً في الأعمال الفنية.. ما علاقة نجيب محفوظ؟

حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل

جريدة الأهرام الصفحة الأولي - نجيب محفوظ - جائزة نوبل
جريدة الأهرام الصفحة الأولى – عن فوز أستاذ الرواية العربية نجيب محفوظ بـ جائزة نوبل العالمية.

“أخذت مني سنة كاملة في خدمتها”.

بصوت رفيع عبر محفوظ عن نوبل هكذا في أحد لقاءاته، كان لا يحب الشهرة التي جاءت له بسبب نوبل وكان يسميها هو شخصياً “تشهير” وليست شهرة، فهو بطبعه صامت-ثائر، صامت في حياته ولا يحب الاصطدام، وثائر في كتاباته.

بعد حصوله على جائزة نوبل تهافتت الأقاويل بالأوساط الثقافية التي كانت منافسة لنجيب محفوظ وحاقدة عليه، بأن سبب منحه نوبل هو لتأييده لاتفاقية كامب ديفيد والتي أثارت شكوكاً كثيرة في ذلك الوقت بين مؤيدين ومُعارضين لها. لكن كانت نظرة نجيب محفوظ قبل خوض الحرب مع إسرائيل هي الوصول إلى حل وسط، فنحن لن نستطيع أن نسترد الأرض بالحرب، حيث أن إسرائيل دولة قوية ويجب الوصول لأقرب حل وسط.

ولكن لم تصمد تلك الشكوك كثيراً حول التشكيك في حصوله على جائزة نوبل لأسباب سياسية؛ فهو قد حصل عليها بعد مرور عشر سنوات من الاتفاقية بالإضافة لموقفة المُسالم الذي طرحة بندوة لمُعمر القذافي في جريدة الأهرام قبل خوض الحرب والذي يعد بمثابة دليل على عدم صدق تلك الادعاءات.

ورغم تلك التحديات التي واجهت نجيب محفوظ لن يغفو قلمه ولو لحظة، سواء في فترة انقطاعه عن الكتابة التي ذكرتها كان يعمل ككاتب سيناريو، أو بعد حدوث محاولة اغتياله وما أحدثته من مشاكل في قدرته على السمع والكتابة؛ كان محفوظ يحاول أن يكتب حتى يعود للكتابة من جديد فأخرج لنا بعدها “أحلام فترة النقاهة“.

وفي يوم الثلاثين من أغسطس عام 2006 أذاع الكاتب/ محمد سلماوي بيان وفاة النجيب. ومات المحفوظ؛ روح الحلم وعقل المحب وكتاب الحياة الذي لا ينتهي وكأن أعماله جعلته سرمدي الوجود في قلوب محبيه.

نرشح لك قراءة: أهم كتب نجيب محفوظ.. أديب نوبل والملقب بأفضل من كتب بالعربية

0

شاركنا رأيك حول "هل النجيب كان محفوظاً؟ نرصد لكم عثرات في حياة أستاذ الرواية العربية"