الجريمة والعقاب
0

رواية الجريمة والعقاب رائعة الكاتب الروسي Fyodor Dostoevsky – فيودور دوستويفسكي، وإحدى روائع الأدب العالمي التي لن تتكرر، قد يبدو للقارئ أحيانًا من اسمها أنها حكاية بوليسية أو إجرامية تتحدث عن جريمة تقع يليها عقابها، وإن كان هذا صحيحًا نسبيًا إلا أنه لا يكاد يقترب من محور الرواية التي لا يجول دوستويفسكي فيها في مسرح الجريمة، بل في مسرح وخبايا عقل المجرم.

الجريمة والعقاب رائعة دوستويفسكي

الجريمة والعقاب - راسكولينكوف
الجريمة والعقاب رائعة دوستويفسكي: هل ممكن مقابل حياة واحدة، آلاف الحيوات تنقذ من السقوط؟

يجب أن نتوقف عند تصنيف الجريمة والعقاب، دوستويفسكي من الكتاب الذين أُفضل تسميتهم كُتاب اللامبدأ، وهم من الجهة الأخرى عكسٌ لكتاب المبدأ، ولا أعني هُنا المبدأ الأخلاقي في الرواية بل مبدأ بناء الرواية، كُتاب المبدأ هم من يلتزمون ببناء رواياتهم ووضوح معناها كرواية تاريخية أو فلسفية، يُمثل هذا النوع عندنا كُتاب مثل ليو تولستوي أو نجيب محفوظ.

فمثلًا لن يقوم إيفان المريض في رواية مصرع إيفان ايليتش لتولستوي من سريرة ليُلقن الأطباء درسًا، ولن ينتحر قاسم مثلًا في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ ويقوم بكسر بناء الرواية الذي يمثل ميثولوجيا التراث، أما من الجهة الأخرى فنجد أن بناء رواية كالجريمة والعقاب يقوم على ألا بناء لها، لا يلبث دوستويفسكي أن يضع أُسس روايته إلا ونجده يهدمها على رؤوسنا مع نهاية كل صفحة.

لهذا أعتقد أن دوستويفسكي هو الروائي الوحيد الذي يستحيل علينا أن نتنبأ به، قد أكون تنبأت بنهاية ساعة الشر للكاتب جابريل جارسيا ماركيز بعد أن وصلت لمُنتصفها، أو حتى رواية الجهل للكاتب ميلان كونديرا، لكن وحتى الصفحة الأخيرة في الجريمة والعقاب، لم أكن قريبًا حتى من توقع أي حدث.

نرشح لك قراءة: ٥ روائع يجب عليك قراءتها لفيودور دوستويفسكي

راسكولينكوف: المُنفصم

يدرس دوستويفسكي شخصية شاب يدعى راسكولينكوف، ويعني هذا الاسم بالغة الروسية المُنفصم[1] كأن دوستويفسكي يخبرنا من مطلع الرواية أن هذه الشخصية ليست سوية النفس أو على الأقل غير مُنتظمة الطباع، يعاني راسكولينكوف من ضائقة جوهرها هو المال، ولكنها تمتد إلى حريته وبؤسه.

تراود راسكولينكوف فكرة في بداية الرواية، لا يخبرنا دوستويفسكي ما هي هذه الفكرة، ولكننا فقط نشعر أنها فكرة، يرفض راسكولينكوف الاعتراف بها كفكرة تراوده، فيقول:

“لا… هذه حماقة… هذه سخافة… هل يمكن حقًا أن تكون فكرة شيطانية كهذه قد ساورت ذهني؟ ما أقذر ما في قلبي إذًا من وحل! ثم إن هذا كله وسخٌ جدًا، مقززٌ جدًا، قذرٌ جدًا!”[2].

وحتى نهاية أول 150 صفحة، لا يخبرنا دوستويفسكي ما هي هذه الفكرة “السخيفة والقذرة” التي راودت عقل راسكولينكوف، ولكنه يخبرنا أكثر عن هذا المُنفصم وعن حياته البائسة وأهله الذين تركهم يعانون في الريف بفقرهم.

رواية الجريمة والعقاب - دوستويفسكي
رواية الجريمة والعقاب رائعة دوستويفسكي

تراود الفكرة عقل راسكولينكوف في كل مرة يعاني من نقصٍ في المال، ومن الواضح من عنوان الرواية، وكذلك من رفضه للفكرة، أن هذه الفكرة هي جريمة ما، ولكن نجد أن هذا التوقع يتناقض مع شخصية راسكولينكوف الطيبة، فهو في أكثر من مرة يتبرع بماله كله للفقراء والمساكين، ورغم أنه في الواقع أشد منهم فقرًا، لم يكن يجد بُدًا في أن يُنبش في جيبة عن أي قطعة نقدية حتى يتبرع بها لهم، وما أن يتبرع بها حتى يدرك أنه أخطأ فيما فعل، فهو أشد حاجة للمال، ولكنه كما يخبرنا دوستويفسكي:

“رأى أنه من المستحيل عليه أن يسترد الصدقة التي أعطاها، وأنه لن يستردها، لو لم يكن استردادها مستحيلًا”[3].

قيمة الحياة: كيف تٌقاس؟!

يُنفذ راسكولينكوف جريمته ويقتل المربية العجوز التي كان يقترض منها المال مقابل رهن بعض الحاجات عندها، ولكنه يفعل هذا بهدفٍ نبيل، بل كما يرى، غاية في النبل، فهو إذا قتل هذه المرأة العجوز واستولى على مالها الكثير فإنه سيستطيع مساعدة أمه وأخته، وكذلك سيكمل دراسته وسيقوم بالتبرعات التي لطالما أراد القيام بها.

نجد هنا أن راسكولينكوف يرى أنه فقط ببعض الشر، وهو القضاء على حياة تلك المربية العجوز، يستطيع أن يعالج آلاف الحيوات، “مقابل حياة واحدة، آلاف الحيوات تنقذ من القافة والعوز والتحلل والسقوط” [4] فهو يقارن الحيوات التي سينقذها بحياة تلك العجوز، وتلك الحيوات لا تفوقها عددًا وحسب، ولكنها كذلك تفوقها قيمةً، فحياة المربية العجوز لا قيمة لها في الحياة كما يرى راسكولينكوف “فأي أهمية لها في ميزان الحياة هذه العجوز الشريرة”، أنا لم أقتل سوى قملة يا سونيا، قملة قذرة لا نفع منها، بل شريرة وسخيفة”.

دوستويفسكي - راسكولينكوف
دوستويفسكي

في أحد المشاهد، يظهر المحقق بورفيري الذي يُجري حوارًا مع راسكولينكوف حيال مقالٍ له يقول فيه أن هناك أُناسًا “يستطيعون… لا يستطيعون فحسب بل لهم كذلك حق مطلق في أن يرتكبوا جميع أنواع الأفعال الشائنة والجرائم، ولا قيمة لأي قانونٍ بالنسبة لهؤلاء الناس”[5].

يقرر راسكولينكوف أن يشرح مقاله لبورفيري لتتبين لنا فلسفة راسكولينكوف في رؤية الإنسان: ينقسم البشر إلى نوعين، الإنسان الخارق والإنسان العادي (قد يتشابه هذا مع وزن نيتشه في تصنيف الإنسان الأعلى والإنسان الحيوان)، ومن حق الإنسان الخارق أن يرتكب جريمة، أي جريمة في حق الإنسان العادي.

ولكن يوضح راسكولينكوف أن هذه الجريمة يجب أن تكون من النوع الذي يتوقف عليه سلامة النوع الإنساني:

 “فإن كانت اكتشافات كلبر أو نيوتن، بسبب ظروفٍ معينة، ما كان لها أن تتحقق إلا ضُحي في سبيلها بحياة فرد، أو عشرة، أو مئة، أو حياة عدد أكبر من الأفراد يقفون حائلًا دونها، فإنه يكون من حق نيوتن، لا، بل من واجبه أن يزيح هؤلاء الأفراد كي ينفع الإنسانية باكتشافه”[6].

إذًا فالعنف هو سبيل الخير في بعض الحالات، وفي تلك الحالات لا يجب أن نُعده جريمة، وإلا فلما نُعد أشخاصًا مثل ليسورجون، سولون، أو نابليون، قادة عظماء؟ ألم يتسببوا في قتل الآلاف أو حتى الملايين؟ هكذا قد برر راسكولينكوف لنفسه جريمته.

نرشح لك قراءة: رسائل من تحت الأرض للكاتب الروسي دوستويفسكي: أن يكون الإنسان مفتاح بيانو!

اعتراف راسكولينكوف

من الغريب أن راسكولينكوف لم يحقق هدفه بعد أن قام بالقتل، لم يصبح رجلًا نبيلًا ولم يغير الحيوات التي تحدث عنها، بل إنه حتى لم يلق نظرة على محفظة النقود التي سرقها ليعرف كم فيها، أحس راسكولينكوف أن ما فعله لم يكن الحل السليم، فهو إن كان يُنشد الحرية في فعله، فهو الآن حبيس منزله يخشى الخروج منه كي لا يُقبض عليه “فمحاكمة النفس أصعب وأبغض من المحاكمة الأرضية باسم القانون”:

“أنا لم أقتل لكي أقدم المساعدة لأمي، كلا، وليس أيضًا لكي أبدو محسنًا لبعض بني البشر، بعد أن أصبحت أمتلك الوسيلة لفعل ذلك، كلا، لقد قتلت بكل بساطة، قتلت من أجلي أنا، وحدي، ولم يكن يساورني القلق لكي أعرف في تلك اللحظة فيما إذ كنت يمكن أن أصبح أحد المحسنين أم أنني سأمضي حياتي كالعنكبوت اصطاد الضحايا بنسيجي، لكي أتغذى بقواها الحية، وعلى الخصوص لم تكن الحاجة للنقود هي التي كانت الأكثر إحساسًا لدي عندما قتلت، كنت أقل حاجة للنقود من حاجتي لشيء آخر…

كان عليَّ أن أعرف شيئًا آخر، كان شيء آخر يدفع ذراعي، كنت أريد أن أعرف بأسرع ما يمكن، فيما إذا كنت حشرة كالآخرين أم أنني رجل. وهل سأستطيع اجتياز الحاجز، أم أني لا أستطيع اجتيازه؟ هذا ما تساءلت عنه. وهل سأجرؤ أن أنحدر وأستولي على السلطة، أم أني لن أجرؤ على ذلك؟”.

إذًا فلا وجود للأهداف النبيلة، ولكنه لا ينفي فلسفته التي طرحها في مقاله، لكنه أراد أن يختبر أي الفئتين هو، هل هو أحد أفراد الفئة الخارقة أم لا؟ تلك الفئة التي لها الحق في أن ترتكب ما تشاء فيمن تشاء:

“وتبادر لذهن راسكولينكوف: إنه سيد حقيقي، كل شيء مباح ومسموح له به، يدك طولون بقنابل مدفعيته وينظم مذبحة في باريس، ينسى جيشه في مصر، يستهلك نصف مليون رجل في حملة روسيا، ويتخلص من هذه القضايا، في فيلنا، بواسطة التلاعب بالألفاظ وإنما لهذا الرجل بالذات، بعد موته تقام التماثيل. وهكذا إذًا، فكل شيء مسموح ومباح”[7].

خلف كواليس الكتابة

الجريمة والعقاب في السينما العالمية - دوستويفسكي
الجريمة والعقاب في السينما العالمية.

تأثر أبطال دوستويفسكي كثيرًا بشخصيته، قد نرى أن راسكولينكوف يطابق شخصية دوستويفسكي بشكل أو بآخر، يبدو لنا أنه كان مريضًا بالصرع مثل دوستويفسكي، فمثلًا نلاحظ أنه كثيرًا ما يصاب بالحمى أو بالهذيان وعندما نفذ جريمته جاء ليعاني من هلوسات مخيفة، ومن المشترك كذلك بينهما أن دوستويفسكي كتب هذه الرواية وهو يعاني من ضائقة مالية أشد من ضائقة راسكولينكوف[8].

في الواقع قد نجد أن الرواية لها مغزاها الديني الكبير، خصوصًا أن دوستويفسكي كتبها في فترات ميله إلى الكاثوليكية والإيمان، وقد يكون الحل الذي اهتدى له راسكولينكوف في النهاية هو الاعتراف بجريمته لله، وعلى الرغم من ذلك واجهت الرواية صعوبات في أن تخرج لنا، رأى ناشر دوستويفسكي أن الرواية مليئة بالعدمية، والتي لم تكن تلقى كلامًا طيبًا في روسيا حينئذ، وحتى تخرج لنا الرواية أُضطر دوستويفسكي أن يُعدل آثار العدمية تلك وعلى حد قوله “كلفني ذلك العمل من جهد ومن وقت ما يعادل كتابة ثلاثة فصول”[9].

والعجيب أن كل هذا -أضف إليه كذلك اعتراف راسكولينكوف في الجزء الثاني أنه مؤمن وخالص الإيمان- لم يمنع النُقاد بأن يصفوا راسكولينكوف على أنه ثوري عدمي، وقد زاد من حدة موقف دوستويفسكي حول بطله، أنه بعد نشر الرواية بقليل قد انتحر طالب في موسكو[10] ما جعل العديد يأخذ موقفًا معاديًا من دوستويفسكي بين عشية وضحاها.

أما القراء العوام -أو الناس العاديين على حد تعبير راسكولينكوف- لم يجدوا من جوهر الرواية إلا بساطتها، وأنها رواية بوليسية مع قصة عاطفية جانبية، ونالت الرواية انتشارًا عالميًا بعد نشرها بفترة، وتناولتها السينما العالمية في أعمال عديدة.

المصادر:

[1] مقدمة د. سامي الدروبي في الجريمة والعقاب، الجزء الأول، ص13، دار الخلود للنشر والتوزيع، 2017.

[2] المصدر السابق، ص25.

[3] المصدر السابق، ص61.

[4] الجريمة والعقاب، الجزء الثاني، ص201، دار الخلود للنشر والتوزيع، 2017.

[5] المصدر السابق، ص140.

[6] المصدر السابق، ص141-ص142.

[7] دوستويفسكي: حياته-أعماله، هنري ترويا، ت: علي باشا، ط2 2010، ص352.

[8] المصدر السابق، ص363.

[9] المصدر السابق، ص366.

[10] المصدر السابق.

0

شاركنا رأيك حول "الجريمة والعقاب رائعة دوستويفسكي: التجول في خبايا عقل المجرم"