السباق نحو لقاح لفيروس كورونا
0

يبذل العلماء عبر العالم قُصارى جهدهم للتوصل إلى لقاح لفيروس كورونا ويتمّ بالفعل تطوير أكثر من 150 لقاحاً في عدد من المختبرات العالمية أملاً في توفير اللقاح المناسب في أقرب الآجال.

عملية تصنيع اللقاحات تكلّف أموالاً طائلة وتستغرق عادة سنوات طويلة لتصميم نموذج اللقاح وتطويره واختباره عبر مراحل متتالية للحصول على الموافقة عليه، ثم بدء الإنتاج والتسويق التجاري.

لكن يبدو الأمر مختلفًا هذه المرة، فبعد أقلّ من سنة واحدة من ظهور فيروس كوفيد-19، أعلنت جهات عديدة عن وصولها إلى اللقاح وحصولها على نتائج إيجابية بعد استخدامه، فهل ما يحدث خاضع لمبادئ النزاهة والبحث العلمي أم هي مجرّد محاولات لأخذ طرق مختصرة تضمن الربح المادّي والمغانم السياسية؟

مناعة القطيع: عندما تصبح أرواح البشر ضريبة القضاء على جائحة كورونا

سباق القِوى الكبرى نحو لقاح لفيروس كورونا

الصين

بعد عشرة أيام من ظهور فيروس كورونا في الصين، نشر الصينيّون جينوم الفيروس. وفي يوم 16 مارس 2020، أعلنت الصين أنّها جهّزت لقاحًا ضد كورونا، وقالت بأنّه جاهز للاختبارات على البشر بعد اجتيازه لمرحلة الاختبارات على الحيوان.

اليوم، يجري تطوير أربعة لقاحات في الصين، أحدها وصل إلى المرحلة الأخيرة من الاختبارات السريرية؛ وقد أكّدت شركة سينوفاك المُنتِجة لهذا اللقاح على أنّها قادرة على توفيره عبر أنحاء العالم في بداية سنة 2021، وأنها بدأت بإنتاج الآلاف من جرعات اللقاح بالتزامن مع قيام بكين ببناء مصنع ضخم استعدادًا للتصنيع التجاري.

كما أعلنت الصين في وقت سابق على أنّه تمّ منح اللقاح لكبار المسؤولين والباحثين، وتم استعماله في حالات الإصابة الحرجة بفيروس كورونا، وصرّح أحد المسؤولين بأنّ حوالي 350 ألف شخص أخذوا الجُرعات خارج مرحلة التجارب السريرية، تحت بند الاستخدام الطارئ، وهذا قبل المصادقة النهائية على نجاعة اللقاح وأمانه.

روسيا

يُعتبر “سبوتنيك في- Sputnik V” أوّل لقاح مسجّل ضد فيروس كوفيد-19 في السوق، ويصف الموقع الرسمي للقاح هذا الأمر بأنّه “شكّل ما يُسمّى بـ (لحظة القمر الصناعي سبوتنيك) بالنسبة للمجتمع العالمي لباحثي اللقاحات”.

سجّلت وزارة الصحة الروسية هذا اللقاح يوم 11 آب/أغسطس الماضي وأعلنت شُروعها في توزيع أول دفعة من الجُرعات على الأقاليم الروسية، رغم أنّ اللقاح ما زال يخضع للاختبارات على المتطوّعين وأنّ المنهج المتعارف عليه في تصنيع اللقاحات يقتضي بعدم البدء في التصنيع التجاري قبل انتهاء الاختبارات والتأكّد من أنّ استعمال الجُرعات آمن وفعّال.

الولايات المتّحدة الأمريكية

في نهاية شهر مارس الماضي، عقدت الحكومة الأمريكية صفقة بقيمة 456 مليون دولار مع شركة جونسون وجونسون مقابل تطويرها لحوالي 100 مليون جرعة من لقاح فعّال ضد فيروس كورونا. بعد ذلك، وطوال أشهر متتالية، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن توقيعها لصفقات أخرى مع شركات مختلفة تعمل هي الأخرى على تطوير لقاحات مرشّحة لمواجهة فيروس كورونا المُستجدّ.

وتأتي هذه الصفقات في إطار البرنامج الذي أطلقت عليه الحكومة الأمريكية اسم “عملية السرعة الفائقة”، والذي أنفقت عليه لحد الآن ما يُقارب 10 ملايين دولار لتسريع تطوير، تصنيع وتوزيع 300 مليون جرعة من اللقاحات الآمنة والفعّالة ضد الفيروس انطلاقاً من بداية العام القادم.

ووَجّه روبرت ريدفيلد، مدير المراكز الأمريكية للوقاية من الأمراض، كلمةً إلى حُكّام الولايات يُلحّ فيها على ضرورة فعل كل ما يلزم -وبصورة عاجلة- من أجل تجهيز مرافق توزيع اللقاح بحلول شهر نوفمبر القادم، كما أكّد على ضرورة منح كل التراخيص اللازمة لتكون هذه المراكز عمليّة بالكامل في الموعد المطلوب. وفي نفس السياق، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن سابقاً بأنّ اللقاح الأمريكي سيكون جاهزاً هذا الخريف.

تأتي هذه التصريحات لتؤكّد على أنّ الولايات المتّحدة الأمريكية تبذل جهدها للوصول إلى اللقاح قبل موعد الانتخابات الرئاسية القادمة، فهل هذا يحفظ مصداقية “عملية السرعة الفائقة”؟

ألمانيا

كانت ألمانيا من أوائل الدول التي أعلنت عن شروعها في برنامج لتطوير لقاح ضد كورونا، وقد حاولت حكومة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في بداية شهر مارس الماضي، إقناع شركة كورفاك الألمانية بنقل أبحاثها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الاقتراح الذي قابلته هذه الشركة بالرفض.

اليوم، تقوم ثلاث شركات ألمانية بالعمل على تطوير لقاح لفيروس كورونا وقد أعلنت شركة كورفاك نهاية شهر سبتمبر الماضي أنّها انطلقت في المرحلة الثانية من الاختبارات السريرية. وأكّد وزيرا الصحة والبحث في ألمانيا على أنّ الجرعات ستكون جاهزة منتصف العام القادم، وأنّ الشركات الألمانية لن تتّجه إلى الطرق المختصرة في سبيل تجهيز اللقاح في وقت أبكر:

نريد لقاحاً آمناً وفعّالاً، ليس بالضرورة أن يكون الأوّل.

فايروس كورونا: دينيًّا، سياسيًّا، فلسفيًّا

الإشكاليات المطروحة تجاه لقاح لفيروس كورونا

في ظلّ المعطيات السابقة، من البديهي أن يتساءل الأفراد عن مصداقية الأبحاث التي تُجرى “بسرعة” في سبيل إحراز المرتبة الأولى في السباق العالمي لتصنيع أوّل لقاح ضد فيروس كورونا.

وقد تجلّت هذه المخاوف من خلال نتائج استطلاع معهد بيو لأبحاث الرأي العام الذي أُجري على أكثر من 10 آلاف أمريكي في شهر سبتمبر الماضي، وظهر من خلال النتائج أن نصف الأمريكيين يرفضون تلقّي لقاح لفيروس كورونا حالَ توفّره.

وقد علّق هولدن ثورب، رئيس تحرير مجلة Science الأمريكية، على هذا قائلاً:

أخذ الطرق المختصرة أثناء اختبار سلامة وفعالية اللقاح يشكّل خطراً على حياة ملايين الأشخاص على المدى القصير، وسيحطّم ثقة الناس في اللقاحات على المدى البعيد.

من جهة أخرى، عندما ننظر إلى عدد جرعات اللقاح التي ستصنّع على المدى القريب مقارنة بعدد سكان الكوكب، فالفجوة هائلة. من البديهي أن اللقاح لن يكون متوفّراً للجميع في نفس المجال الزمني، يقول ديفيد فيدلر، الخبير الأمريكي في شؤون الصحة بمجلس العلاقات الخارجي:

إذا أخذنا بعين الاعتبار مسار الممارسات السياسية خلال الجائحات، اللقاحات ستصل في نهاية المطاف إلى أغلب الشعوب، لكن فقط بعد أن تحمي الدول القوية نفسها.

هذه الإشكاليات -وغيرها- ستبقى مطروحة طالما أنّ اللعبة السياسية والمصالح الاقتصادية تدخل في الحسبان، وأنّ هذه المكاسب في نظر البعض أهم من حياة ملايين البشر على الأرض.

هل يتطلّب الأمن القومي أن تخفي الحكومات الكوارث عن شعوبها؟ تشيرنوبل ليست النموذج الوحيد!

 

0

شاركنا رأيك حول "السباق نحو لقاح فيروس كورونا: هل المكاسب أهم من البشر؟"