هل كان سي السيد عدوًّا للمرأة؟ حديث عن شخصية نجيب محفوظ الأبرز
0

نتحدث اليوم عن سي السيد، أو السيد أحمد عبد الجواد؛ شخصية نجيب محفوظ التي هي من أهم الشخصيات الأدبية بإطلاق، ولا يبعد أن تكون شخصية محفوظ الأهم رغم توافر شخصياته المحكمة، سواء خارج الثلاثية أو فيها. شخصية سي السيد غنية عن التعريف، وهي مرتبطة في الأذهان بالفنان يحيى شاهين الذي أحسن تجسيدها في السينما (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية)، وكذا محمود مرسي الذي أداها في التليفزيون. غير أننا لن نناقش تجسيد الدور على الشاشتين، بل سنلقي نظرة سريعة غير وافية على الشخصية البارزة من جهة زوجته وأبنائه وعمله وتناقضه وقانونه الأخلاقي.

نرشح لك قراءة: الكتب الأكثر استدعاءً في الأعمال الفنية.. ما علاقة نجيب محفوظ؟

منشأ سي السيد بطل الثلاثية

ثلاثية القاهرة لأديب نوبل العالمي نجيب محفوظ - الثلاثية
الثلاثية لأديب نوبل العالمي نجيب محفوظ – طبعة مكتبة الشروق.

من أين أتى سي السيد؟ لإجابة هذا السؤال يتوجب علينا طرح سؤال آخر: لماذا بدأ نجيب محفوظ ثلاثيته الدسمة بذكر أمينة وانتظارها؟ لماذا كان افتتاحه هذه الملحمة بوصف الزوجة وقيامها من نومها وظلمة بيتها ووحدتها وانتظارها، ولماذا كانت اعتمادية أمينة -المستخلصة من هذا المذكور وغيره في فصل واعد شديد البراعة- سابقة في الذكر لوصف سي السيد بل ذكر وجوده؟

علينا أن نفهم أولًا أن نجيب محفوظ لا يلعب، بل هو من هذا الطراز المستحق لثقة القارئ؛ بحيث يسعك أن تنظر في دقائق شخصياته مفترضًا الأذكى والأعمق والأكثر تعقيدًا والأبعد عن التبادر إلى الفكر. وبشرط ألا يصل هذا إلى مرحلة التكلف، فإن العملية التحليلية المبنية على توقع طبقات من الإبداع العفوي والمتعمد مختبئة تحت سطحه؛ هي عملية مثمرة في المجمل ولازمة في أحيان.

لنجب على السؤال إذًا بلا مماطلة (رغم أنها عادتي). أقول إن وجود سي السيد في الواقع رد فعل لوجود أمينة؛ ضرورة وجودية؛ المكمل المحتوم؛ المادة الشاغلة لحيز غير مقبول الوجود من الفراغ؛ استجابة للاحتياج الأنثوي شديد الجاذبية والاعتلال.

هل كان سي السيد عدوًّا للمرأة؟ حديث عن شخصية نجيب محفوظ الأبرز - الثلاثية
الثلاثية لمبدعها نجيب محفوظ – طبعة مكتبة مصر. (الصورة من تنفيذ: الروائي والكاتب في أراجيك/ محمود حسين)

لنفهم هذا بشكل أوضح علينا النظر إلى ظواهر نظامنا التربوي التالف، ففيه نجد أن الاهتمام بإضعاف الأنثى يعلو بكثير على الاهتمام بتقوية الذكر، حتى ليبدو أحيانًا أن التنمر صفة مكتسبة ناشئة عن حاجة الأنثى -التي جرى تهميشها وتحجيمها وتخويفها واستهلاكها في السفاسف وتجريدها من مواطن قوتها- إلى ذكر يفضل أن يكون حجم سلطته كبيرًا بقدر الإمكان فيشغل فراغها العظيم.

بالطبع لا أشك في أن إعفاء الذكر من القيود فعلٌ واختيار وليس غيابًا لهما كليهما، لكنك إن تنظر تر أن بناء الرجل ليكون رجلًا لا يحدث بشكل منهجي كما توحي النسوية الغبية عديمة الثمرة. لهذا -وأتمنى ألا أكون اليوم أكثر انجرافًا مع تسلسل الأفكار من المعتاد- فإنني أجد في هذا الإطلاق المجتمعي للذكر ليعيث في الأرض يتعلم من الدنيا ويكتسب بمحض عيشه المهارات؛ هذا الإطلاق الذي عبرت عنه واحدة فقالت إن مجتمعنا لا يربي الذكور ابتداء لذا لا يلقي بالًا لاحقًا لأدبهم وأخلاقهم بقدر مبالاته بالأنثى؛ هو إساءة فادحة عظيمة التدمير باهرة التكامل مع إساءته الأكبر للإناث.

يا أخي تأمل إحكام المنظومة الفاسدة تُذهلْك. هذه ممارسات نُقحت بتتابع العصور فنفت الدخيل وسمحت للتطور الطبيعي بتحسين مسارها حتى بلغت حدًّا مروعًا من الشناعة. كل شيء هنا في اتساق، كل إيذاء يقابله آخر مكمل. هل تذكر قول الناس الشائع إن الزواج اجتماع نصفين يتم أحدهما بالآخر؟ (وهو غلط لأن الزواج تفاعل يمثل له بالضرب لا بالجمع، وحاصل ضرب نصفين هو ربع). هذا المثل صائب هنا إلى درجة مثالية في التعبير عن حال أمينة وسي السيد. وإني شارح لك فلا تعجل.

نرشح لك قراءة: في رواية عصر الحُبّ يقول الراوي: الكثير من الحُبّ ولا عائد!

الاستمرار

الفنان محمود مرسي في دور سي السيد
الفنان محمود مرسي في دور سي السيد ضمن مسلسل الثلاثية

طيب. أنت حين ترى أمينة الموصوفة بعناية، ماذا تظن بها؟ قد يكون رد فعلك الأول الاستهجان لحالها والغضب منها وقد يكون الرفق بها التعاطف معها، في الحالين يهمني أكثر أن تفهم أن وجودها قرار. الاستمرار واحد من أشياء لا تقع بالصدفة، وليس من أحد يعيش حياته في غفلة لأعوام، وحتى أثقل صور الغفلة تتخلها لحظات فواق لا يفضي إلى الاستمرار إلا تجاهلها بقرار واعٍ. فإذا سلمنا أن أمينة اختارت في لحظات متفرقة متعددة هذا الوجود بظروفه الخاصة، علمنا أن سي السيد -الذي لم يكن هكذا يوم ولد ولا يوم كان في العاشرة ولا يوم تزوج أمينة ولا قبل هذا اليوم الموصوف بثلاثة- تطور على طول هذا الاستمرار.

فما عناه محفوظ بالتالي -فيما أرى- بالربط بين المصيرين هو الربط بين المنشأين؛ فإننا لا نعلم أصل سي السيد ولا أصل أمينة، لكننا أمسينا بعد المشهد الأول نعلم اتصالهما المحتم واعتماد أحدهما على الآخر. يمكنك عند هذه النقطة تفصيل سلوك سي السيد بل محض وجوده (تأخره بالخارج، انفصال شخصيتيه، الجفاء الذي تتخلله ألفة، شربه الخمر، تطلبه لتفاصيل الخدمة، محدودية وقته المتاح لها) ومقابلته بتفاصيلها (الاحتفاء به، جلوسها عند قدمه، الشعور بالأمان في حضوره، الرهبة المخلوطة بأمل متذبذب، رضاها الاستثنائي بقليله، استعدادها الهوسي المثالي لمقدمه، تسليمها به كأنما قدر بل إله).

نرشح لك قراءة: هل النجيب كان محفوظاً؟ نرصد لكم عثرات في حياة أستاذ الرواية العربية

عدو للمرأة؟

من مشهد الإفطار الشهير في فيلم بين القصرين
من مشهد الإفطار الشهير لعائلة سي السيد في فيلم بين القصرين الجزء الأول من الثلاثية

سي السيد، بعد كونه نموذجًا للذكر المسيطر، تجسيد لكل ما أنشأ أمينة ونشأ عنها، وبالتالي فهو عندي ليس سبب شقائها ومعذبها، بل هو تعبير عن وجود شقي يوازيها غالبًا. هل عندي ما يدعم هذا؟ طبعًا: وجود عائشة التي توقف سيرها لغياب مكملها، وعدم اكتمال نموذج ياسين لما لاقى من مقاومة. لكن أهم دليل هو اختلاف نظرة السيد أحمد للمرأة داخل البيت عن خارجه.

فالمرأة خارج البيت مستحقة للصحبة وممتعة وجديرة بالاهتمام، لكنها فيه جماد تطمئن العين لوجوده بلا تفحص ووعاء لتفريغ كل ما تعلمه عن الزواج الذي -كما سنرى في سلوكه من بعد- فعل إجباري يمارسه كل جيل خضوعًا لإيمانات سابقِه. هل نشأ هذا الاختلاف في النظر عن انفصام سلوكه أم سبَّبه؟ يعني: هل نظرة سي السيد للمرأة المتصلة به مختلفة فعلًا عن نظرته للمرأة بشكل عام (وبالتالي فهو أصلًا لا يحقر النساء)، أم أنه تداعٍ من تداعيات سلوكه وتماشٍ مع العالم الخارجي؟

الست أمينة مع سي السيد
في الثلاثية: هل كان سي السيد عدوًّا للمرأة؟

طيب، هاك سؤالًا أهم: إن يكن سي السيد عدوًّا للمرأة بالفعل، فما معنى انسجامه غير المشوب بها في سياقات اللهو؟ وإذا كان هذا صحيحًا بالفعل (مع تقديسه شبه الديني للعبث)، أيعني أنه في الحقيقة منقاد لشهوته ساخط على الجزء الخاضع للمرأة من ذاته؟ هل يزعجه حقًّا -وإن لم نرَ- اجتماع تدينه مع فسقه؟ كان يمكن تأكيد هذا بسهولة لو وجدنا إشارات له في الروايات، أو لو كنتُ أذكى، لكنه ليس موضع اهتمامي في الحقيقة. ونحن نعلم علم اليقين أنه نقم على المرأة بالفعل وإن لم يكفِ هذا للاستدلال على منهج واضح المعالم أساسي.

فإذا ثبت ما قررت، فلماذا شعر سي السيد بحاجة قهرية إلى التصرف في بيته على هذا النحو؟ إذا كان يرفض أن تشترك أمينة أو ابنتاه في أقل قدر مع النسوة اللائي يقضي معهن سهراته، ألا يوحي هذا باحتقاره لهن (وإن استثنى سياقًا معينًا شيد جدرانه وجعل نفسه مركزه)؟ هي مسألة نظرية عمومًا ولست متأكدًا مما يمكن أن تقود إليه. الخلاصة أن سلوك السيد أحمد المنافقَ استجابةٌ لما تربى عليه من تناقض في التصورات الذكرية عن المرأة: أن تُلزم زوجتك بالشرف وتخونها، متغافلًا عن أن هذه الخيانة لا يمكن أن تقع إلا مع امرأة أيضًا هي (بشكل محتمل) زوجة آخر وبالتالي زوجتك في فضاء موازٍ.

نرشح لك قراءة: نظرة على المجتمع المصري في أدب نجيب محفوظ: التفاوت الطبقي نموذجًا!

غير قابل للاستمرار

الكبير نجيب محفوظ صاحب ثلاثية القاهرة
الكبير نجيب محفوظ صاحب الثلاثية وكاتب شخصية سي السيد

سي السيد رجل ضعيف، وهو شأن كل من يحتاج إلى إظهار هذا القدر من القوة والتسلط. ومع أن نجيب محفوظ لا يعاقب أبطاله فيما أذكر، فأحسب هذا الرجل تلقى من كاتبه عقابًا شديدًا متعدد المحطات. لكن جاء هذا مقبولًا إذ ضمه سياق التقدم الطبيعي في العمر ونوائب الدهر العادية. في المقابل لم تعش أمينة أصلًا فلم تخسر شيئًا مع تناقص الخيارات (هل أشعرك هذا بدفقة حزن عجيبة كما أشعرني؟)، أما السيد فتسنى له أن يشهد كل تفصيل من تفاصيل جريمته الطويلة. كل خسارة كانت ضوءًا أوضح كبيرة من كبائره، ثم إنه لم يندم عند ذلك سوى ندم العاجز، ولم يبد عليه شعور بالذنب إزاء أمينة الطرف الأكثر تضررًا من أعماله.

لكن أشد ما وقع له أن لم يورث. فإن رجلًا يولي الحياة المنزلية هذا القدر من التحكم والتدخل يطلب الخليفة وينشد الأثر ولا ريب؛ حتى تتلوه سلسلة من الحماقة والظلم كالتي سبقته توطد وجوده وتطرد إمكانية شكه. أما كمال فما تزوج قط، وأما فهمي فمات في سبيل شيء لم يستطع هو مقته (ثم كان حزنه الذي أكد هوان نظامه التربوي وانعدام قيمته)، وأما ياسين ففشلت خطته الكبيرة في حيازة سيطرة كسيطرة أبيه. ذلك أن العالم -الذي سيظل سيئًا على كل حال- متطور متقدم تتقاذفه الأفكار المتغيرة بلا توقف، فنموذجه المتطرف، المرهق له ولضحاياه، غير قابل للاستمرار ببساطة.

0

شاركنا رأيك حول "هل كان سي السيد عدوًّا للمرأة؟ حديث عن شخصية نجيب محفوظ الأبرز"