تمكين المرأة تاريخيًّا: من حق التعليم إلى المناصب الإدارية
3

حركة تمكين المرأة إحدى أهم الحركات التي غيرت لنا من شكل العالم بأسره خلال القرون الأخيرة، وهذا يظهر من منحوتة الفليسوفة السكندرية هيباتيا التي نراها في صدر المقال. فماذا تعني تلك الحركة وكيف انطلقت؟ هذا ما سنتعرف عليه في هذا المقال.

وفقًا لقاموس أوكسفورد الحديث، يعني مصطلح التمكين – Empowerment منح السلطة لشخص أو شيء للتحكم بها[1] وهي عادةً ما تكون سلطة سياسية أو اقتصادية أو غير ذلك، ويهدف التمكين بالأخص لرفع العلائقية التي تتخذها السلطة عندما تتحيز أو تنحصر ضمن مجموعة من الناس (عرقية أو جنسية) دون مجموعة أخرى، وعادةً ما يقود هذا الحصر إلى هيمنة – Domination تلك المجموعة دون غيرها، ما يؤدي في النهاية إلى سلسلة طويلة من عمليات الاستغلال، السيطرة أو القمع على المجموعات الأخرى، وهنا يكون التمكين حلًا اضطراريًا.

يظهر هنا معنى تمكين المرأة بوضوح، وهو منح المرأة حصتها الكاملة من فرص التنمية، التعليم والفرص السياسية وتغلبها على العنف الاجتماعي-الثقافي الذي تواجهه وانعدام المساواة.

تاريخ تمكين المرأة

التاريخ المبكر

من الصعب تتبع هذه العملية جيدًا منذ بداية التاريخ، فهناك العديد من المحددات التي جعلت من تمكين المرأة عملية غير منظمة، كالوصول للسلطة عبر حيل غير نظامية تمكنت بعض النساء من عملها على مر التاريخ، ولكن سنحاول ببعضٍ من الإيجاز أن نرسم صورة لحركة التمكين المنظمة عبر التاريخ.

تمكين المرأة

حاليًّا توجد العديد من الحركات النسوية، والكثير من الأقلام المدافعة عن حقوق المرأة بشكلٍ أو بآخر سواء كانت صريحة تمامًا مثل نوال السعداوي، أو مستترة أدبيًّا مثل رضوى عاشور. لكن عند العودة للماضي، نجد أن حركة تمكين المرأة قد واجهت العديد من المشاكل في بداية الدعوة إليها، في وسط الهيمنة الذكورية كان من الخطر أن يظهر مجتمع جديد يقتسم مع المجتمع الذكوري السائد، تيك الهيمنة السلطوية التي تشكلت عنده على مر التاريخ.

ونرى هذا الخوف من مقاسمة السلطة متجليًا بوضوح في روما القديمة. وذلك في صورة الاحتجاجات النسائية على قانون أوبيا – lex Oppia[2] وهو قانون وضعه غايوس أوبيوس في ظل الحرب، يحظر على النساء ارتداء المجوهرات أو قيادة العربات وارتداء الملابس الشعبية الجيدة وحتى وصل الأمر لوضع قيودٍ على التسوق والحاجات الأساسية التي تشتريها المرأة، وهذا بحجة توفير ثرواتهم لاستخدمها لأجل الحرب.

ولكن بعيدًا عن هذا القانون وتحيزه الجنسي، دعونا نرى حجة كاتو الأكبر، القنصل الروماني الذي حارب كي لا يلغى القانون أمام تظاهرات النساء:

بمجرد أن يبدأن في التساوي معك، ويصبحن متساوياتٍ بك، يصبحن -عاجلًا أم أجلًا- رؤساءك!.[3]

لم يرغب كاتو (والذي كان يمثل السلطة الذكورية التي عارضت إلغاء القانون) في مقاسمة المشاركة السياسية أو المجتمعية مع النساء، ففضل على ذلك استخدام قانونًا قمعيًّا لمنعهم من الوصول لتلك الحقوق.

كان هناك العديد من الحركات المبكرة الأخرى لمحاولة تمكين المرأة مجملًا، يمكن القول أن أشهرها هي دعوة أفلاطون في جمهوريته إلى أن النساء لديهن (قدرات طبيعية – Natural Capacities) مكافئة لتلك التي عند الذكور[4] إلا أن الكثير لم يتفقون معه.

استمرت أحوال النساء في أوروبا -إذ لم تكن في العالم أجمع- على هذا النحو، ولم تبدأ الحركات ذات التأثير الخفيف في الظهور إلا مع نهاية القرن الخامس عشر، عندما بدأ عصر التنوير الأوروبي. كانت كريستين دي بيزان إحدى أشهر علامات ذاك العصر من النساء، حيث كافحت فيه للنجاة بأطفالها في ظل الظروف السيئة التي كانت تمر بها النساء في العمل، وكان من أشهر كتابتها: كتاب مدينة السيدات – The Book of the City of Ladie، الذي دعت فيه بنصوص نثرية لحق المرأة في التعليم والحقوق المساوية مع الرجل في سوق العمل، وبذلك بدأت موجة جديدة تمامًا بالنسبة لمفهوم تمكين المرأة مجملًا.

تمكين المرأة - كتاب مدينة السيدات – The Book of the City of Ladie

أثار كتاب دي بيزان الشرارة الأولى نحو تمكين المرأة في عصر التنوير، وتابعها العديد من المفكرين الآخرين كإيسوتا نوجارولا وتوماس مور فيما بعد، لتحصل المرأة في أوروبا أخيرًا على حقوقها الأساسية كالتعليم والانتخاب والاقتراب من المساواة في الحقوق مع الرجل، وعلى هذا اقترب العالم شيئًا فشيئًا من عملية تمكين المرأة في القرن السابق.

ولكن في حال نظرنا للتاريخ المبكر للإنسانية، أي منذ ما يصل إلى 5000 آلاف عام، فنحن نجد أنه لم يكن هناك حاجة لمفهوم تمكين المرأة فعليًا، ففي بعض الأنظمة الطوطمية، وفي فترات متباينة من التاريخ -كفترة حكم الفراعنة في مصر- حصلت المرأة على كامل حقوقها ولم تكن هناك فروقٌ اجتماعية كثيرة بينها وبين الرجل. يفسر العديد من الأنثروبيولوجيين -والماركسيون منهم على الأخص- هذه الظاهرة على أن السبب فيها هو كون معاملة المرأة في ذلك الوقت لم تستند إلى تقسيم السلطة السياسية، لأنها اعتمدت حاليًا على تقسيم الثروات، وفي ذلك الوقت المبكر لم تكن هنالك الثروات التي يمكن تقسيمها سواء بتحيز أو بدون تحيز[5].

التاريخ الحديث

لو أخذنا بصحة رؤية ماركس، فإن فترة الحرب لن تكون فترة مناسبة أبدًا للنزاع على توزيع السلطة السياسية والثروات أو محاولة تمكين المرأة بشكلٍ من الأشكال، وهذا ما حدث فعلًا في الفترة التي تلت عصر التنوير، عندما بدأت صراعات التوسع الامبريالي للقوى العظمى قديمًا؛ كالمملكة البريطانية ودول أوروبا والدولة العثمانية. أصابت هذه الحروب التقدم الحضاري وحركات تمكين المرأة بخمول طويل، فلم تشهد تلك الحركات إنتاجًا جيدًا اللهم حتى بداية القرن التاسع عشر على يد أبيجيل آدامز، زوجة جون آدامز، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الثاني.

كانت آدامز واضحة للغاية في مطالبها كما يظهر في رسالتها الحادة لزوجها جون آدامز:

لا تضع كل هذه السلطة في أيدي الرجال، الرجال يمكنهم أن يصبحوا طغاةً إذا استطاعوا، إذ يتم إيلاء اهتمام خاص بالسيدات، فإننا مقبلون على بدء تمرد، ولن نُلزم أنفسنا بأي قوانين لا صوت لنا فيها. [6]

رسالة زوجة جون آدامز - تمكين المرأة
نص الرسالة.

وعلى الرغم من أن أدامز قد بدأت تمردها في بداية القرن التاسع عشر، إلا أن نتائجها لم تثمر إلا في بداية القرن العشرين عندما حصلت النساء على حقوقهن في التصويت، وبدء تمكين المرأة بشكلٍ أقوى.

مع بداية عام 1929 وحلول الكساد الكبير في الولايات المتحدة الأمريكية أُجبر العديد من النساء للنزول لسوق العمل الصعب، وأُجبر كذلك أصحاب العمل على توظيفهن في ظل الأزمة المالية وكانت هذه شرارة البداية لدخول النساء في سوق العمل الحديث، توسع الأمر خلال الحرب العالمية الثانية، عندما كلفت العديد من الدول نساءها بأنشطة في الجيش حتى عمل بعضهن في نفس أماكن الرجال.

من هنا بدأن في البحث عن تمكين المرأة ليس فقط في الأعمال الحربية، بل في سوق العمل كذلك. وكانت على رأسهن روزي المبرشمة – Rosie the Riveter والتي حُكي أنها كانت تعمل بجانب الرجال في إنتاج أدوات الحرب كالذخائر، ألهمت روزي الحركات الحقوقية وكان لها أكبر تأثير عليها، وفقًا لموسوعة تاريخ الاقتصاد بأمريكا، فإن روزي المبرشمة (البرشام هو مثبت ميكانيكي شهير في الآلات المعدنية) كانت سببًا في رفع القوى العمالية النسائية بنسبة تصل إلى 57%[7] وارتفعت فرص العمل المتاحة للنساء من 28% إلى 80%[8].

وحتى الآن ارتفعت حصة المرأة من الريادة القيادية على الصعيد العالمي، في عام 2019 أُعلن أن نسبة النساء في المناصب الإدارية العليا على مستوى العالم تصل إلى 29%، وهو أعلى رقم تم تسجيله على الإطلاق حتى اليوم[9] كما تشير الاحصائيات أنهن -عالميًا- يشكلن حوالي 42% من المهنيين و37% من المديرين[10].

دور الحركة النسوية في تمكين المرأة

كانت للحركات النسوية الأخيرة أدوارًا حاسمة في المحاربة لأجل تمكين المرأة وحقوقها، وكانت من الأسباب الأساسية التي أنتجت لنا قوانين تكافؤ الفرص – Equal Opportunities وقانون المساواة في الأجور Equal Pay Act 1970، تلك القوانين التي بدأت بريطانيا بالعمل بها على إثر الحركات النسوية منذ الستينيات[11].

كما أدت حركة تحديد النسل التي قادتها العديد من الحركات النسوية (خصوصًا في البلاد التي كانت تعدها تقنية جديدة) إلى رفع عمالة جزء كبير من النساء، بعد أن استطعتن التخطيط جيدًا لخططهم المستقبلية دون التعثر فجأة في أمور التربية.


المراجع

[1] New Oxford English Dictionary, edited by Judy Pearsall, Clarendon Press, Oxford, 1998, P. 605.
[2] Hornblower, Simon, and Antony Spawforth. “Lex Fannia.” The Oxford Classical Dictionary. 3rd ed. New York: Oxford UP, 2003.
[3] “As soon as they begin to be your equals, they will have become your superiors” from: J. Holoka, et.. Cengage Advantage Books, pp172. Google Books.
[4] Frede, Dorothea, “Plato’s Ethics: An Overview”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.)
[5] Karen M. Offen, Women, the Family, and Freedom: 1750-1880, Stanford University Press. 1983. pp. 246
[6] Equal Franchise Society Legislative Series; extract from a letter from Abigail Adams to her husband John Adams. Equal Franchise Society, New York City, New York, n. d. Online Text. https://www.loc.gov/item/rbcmiller002888/.
[7] Maureen Honey, Creating Rosie the Riveter: Class, Gender and Propaganda during World War II. (2004). pp 24.
[8] Ibid.
[9] Grant Thornton, Women in Business 2020: Putting the Blueprint into Action. (2020). pp. 4.
[10] Mercer, Let’s Get Real About Equality: When Women Thrive 2020 Global Report. (2020). pp. 17.
[11] Mackie, Lindsay (29 December 1975). “The equal pay day is here: Lindsay Mackie looks at the new laws aimed at boosting women’s status”. The Guardian. Guardian Media Group. pp. 5.

3

شاركنا رأيك حول "تمكين المرأة تاريخيًّا: من حق التعليم إلى المناصب الإدارية"